قال المصنف: «وجعلَ رسُولُ الله ﷺ يَعْرِضُ نفسَه على القبائل أيامَ المواسم، ويقول: مَنْ رجلٌ يحملُني إلى قومِه فيمنعُني حتى أُبلّغَ رسالةَ ربي؛ فإن قريشًا منعوني أن أُبلّغَ رسالةَ ربي. هذا وعمُّه أبو لهب ــ لعنه الله ــ وراءه يقولُ للناسِ: لا تسمعوا منه فإنه كذَّابٌ. فكان أحياءُ العَرَبِ يتحامَوْنه لما يسمعون من قريشٍ فيه: إنه كاذبٌ،
_________________
(١) مسند أحمد «٢٨١٩»، وصحح إسناده أحمد شاكر وشعيب الأرناؤوط.
(٢) صححه العلامة أحمد شاكر في تحقيقه للمسند «٣٥٤٦». ولم تذكر الرواية أسماءهم ولا عددهم.
(٣) مستدرك الحاكم ٣/ ٦٥، وقال: "صحيح الإسناد"، وصححه الألباني في الصحيحة «٣٠٦».
[ ٧٦ ]
إنه ساحرٌ، إنه كاهنٌ، إنه شاعرٌ، أكاذيبُ يقذفونَه بها من تلقاءِ أنفسِهِم، فيُصغي إليهم مَنْ لا تمييز له من الأحياءِ. وأما الألبَّاءُ (^١) إذا سمعوا كلامه وتفهموه شهدوا بأن ما يقولُه حقٌّ وأنهم مفترونَ عليهِ، فيُسْلِمون».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ عرض النبي ﷺ نفسه على القبائل في المواسم ودعوتهم إلى الإسلام مخرج في أبي داود بإسناد على شرط البخاري كما قال الحافظ الذهبي (^٢).
٢ ــ وقول عمّه أبي لهب: "لا تسمعوا منه فإنه كذاب"، أخرجه أحمد في المسند بسند صحيح، ولفظ روايته عن ربيعة بن عباد الديلي، أنه قال: "رأيت أبا لهب بعكاظ، وهو يتبع رسول الله ﷺ وهو يقول: يا أيها الناس، إن هذا قد غوى، فلا يغوينكم عن آلهة آبائكم، ورسولُ الله ﷺ يفرّ منه، وهو على أثره، ونحن نتبعه، ونحن غلمان، كأني أنظر إليه أحول ذو غديرتين أبيض الناس وأجملهم"، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح (^٣).
٣ ــ وقد مكث النبي ﷺ بمكة عشر سنين وهو يعرض نفسه على القبائل في المواسم ويتبع منازلهم ويقول: «من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلّغ رسالة ربي وله الجنة» (^٤).
٤ ــ وفي عرض النبي ﷺ نفسه على القبائل أيام المواسم، دليل على أن الداعية
_________________
(١) العقلاء.
(٢) سنن أبي داود (٤٧٣٤)، تاريخ الإسلام للذهبي ١/ ٦٤٤.
(٣) مسند أحمد بتحقيق شعيب الأرناؤوط «١٦٠٢٠».
(٤) مسند أحمد «١٤٤٥٦»، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٧٧ ]
إلى الله يجب عليه استغلال كل مناسبة يجتمع فيها الناس لدعوتهم إلى الله تعالى.
٥
_________________
(١) وأنه لا ينبغي أن يقصر الداعي دعوته على مجالسه ودروسه الخاصة فحسب، بل يَحْسُنُ به الذهاب إلى مجالس الناس وأنديتهم وأماكن تجمعاتهم إن أمكنه ذلك. * * *
[ ٧٨ ]
فصل