قال المصنف: «ونَهَضَ رسُولُ الله ﷺ بنفسهِ الكريمةِ إلى بني النَّضير ليستعينَ على ذَينِك القتيلين لما بينه وبينهم من الحِلْف، فقالوا: نعم. وجلَسَ ﷺ هو وأبو بكرٍ وعمرُ وعليٌّ وطائفةٌ من أصحابه ﵃ تحت جدارٍ لهم، فاجتمعوا فيما بينهم، وقالوا: مَنْ رجلٌ يُلقي بهذه الرحا (^١) على محمدٍ فيقتله؟
فانتدب لذلك عمرو بن جحاشٍ لعنه الله. وأعلمَ اللهُ رسُولَه بما همُّوا به، فنهضَ ﷺ من وقته مِنْ بين أصحابه، فلم يتناه دون المدينة، وجاء من أخبر أنَّه رآه ﷺ داخلًا في حِيطان المدينة.
فقام أبو بكرٍ ومن معه فاتبعوه. فأخبرهم بما أعلَمه الله مِنْ أمر يهود، وندبَ الناسَ إلى قتالهِم، فخرجَ، فحاصرهم ستَّ ليالٍ، فتحصَّنوا في آطامهم. فأمر ﷺ بقطعِ نخيلِهم وإحراقها، فسألوا رسُولَ الله أن يُجليهم ويحقِن دماءَهم على أن لهم ما حملت إبلُهم غيرَ السلاح فأجابهم إلى ذلك.
فتحمَّل أكابرُهم كحُييّ بن أخطَب، وسلَّامِ بن أبي الحُقيق بأهليهم وأموالهم إلى خيبر فدانت لهم، وذهبت طائفةٌ منهم إلى الشام. وفي هذه الغزوة أنزلَ الله سبحانه
_________________
(١) الرحا: حجران مستديران ثقيلان يطحن بهما الحبوب.
[ ١٨٥ ]
سورة الحشْرِ، وقد كان عبدُ الله بن عبَّاس ﵄ يسميها سورة بني النَّضير (^١).
وقنت رسول الله ﷺ شهرًا يدعو على الذين قتلوا القراء؛ أصحاب بئر معونة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حادثة بني النضير أورد البخاري ومسلم في الصحيحين أجزاء مفرقة منها، منها: حديث ابن عمر قال: "حاربت النضير، وقريظة، فأجلى بني النضير، وأقر قريظة ومنّ عليهم، حتى حاربت قريظة .. " (^٢)، ومنها حديث ابن عمر قال: «حرَّق رسول الله ﷺ نخل بني النضير وقَطَع .. " (^٣).
٢ ــ والمشهور عند أهل المغازي والسير أن هذه الغزوة كانت بعد أُحد في السنة الرابعة من الهجرة (^٤).
٣ ــ وأما عن سبب الغزوة فقد ذكر المصنف أنها كانت بسبب محاولة بني النضير الغدر برسول الله ﷺ وقتله عندما جاءهم ليستعين بهم على دية الرجلين الذين قتلهما أحد أصحابه خطأ.
وهذا السبب ذكره ابن إسحاق بإسناد مرسل (^٥)، وذكره البخاري في صحيحه مما يدل على قبوله له وذلك في قوله: "باب حديث بني النضير، ومخرج رسول الله ﷺ
_________________
(١) صحيح البخاري «٤٠٢٩».
(٢) صحيح البخاري «٤٠٢٨»، صحيح مسلم «١٧٦٦».
(٣) صحيح البخاري «٤٠٣١»، صحيح مسلم «١٧٤٦».
(٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٠، طبقات ابن سعد ٢/ ٤٣.
(٥) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٠.
[ ١٨٦ ]
إليهم في دية الرجلين، وما أرادوا من الغدر برسول الله ﷺ" (^١).
وقد ذكر أهل المغازي لهذه الغزوة أسبابًا أخرى، منها: الدس والتحريض، حيث حضّ بنو النضير قريشًا على قتال رسول الله ﷺ، ومنها: إعانتهم لأبي سفيان بن حرب عندما أغار على أطراف المدينة بعد بدر فيما عرف بـ «غزوة السويق»، وإمداده بالمعلومات التي يحتاجها عن المسلمين.
فاجتمعت هذه الأسباب كلها فقرر النبي ﷺ وضع حدّ لممارساتهم الإجرامية، وحصارهم وطردهم من المدينة (^٢).
٤ ــ وأمره ﷺ بتحريق نخل بني النضير وقطعه ثابت في الصحيحين، وقد أنزل بسببه قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] (^٣).
٥ ــ وقد أراد ﷺ بقطع وتحريق نخيلهم التضييق عليهم حتى يستسلموا، وفيه من الفقه: جواز تحريق شجر العدو وحصونهم إذا ترتبت عليه مصلحة شرعية من النكاية به وإضعافه وهزيمته (^٤).
٦ ــ وقد كانت مدة الحصار ستّ ليال كما في السيرة لابن إسحاق (^٥).
٧ ــ وقد ذكر الحافظُ ابنُ حجر أن: "أرض بني النضير كانت مما أفاء الله على
_________________
(١) صحيح البخاري قبل «٤٠٢٨».
(٢) ينظر السيرة النبوية لمهدي رزق الله ص ٤٠٢.
(٣) صحيح البخاري «٢٣٢٦»، صحيح مسلم «١٧٣٦».
(٤) عمدة القاري ١٢/ ١٦٢،
(٥) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩١، وقوى الرواية أكرم العُمري في السيرة الصحيحة ١/ ٣٠٨.
[ ١٨٧ ]
رسوله وكانت له خالصة، لكنه آثر بها المهاجرين وأمرهم أن يعيدوا إلى الأنصار ما كانوا واسوهم به لما قدموا عليهم المدينة ولا شيء لهم، فاستغنى الفريقان جميعًا بذلك" (^١).
٨ ــ وقنوته ﷺ شهرًا يدعو على الذين غدروا بالقراء في بئر معونة مخرج في الصحيحين (^٢).
٩ ــ والمراد أنه كان يدعو عليهم في كل صلاة إذا قال "سمع الله لمن حمده" في الركعة الأخيرة، وفيه دليل على استحباب القنوت عند النوازل والمصائب (^٣).