قال المصنف: «فَنَهَضَ ﷺ من وقتهِ إليهم، وأمرَ المسلمينَ أن لا يصلّي أحدٌ صلاة العصرَ ــ وقد كان دخل وقتُها ــ إلَّا في بني قريظة، فراحَ المسلمونَ أرسالًا، وكان منهم مَنْ صلَّى العصرَ في الطريقِ، وقالوا: لم يُرِد رسُولُ الله تركَ الصلاةِ، إنما أرادَ تعجيلَ السيرَ، وكان منهم من لم يُصلّ حتى غربت الشمسُ، ووصلَ إلى بني قريظة، ولم يعنّف ﷺ واحدًا من الفريقين.
والذين صلّوا العصرَ في وقتها حازوا قصَبَ السبقِ، لأنهم امتثلوا أمره ﷺ في المبادرة إلى الجهادِ وفعل الصلاة في وقتها، ولا سيما صلاة العصرِ التي أكد الله سبحانه المحافظة عليها في كتابه. والحاصلُ أنَّ الذين صلّوا العصرَ في الطريقِ جمعوا بين الأدلةِ، وفهموا المعنى فلهم الأجرُ مرتين، والآخرينَ حافظوا على أمرِه الخاصّ، فلهم الأجرُ رضي الله عن جميعهم وأرضاهم».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ كانت غزوة بني قريظة بعد الأحزاب مباشرة في السنة الخامسة من الهجرة، وبعضهم يعدها غزوة مستقلة، وبعضهم يعدها تابعة لغزوة الأحزاب (^١).
_________________
(١) فتح الباري ٧/ ٢٨١.
[ ٢١١ ]
٢ ــ وكان سبب هذه الغزوة خيانة ونقض بني قريظة للعهد الذي كان بينهم وبين النبي ﷺ بتحريض من حييّ بن أخطب ــ جرثومة هذه الفتنة ــ كما تقدم تفصيله في حوادث غزوة الأحزاب.
ولولا أن الله ﷿ صرف الأحزاب وردّهم لأصاب المسلمين شرٌّ عظيم بسبب بني قريظة ونقضهم للعهد!!
٣ ــ وقوله ﷺ: "لا يصلينّ أحد منكم العصر إلا في بني قريظة": هذا مخرج في الصحيحين، إلا أنه في رواية مسلم: الظهر بدل العصر. (^١). وعلماء السيرة متفقون على أنها العصر (^٢).
٤ - وحاصل خلاف الصحابة في فهم هذا الحديث أن بعضهم حمل النهي فيه على حقيقته فأخروا صلاة العصر حتى صلوها في بني قريظة ولم يبالوا بخروج وقتها، وأما الصحابة الآخرون فحملوا النهي على غير حقيقته، وقالوا: ليس المقصود تأخير الصلاة عن وقتها، وإنما المراد الحثُّ والإسراع إلى بني قريظة، وهذا قول الجمهور من أهل المعاني والقياس (^٣)، وفعلهم هو الأرجح كما أوضحه المصنف ﵀.
٥ ــ وقد دلت هذه الحادثة على جواز اجتهاد العلماء في فروع الأحكام، ورفع الحرج عنهم في ذلك، وأن بعض نصوص الكتاب والسنة يمكن أن يحمل أكثر من فهم وأكثر من تفسير.
_________________
(١) صحيح البخاري «٤١١٩»، صحيح مسلم «١٧٧٠».
(٢) فتح الباري ٧/ ٤٠٨.
(٣) إعلام الموقعين ١/ ١٥٦.
[ ٢١٢ ]