قال المصنف: «ثم غزا رسُولُ الله ﷺ غزوة بُوَاط، فخرجَ بنفسه ﷺ في ربيع الآخر من السنة الثانية، واستعملَ على المدينةِ السَّائبَ بن عثمان بن مظعون، فسار حتى بلغ بُواطَ من ناحية رَضْوَى، ثم رجعَ ولم يلقَ حربًا.
ثم كانت بعدها غزوة العُشَيْرة، ويقال بالسّين المهملة، ويقال العُشَيْراء. خرجَ بنفسه ﷺ في أثناء جُمَاد الأُولى حتى بلغَها، وهي مكانٌ ببطن ينبع، وأقام هناك بقية الشهر ولياليَ من جُمَادى الآخرة، وصالَحَ بني مُدْلِج، ثم رجع ولم يلق كيدًا، وقد كان استخلف على المدينة أبا سَلَمَة بنَ عبد الأسد. وفي صحيح مسلم من حديث أبي إسحاق السبيعي، قال: قلتُ لزيد بن أَرقم: كم غزا رسُولُ الله ﷺ؟ قال: تسع عشرة غزوة، أولها العُشيرة أو العُشيراء.
ثم خرجَ بعدها بنحو من عشرة أيام إلى بَدْرٍ الأُولى، وذلك أن كُرْزَ بن جابر الفِهْري، أغار على سَرْحِ المدينة (^٣)، فطلبه، فبلغَ واديًا يقال له سَفَوان في ناحية بَدْرٍ،
_________________
(١) بُواط: واد غرب المدينة، على قرابة «٥٥» كيلًا.
(٢) العشيرة: مكان ناحية ينبع، بينه وبين المدينة «١٨٥» كيلًا.
(٣) السرح: الإبل والغنم.
[ ١٢١ ]
ففاته كُرْز فرجع، وقد كان استخلف على المدينة زيد بن حارثة ﵁».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ أورد ابن إسحاق تفاصيل غزوتي بُواط والعُشيرة بدون إسناد (^١)، لكن البخاري بوب في الصحيح، وقال: "باب غزوة العُشيرة أو العُسيرة" ثم نقل عن ابن إسحاق قوله: «أول ما غزا النبي ﷺ: الأبْواء، ثم بُوَاط، ثم العُشَيْرة» (^٢).
٢ ــ وحديث زيد بن أرقم في أول غزوات النبي ﷺ عزاه المصنف لمسلم (^٣)، وهو مخرج أيضًا في البخاري بنحوه (^٤).
٣ ــ وقد تقدم توجيه المصنف لحديث زيد في أول الغزوات، وأن مقصوده: ما حضره زيدٌ بنفسه مع النبي ﷺ لا أنها أول الغزوات مطلقًا.
وكذلك ما ذكره زيد بن أرقم من عدد الغزوات فقد خولف فيه، حيث أثبت جمهور العلماء للنبي ﷺ (٢٧) غزوة (^٥)، ويحتمل أن زيدًا تكلم بحسب علمه وخفيت عليه بعض الغزوات (^٦)، على أن الحافظ ابن حجر دافع عما قاله زيد بن أرقم، وأوضح أن سبب الاختلاف يرجع إلى طريقة عدّ الغزوات، فبعض العلماء يجعل مثلًا غزوة الأحزاب وبني قريظة واحدة لقربهما من بعض، وبعضهم يجعلهما اثنتين،
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٩٨.
(٢) صحيح البخاري، قبيل «٣٩٤٩».
(٣) صحيح مسلم «١٢٥٤».
(٤) صحيح البخاري «٣٩٤٩».
(٥) شرح المواهب للزرقاني ٢/ ٢٢٠.
(٦) البداية والنهاية لابن كثير ٥/ ٣١.
[ ١٢٢ ]
وبعضهم يجعل غزوة حنين والطائف واحدة، وبعضهم يجعلهما اثنتين .. وهكذا (^١).
٤ ــ وغزوة بدر الأولى ذكرها ابن إسحاق والواقدي وابن سعد جميعًا بدون إسناد (^٢). ٥ ــ وقد أسلم كُرز فيما بعد كما ذكر الحافظ ابن حجر (^٣).
_________________
(١) فتح الباري ٧/ ٢٨١.
(٢) سيرة بن هشام ١/ ٦٠١، والمغازي للواقدي ١/ ١٢، طبقات ابن سعد ٢/ ٦.
(٣) فتح الباري ٨/ ١٠.
[ ١٢٣ ]
فصل