قال المصنف: «ولمَّا أصبحَ يومُ الأحدِ، ندبَ رسُولُ الله ﷺ المسلمينَ إلى النهوضِ في طلبِ العدوّ، إرهابًا لهم، وهذه غزوة حَمراء الأَسَد، وأَمَرَ ألَّا يخرجَ معهُ إلَّا من حَضَر أُحدًا، فلم يَخرج إلَّا من شَهِدَ أُحدًا، سوى جابرِ بنِ عبدِ الله، فإنه كان أبوه استخلفهُ في مهماته، فقُتِل أبوه يومَ أُحدٍ، فاستأذنَ رسُولَ الله ﷺ في الخروجِ إلى حَمراء الأَسَد، فأذن لهُ.
فنَهضَ المسلمونَ كما أمرهم ﷺ، وهم مُثقلونَ بالجراحِ، حتى بلغَ حَمراءَ الأَسَد، وهي على ثمانية أميال مِنْ المدينةِ، فذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ غزوة حمراء الأسد ليست غزوة مستقلة وإنما هي تابعة لغزوة أُحد وفصلًا من فصولها.
٢ ــ وحاصل هذه الغزوة أن رسول الله ﷺ صباح الغد من معركة أُحد كان قد خشي أن يفكر المشركون بالكرَّة مرة أخرى فيهاجموا المدينة ليتمموا ما حققوه
_________________
(١) حمراء الأسد: جبل أحمر جنوب المدينة على مسافة (٢٠) كيلًا على طريق مكة.
[ ١٧٣ ]
من غلبة، فأراد ﷺ أن يبادرهم بالغزو والمطاردة حتى يأمن رجوعهم وعودتهم.
٣ ــ وقد وردت إشارة إلى هذه الغزوة في صحيح البخاري عن عائشة ﵁ قالت: "لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: «من يذهب في إثرهم» فانتدب منهم سبعون رجلًا" (^١).
٤ ــ وفي خروجه ﷺ إلى هذه الغزوة مظهر عظيم من مظاهر الشجاعة وتحمل المشاق في سبيل الله وعدم الاستسلام لأي شكل من أشكال الضعف والهزيمة.
٥ ــ وفي استجابة الصحابة لنداء النبي ﷺ وخروجهم وهم مثقلون بالجراح دليل على فضلهم وقوة إيمانهم وتفانيهم في طاعة الله ورسله ﷺ.