الحمدُ لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون، والصلاة والسلام على سيّد الأولين والآخرين، سيّدنا ونبيّا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين وبعد:
١
_________________
(١) فهذه تقييدات طريفة، وحواش نافعة إن شاء الله لطيفة، على كتابي "مختصر الفصول في سيرة الرسول ﷺ" للحافظ أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدّمشقي، المولود سنة: ٧٠١ هـ، والمتوفى سنة: ٧٧٤ هـ رحمه الله تعالى. ٢ وكتاب "الفصول في سيرة الرسول" يعد من أحسن كتب السيرة المختصرة، وقد تحرَّى مؤلفُه صحة المرويات غالبًا، وأجاد في عرض الحوادث، وكتابتها بأسلوب واضح مليح. ٣ لكنه رغم ذلك لم يسلم من بعض المآخذ، خاصة خوضه في بعض الزوائد والاستطرادات في الأحداث، وتفصيله أحيانًا في بعض المسائل المتعلقة بالأنساب، وإيراد الأشعار، وتنبيهه على الخلافات الفقهية داخل المذهب الشافعي .. فضلًا عن كونه ختم الكتاب بفصول مطولة في معجزات النبي ﷺ وشمائله وخصائصه .. هذه الزوائد دفعتني إلى اختصار الكتاب قبل شرحه؛ أولًا: لأن الاختصار
[ ٥ ]
هو سمة هذا الزمان ومطلب أكثر أبنائه، وثانيًا: لأنني أرى أن التفاصيل والاستطرادات تشوش ذهن القارئ، وتشتت انتباهه، وتقطع مقدرته على متابعة الحوادث الأساسية.
٤ ــ لكنني ومع هذا لم أختصر من الكتاب إلا القليل (^١)، وقد حافظتُ على نصّ المؤلف كما هو، ولم أغيّر منه حرفًا، بحيث يمكن للقارئ والباحث أن يعزو منه إلى ابن كثير وهو مطمئن إن شاء الله.
والشيء الوحيد الذي أضفته إلى كلام المصنف هو عناوين الفصول والمقاطع، فقد أغفل المصنف كتابتها، واجتهدت في وضع ما يناسب منها ويعبر عنها باللون الأحمر.
٥ - وأما عن منهجي في الشرح والتعليق، فإني أُثبت نصَّ المصنف أولًا كما هو بخط بارز بين قوسين.
ثم أشرحُ منه ما يحتاج إلى شرح وإيضاح، وأوثق ما يذكره من حوادث السيرة من مصادرها الأصلية، وبيان درجة كل حادثة من حيث الصحة أو الضعف، حسب قواعد علم الحديث المرعيّة، مع توجيه ما قد يقع في كلام المصنف من عبارة مشكلة، أو تعقبه فيما رأيت الصواب في خلافه.
كل هذا أكتبه على ضوء ما حرره أئمة هذا الشأن، كالإمام ابن إسحاق صاحب السيرة، والحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر، وغيرهم من أهل العلم المعتبرين المختصين.
_________________
(١) إلا فصوله الأخيرة المتعلقة بالمعجزات والشمائل والخصائص فقد حذفتها كلها، وفي رأيي أن إفرادها بتأليف مستقل هو الأفضل، لأنها من مكملات السيرة النبوية وليست من صلبها.
[ ٦ ]
وبما أن كتاب "السيرة النبوية" لابن إسحاق مفقودٌ معظمه فإن الإحالة إليه تكون في الأغلب عن طريق مختصره المعروف "بسيرة ابن هشام"، أو ما ينقله أهل العلم عنه، خاصة الطبري في تاريخه، والبيهقي في دلائله، فقد استوعبا كثيرًا من سيرة ابن إسحاق ونصوصه.
٦ - وقد رأيت ألّا أُخلي الشرح من بعض ما يستفاد ويستنبط من حوادث السيرة من فوائد فقهية وآداب تشريعية حسبما تيسر، لأنه باب يطول جدًا.
٧ - كذلك لم أُخله من تعقب بعض أباطيل المستشرقين في تفسير بعض حوادث السيرة وبيان ما في كلامهم من خطأ وخطل.
٨
_________________
(١) وقد كنت كتبت مقدمة في التعريف بالسيرة النبوية وأهميتها والكلام على مصادرها مع ترجمة موجزة لابن كثير ﵀ .. ثم تركت ذلك كله وأغفلته لكثرة ما كتب في هذا مما يستغنى به عن الإعادة. ٩ وقبل مغادرة المقدمة تجدر الإشارة إلى أن السيرة النبوية ليست مجرد قَصَص وحكايات، وحوادث وروايات، تُقرأ من أجل ترقيق القلوب واستجلاب العَبَرات! هذا تصور قاصر للسيرة النبوية. إن السيرة النبوية علمٌ قائمٌ بذاته، كعلم التوحيد والفقه، وعلم التفسير والأصول. إن السيرة النبوية مصدر أساسي من مصادر التشريع في الإسلام، لاشتمالها على كثير من أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته. ومن ثم لا بد لمن يتحدث في السيرة أن يكون مؤهلًا في علم الحديث،
[ ٧ ]
حتى يكون قادرًا على دراسة أسانيد الروايات، وتمييز ما يصح منها مما لا يصح، وما يقبل منها مما لا يقبل.
ولا بد أن تكون له دُربة قويّة في علم الفقه وأصول الفقه حتى يكون قادرًا على استنباط ما يستفاد من أحداث السيرة من أحكام تشريعية ودلالات عقدية وفقهية، ويستطيع أن يوفق بين ما قد يقع بين نصوصها أحيانًا من تعارض وإشكالات.
ولا بد أن يكون على معرفة وإلمام بعلم التربية والاجتماع حتى يتمكن من انتزاع ما يقع في السيرة من آداب تربوية وفوائد سلوكية واجتماعية يحتاجها الفرد أو المجتمع.
وإذن فليست السيرة النبوية كلأً مباحًا يتحدث فيها من يشاء، كيف شاء.
وليست السيرة النبوية تخصص من لا تخصص له كما يحسب البعض؟!!
إن هذا كلام من لا يعرف السيرة النبوية، ولا يعرف قدرها وأهميتها وخطورتها ومكانتها في الإسلام.
١٠
_________________
(١) هذا وقد عنونت هذا الشرح بـ"حصول المأمول بشرح مختصر الفصول في سيرة الرسول ﷺ". سائلًا المولى فيه القبول، وأن ييسر لي به إلى جنّة الخلد الوصول، إنه أكرم مسؤول، وأعظم مأمول، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين. وكتبه: أ. د هاني فقيه أستاذ الحديث وعلومه بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
[ ٨ ]