قال المصنف: «ثم مكَثَ رسُولُ الله ﷺ مَا شَاءَ أنْ يَمكُثَ لَا يَرَى شيئًا، وفَتَرَ عنهُ الوحيُ، فاغتمَّ لذلكَ، وذهبَ مرارًا ليتردّى من رُؤوس الجبَالِ، وذلك مِنْ شوْقه إلى مَا رأى أولَ مرَّةٍ، ومِن حَلاوةِ ما شاهدَه من وحي الله إليهِ، ثم تبدَّى له الملَكُ بين السَّماءِ والأرضِ على كرسيّ، وثبَّته، وبشَّره بأنه رسُولُ الله حقًا، فلمَّا رآه
_________________
(١) سيرة ابن إسحاق ص ١٤٠.
(٢) الدرر في اختصار المغازي والسير ص ٣٨.
(٣) دراسات في السيرة النبوية ص ٥٢.
[ ٤٤ ]
رسُولُ الله ﷺ فَرِقَ منهُ، وذهبَ إلى خديجةَ، وقال: زمّلُوني. دثّرُوني. فأنزَلَ اللهُ عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ١ - ٤]».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ مقصود المؤلف بفترة الوحي: أن جبريل بعد مجيئه إلى النبي ﷺ في الغار انقطع عنه مدة من الزمن قبل أن يعاوده المجيء مرة أخرى.
ـــ ولعل الحكمة في هذا الانقطاع: حتى يذهب عنه ما أصابه من الخوف والفزع في اللقاء الأول، وحتى يحصل له الشوق إلى لقاء جبريل مرة أخرى.
وفترة الوحي ثابت في حديث عائشة السابق في الصحيحين.
٢ ــ وقد اختلف في مدة الانقطاع على أقوال، ولم تأت رواية حاسمة في المسألة، والذي رجحه الشيخ أبو شهبة (^١) والمباركفوري (^٢) أنها دامت أيامًا، وهو مروي عن ابن عباس (^٣). وقال الدكتور العُمَري: "يبدو أنها لم تدم طويلًا" (^٤).
٣ ــ وقوله: "وذهب مرارًا ليتردى من رؤوس الجبال": بنى المؤلف هذا على رواية وردت في البخاري من كلام الزهري، وفيها: «وفتر الوحيُ فترة حتى حَزن النبيُّ ﷺ، فيما بلغنا، حُزنًا غدا منهُ مِرارًا كي يتردَّى مِنْ رءوس شَواهِق الجبَال» (^٥).
_________________
(١) السيرة النبوية لأبي شهبة ١/ ٢٦٤.
(٢) الرحيق المختوم ص ٥٨.
(٣) شرح المواهب للزرقاني ١/ ٤٤١.
(٤) السيرة النبوية الصحيحة ١/ ١٢٧.
(٥) صحيح البخاري «٦٩٨٢».
[ ٤٥ ]
وهذه الرواية مع كونها مخرجة في البخاري إلا أنها ضعيفة الإسناد منكرة المتن، لأسباب منها:
أولًا: أن إسنادها منقطع، فلم يذكرها البخاري بإسناد متصل، وإنما ذكرها بلاغًا من كلام الزهري، وذلك في قوله: «فيما بلغنا». ولعل البخاري إنما ذكرها لينبّه على ضعفها وأنه ليس لها إسناد متصل.
ثانيًا: أن محاولة النبي ﷺ قتل نفسه لمجرد انقطاع الوحي عنه مدة هذا يتنافى مع عصمته ﷺ، ويتنافى مع ما عرف عنه من رباطة الجأش وقوة النفس. وقد مرّ عليه في مسيرة دعوته شدائد وأهوال آلمته وأحزنته لكنه لم يفكر بمثل هذا قط.
ثالثًا: زعمُ الراوي أنه ﷺ كان يريد التردّي من فوق رؤوس الجبال زعمٌ باطلٌ، لأنه مبني على الظن والتخمين، فكيف عَلِمَ الراوي مقصد النبي ﷺ؟
ولِمَ لا يقال إنه ﷺ كان يصعد رؤوس الجبال بحثًا عن جبريل ﵇ وليس لقصد التردي وقتل نفسه كما حسب الراوي (^١)!!
وأما تعليل المصنف بأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك بسبب شوقه لحلاوة الوحي ففيه نظر؛ أولًا: لأنه مخالف لتعليل رواية الزهري التي اعتمد عليها، والتي تقول أن ذلك كان بسبب الهم والحزن وليس بسبب الحلاوة والشوق.
وثانيًا: فلأن الإنسان إنما يفكر بقتل نفسه بسبب ما قد يصيبه من الهم والحزن وليس بسبب ما يجده من شوق وحلاوة!!
_________________
(١) أطال العلامة محمد الصادق العرجون في نقد هذه الرواية ومناقشتها سندًا ومتنًا في كتابه: محمد رسول الله ﷺ ١/ ٣٨٥.
[ ٤٦ ]
٤ ــ وقوله: "ثم تبدَّى له الملَكُ بين السماء والأرض على كرسيّ": هذه الرواية ثابتة في الصحيح (^١).