فصل
بَعْث الرَّجيع (^١)
قال المصنف: «ثم بَعَثَ ﷺ بعد أُحدٍ بَعْثَ الرَّجيع، وذلك في صَفَر من السنةِ الرابعةِ، وذلك أنه ﷺ بَعَثَ إلى عَضَل والقَارَّة بسؤالهم رسُولَ الله ﷺ ذلك حين قدموا عليه وذكروا أن فيهم إسلامًا.
فبَعَثَ ستة نفرٍ في قول ابن إسحاق (^٢)، وقال البخاري في صحيحه كانوا عشرة (^٣). وقال أبو القاسم السهيلي: وهذا هو الصحيح (^٤). وأمَّرَ عليهم مَرْثَد بن أبي مَرْثَد الغَنَوي ﵃. ومنهم خُبَيب بن عَديّ، فذهبوا معهم.
فلما كانوا بالرَّجيع، وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز بالهَدْأَة (^٥) غدروا بهم، واستصرخوا عليهم هُذيلًا، فجاؤوا فأحاطوا بهم فقتلوا عامتهم، واستُأسر منهم خُبَيبُ بن عَديّ ورجلٌ آخر وهو زيد بن الدَّثِنَّة فذهبوا بهما فباعوهما بمكة؛ وذلك
_________________
(١) الرجيع: ماء يقع شمال مكة على مسافة سبعين كيلًا، سميت به الحادثة لوقوعها بالقرب منه.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٦٩.
(٣) صحيح البخاري «٣٠٤٥».
(٤) الروض الأنف ٦/ ١٨٤.
(٥) موضع بين مكة وعسفان.
[ ١٧٧ ]
بسبب ما كانا قتلا من كفار قريش من يوم بدرٍ.
فأما خُبَيب ﵁ فمكث عندهم مسجونًا، ثم أجمعوا لقتله فخرجوا به إلى التنعيم (^١) ليصلبوه، فاستأذنَهم أن يُصلّي ركعتين فأذنوا له: فصلاهما، ثم قال: والله لولا أن تقولوا أن ما بي جَزَعٌ لزدت، ثم قال:
ولستُ أُبالي حينَ أُقتلُ مُسلمًا … على أي جنْبٍ كان لله مصرعي
وذلك في ذاتِ الإلهِ وإن يَشَأْ … يُبَارِكْ على أوصالِ شِلْوٍ مُمَزَّع
وقد قال له أبو سفيان: أيسرُّك أن محمدًا عندنا تُضربُ عنقُه، وأنك في أهلِك؟ فقالَ: والله ما يسُرني أني في أهلي وأن محمدًا في مكانه الذي هو فيه تُصيبه شوكة تُؤذيه.
ثم وكلوا به من يحرسه، فجاء عمرو بن أمية فاحتمله بخدعة ليلًا فذهب به فدفنه. وأما زيد بن الدَّثِنة ﵁ فابتاعه صفوانُ بنُ أمية فقتله بأبيه».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ ذكر المصنف أن حادثة الرجيع كانت في صفر سنة أربع من الهجرة، بينما ذكر غيره أنها كانت في أواخر سنة ثلاث (^٢)، فالله أعلم.
٢ ــ وحاصل الحادثة أن وفدًا من عرب عَضَل والقارَّة كانوا قد جاءوا إلى النبي ﷺ وأخبروه أنهم يرغبون في الدخول في الإسلام، وأنهم بحاجة أن يرسل معهم من يعلّمهم أمور الدين وشرائع الإسلام، فأرسل النبي معهم نفرًا من
_________________
(١) مكان معروف بمكة، وهو أدنى الحلّ.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٦٩، فتح الباري ٧/ ٣٨٠.
[ ١٧٨ ]
أصحابه فغدروا بهم في الطريق.
٣ ــ وقد ساق الحادثة بطولها الإمام البخاري في الصحيح (^١)، لكن روايته تقول إن النبي ﷺ أرسل هؤلاء "سريّة عينًا"، أي عيونًا يأتوه بأخبار قريش.
وربما يجمع بين الروايتين بأن النبي ﷺ أراد بعثهم عيونًا فوافق مجيئ النفر في طلب من يفقههم فبعثهم لذلك.
٤ ــ وفي الحادثة دليل على سنيّة الصلاة عند القتل، حيث فعلها خبيب في حياة النبي ﷺ ولم ينكرها (^٢). وقد بوَّب عليه البخاري بقوله: باب "من ركع ركعتين عند القتل" (^٣).
٥ ــ وفي جواب خُبيب بن عَديّ (^٤) لأبي سفيان دليل على عظيم محبة الصحابة للنبي ﷺ وعظم تضحيتهم من أجله.
_________________
(١) صحيح البخاري «٣٠٤٥».
(٢) إرشاد الساري ٦/ ٣١٤.
(٣) صحيح البخاري قبل حديث «٣٠٤٥».
(٤) وقيل إن القائل: زيد بن الدّثنّة كما في جوامع السيرة لابن حزم ١/ ١٧٨.
[ ١٧٩ ]
فصل