فصل
غزوة الخَندق
قال المصنف: «فصلٌ يشتملُ على ملخّص غزوةِ الخندقِ التي ابتلى الله فيها عبادَه المؤمنين وزَلْزَلَهُم، وثبَّت الإيمانَ في قلوبِ أوليائه وأظهرَ ما كان يُبْطِنه أهلُ النفاق، وفضحَهم وقرَّعهم. ثم أنزل نَصْرَه، ونَصَرَ عبدَه، وهزَمَ الأحزابَ وحدَه، وأعزَّ جُندَه، وردَّ الكفرة بغيظِهم، ووقى المؤمنين شرَّ كيدِهم، وذلك بفضْلِه ومَنّه. وحرّم عليهم شرعًا وقدرًا أن يغْزوا المؤمنين بعدها، بل جعلَهم المغلوبين وجعل حزبَه هم الغالبين، والحمدُ لله ربّ العالمين».
الكلام عليه من وجوه:
١ - اشتهرت هذه الغزوة بغزوة الخندق نسبة للخندق الذي حفره النبي ﷺ وأصحابه حول المدينة ليحولوا بين المشركين وبين دخول المدينة.
ويقال لها أيضًا غزوة الأحزاب، نسبة للمشركين الذين تحزبوا وتكالبوا لغزو المدينة.
وقد أشار الإمام البخاري إلى هاتين التسميتين فقال في الصحيح: "باب غزوة الخندق وهي الأحزاب" (^١).
_________________
(١) صحيح البخاري ٥/ ١٠٧.
[ ١٩٥ ]
٢ ــ وقد كان جيش المشركين يتألف من قبائل عدة تحالفت لغزو المدينة، وهم قريش ومن تبعها، وغطفان ومن تبعها، في نحو عشرة آلاف مقاتل، بقيادة أبي سفيان بن حرب، إضافة إلى يهود بني قريظة بعد نقضهم العهد (^١).
٣ ــ وهؤلاء الأحزاب وإن اشتركوا والتقوا على حرب المسلمين في هذه الغزوة، إلا أن دوافعهم كانت مختلفة، فقريش كانت تدفعها العداوة التقليدية للمسلمين، واليهود كان يدفعهم الحقد والخيانة. وأما غطفان كانوا مجرَّد مرتزقة تجَّار حرب لا أكثر (^٢)!!
٤ ــ وقد كانت هذه الغزوة كما أشار المصنف آخر الغزوات التي تعرض لها المسلمون في المدينة، وبعدها انتقل المسلمون من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم. ولذلك صحَّ عنه ﷺ أنه قال بعد انصراف الأحزاب ورجوعهم: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم» (^٣)، وكان الأمر كما أخبر به النبي ﷺ، وهو عَلَمٌ من أعلام نبوته.