قال المصنف: «نذكر فيه ملخص وقعة بدرٍ الثانية، وهي الوقعةُ العظيمةُ التي فرَّق الله فيها بين الحقِ والباطلِ وأعزّ الإسلامَ، ودَمَغَ الكفرَ وأهلَهُ.
وذلك أنه لمَّا كان في رمضانَ من هذه السنة الثانية بلغَ رسُولَ الله ﷺ أن عِيرًا مقبلةٌ من الشامِ صُحبة أبي سفيان، صخْرِ بنِ حربٍ، في ثلاثين أو أربعين رجلًا من قريش وهي عِيرٌ عظيمةٌ، تحمل أموالًا جزيلة لقريشٍ، فَنَدَبَ ﷺ الناسَ للخروجِ إليها، وأَمَرَ من كان ظهرُه (^٢) حاضرًا بالنهوضِ، ولم يحتفل لها احتفالًا كثيرًا، إلَّا أنه خرجَ في ثلاثمائة وبضعة عشرَ رجلًا، لثمانٍ خلونَ مِنْ رمضانَ، واستخلفَ على المدينةِ وعلى الصلاةِ ابنَ أمّ مَكتومٍ، فلما كان بالرَّوحاءِ (^٣) ردّ أَبا لُبَابَة بنَ عبد المنذر واستعملَهُ على المدينةِ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ معركة بدر من أشهر المعارك في السيرة النبوية الزكية، وقد أوجز المصنف
_________________
(١) بدر: بلدة كبيرة عامرة اليوم، بين مكة والمدينة، على بعد ١٥٠ كيلًا من المدينة، من جهة الجنوب الغربي.
(٢) الظهر: الدابة التي يُركب عليها من الإبل أو الخيل.
(٣) الروحاء: محطة على الطريق بين المدينة وبدر، على مسافة (٧٤) كيلًا من المدينة.
[ ١٣١ ]
الكلام فيها، ونحن نوجز الشرح تبعًا له ونعلّق على أهم ما جاء في كلامه.
٢ ــ وقد سمّيت هذه الغزوة ببدر نسبة للموضع الذي وقعت فيه، ويقال لها غزوة بدر الكبرى أو الثانية لأنه تقدم معنا أن هناك غزوة يقال لها غزوة بدر الأولى، وسيأتينا أن هناك غزوة وقعت بعد غزوة أحد بسنةٍ تسمّى غزوة بدر الثالثة أو الموعد. وإذن فهناك ثلاث غزوات ارتبطت بقرية بدر؛ وهي غزوة بدر الأولى وغزوة بدر الثانية وغزوة بدر الثالثة.
٣ ــ وتسمّى هذه الغزوة أيضًا بيوم الفرقان، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١].
سمّيت بهذا الاسم لأنها فرَّقت بين أهل الحق وأهل الباطل بنصر المؤمنين.
٤ ــ وكانت غزوة بدر الثانية هي أول معركة حقيقية تقع بين المسلمين وبين مشركي قريش بعد أن سبقتها مناوشات عدة بين الطرفين.
٥ - وقد اتفق علماء السيرة على تأريخ هذه الغزوة بيوم الجمعة، السابع عشر من رمضان، سنة اثنتين من الهجرة النبوية (^١).
٦ - وقد وردت إشارات عديدة في القرآن الكريم لهذه الغزوة المباركة، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ [آل عمران: ١٢٣].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ
_________________
(١) حكى اتفاقهم الحافظ ابن حجر، إلا أنه أشار إلى خلاف في تاريخ اليوم، فالجمهور على أنه كان في ١٧ وقيل ١٢، وجمع بينهما بأن الثاني عشر كان ابتداء الخروج من المدينة والسابع عشر كان يوم الوقعة، انظر التلخيص الحبير ٤/ ٢٤٠، حديث: ١٨٢٦.
[ ١٣٢ ]
ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ، وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧].
كما أخرج صاحبا الصحيحين أخبارًا متفرقة عنها (^١).
٧ - وغزوة بدر هي من أفضل الغزوات النبوية، وأهلها من أفضل الصحابة، كما جاء في حديث الصحيحين: «لعل الله أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (^٢).
ولذلك أكثر العلماء عندما يتكلمون عن مراتب الصحابة في الفضيلة يقولون: أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم بقيّة العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة (^٣).
٨ ــ وقد كان سبب هذه الغزوة هو الاستيلاء على قافلة قريش التجارية القادمة من بلاد الشام وما فيها من أموال ومتاع مقابل ما استولت عليه قريش من أموال المسلمين ومتاعهم بمكة بعدما اضطرتهم لمغادرتها والخروج منها.
وأيضًا كان يقصد من هذه الغزوة إضعاف قريش لتوقف عدوانها على المسلمين واضطهادها للداخلين فيه، فقد كانت تستخدم هذه الأموال وغيرها في سبيل تحقيق ذلك (^٤).
_________________
(١) ينظر صحيح البخاري: باب قصة غزوة بدر، ج ٥/ ص ٧٢، صحيح مسلم، باب غزوة بدر ٣/ ١٤٠٣.
(٢) صحيح البخاري «٣٠٠٧»، صحيح مسلم «٢٤٩٤».
(٣) العقيدة السفارينية ص ٨٧ وشرحها لوامع الأنوار البهية ٢/ ٣٦١.
(٤) دراسات في السيرة النبوية ص ٨٣.
[ ١٣٣ ]