فصل
مَبْعَثُه ﷺ
قال المصنف: «ولما أرادَ الله تعالى رحمةَ العِبَاد، وكرامتَه بإرساله إلى العالمين؛ حَبَّب إليه الخلاءَ، فكان يتحنَّثُ بغار حِرَاءٍ، كما كان يصنعُ ذلك متعبّدوا ذلك الزمان، كما قال أبو طالبٍ في قصيدته المشهورة اللاميةِ:
وثَور ومن أرسى ثَبيرًا مكانَه … وراقٍ لِبِرّ في حِرَاءٍ ونَازل».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ شرع المصنف ﵀ في الحديث عن بدايات بعثته ﷺ وبعض ما تقدمها من حوادث.
وحاصل الأمر أن النبي ﷺ عندما دنت سنُّهُ من الأربعين حبَّب الله إليه الخلوة عن الناس، فكان يختلي كل عام شهرًا (^١) بغار حِراء للتعبد والتأمل وإطعام
_________________
(١) حدَّد مدة الشهر من كل عام: ابن إسحاق في سيرته ص ١٢١ من رواية عُبيد بن عمير مرسلًا: «كان رسول الله ﷺ يجاور في حراء من كلّ سنةٍ شهرًا»، بينما رواية الصحيحين لم تحدّد. لكن يقوي التحديد بالشهر ما ثبت في صحيح مسلم «٢٥٧» من حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا: «جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيت جواري نزلت ..». وقد جزم غير واحد كابن حجر في الفتح ١/ ٣٣ أن ذاك الشهر كان في رمضان.
[ ٣٧ ]
من يمرّ به من المساكين. وسأورد بعد قليل حديث عائشة في وصف خلوته ﷺ بغار حراء.
٢ ـــ وغار حراء يقع في جبل النور قريبًا من مكة (^١)، وقد كانت قريش تقصده للتعبد به في الجاهلية كما في سيرة ابن إسحاق عن عُبيد بن عمير بإسناد صحيح مرسل (^٢).
ويبدو أن التحنث كان من بقايا دين إبراهيم التي ظلت في قريش على طريقة الاعتكاف (^٣).
٣ ــ ولا يعرف على وجه التحديد متى كان بدء هذه العزلة، بيد أن المجزوم به أنها كانت قرب بعثته ﷺ، كما دل عليه حديث عائشة ﵂ في الصحيحين: «أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصُّبح، ثم حبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنَّث فيه ـــ وهو التعبد ــــ الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك ..» (^٤).
٤ ــ وفي اختلائه ﷺ شهرًا من كل عام وهو ما عبرت عنه عائشة ﵂ "بالليالي ذوات العدد" دليل على ضرورة مراعاة الاعتدال والوسطية في الأمور كلها بما فيه أمور التعبد، فلم يكن ﷺ يخلو أيامًا قصيرة جدًا في الغار ولا أيامًا طويلة جدًا،
_________________
(١) وهو مطل على الكعبة، ويحتاج الصعود إليه نحوًا من نصف ساعة أو أكثر.
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٢٣٥.
(٣) فتح الباري ١٢/ ٣٥٥.
(٤) صحيح البخاري «٣» واللفظ له، صحيح مسلم «١٦٠» من حديث عائشة ﵂.
[ ٣٨ ]
وإنما وسطًا بين هذا وذاك، وهو الهدي الذي استمر عليه النبي ﷺ بعد بعثته في أموره كلها.
٥ ــ كذلك يؤخذ من هذه الخلوة حاجة المسلم إلى الاختلاء بين الحين والآخر خلوة إيجابية للتأمل والتفكر والتوبة ومراجعة النفس والتبصر فيها.
٦ ــ وقصيدة أبي طالب اللاميَّة المشار إليها: هي من عيون الشعر العربي، وقد أوردها المصنف بطولها في تاريخه، وقال عنها: "هذه قصيدة عظيمة فصيحة بليغة جدًا; لا يستطيع أن يقولها إلا من نُسبت إليه، وهي أفحل من المعلّقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى منها جميعًا" (^١).
٧ ــ وقد كان العالم بأسره عند بعثة النبي ﷺ يعيش في ظلام حالك وجاهلية جهلاء، ومظاهر هذه الجاهلية كثيرة جدًا، فبلاد العرب في ذلك الوقت ــ على سبيل المثال ــ كان الناس فيها يعبدون الأصنام، ويستشفعون بها عند الله، وكانوا ينكرون البعث واليوم الآخر، ويقولون: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وكانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله، وأن الجن شركاء لله، ويطوفون بالكعبة عراة .. هذا فضلًا عن انحرافاتهم الاجتماعية والأخلاقية، كقطع الطريق، وإتيان الفواحش، وأكل الميتة، ووأد البنات .. وغير ذلك مما يطول الحديث عنه، سواء كان في بلاد العرب أو في غيرها من البلدان ذلك الوقت.
لكن هذه الانحرافات والمساوئ التي كان عليها العرب في ذلك الوقت لم تمنع من وجود بعض الفضائل والخصال الحميدة فيهم، كحُبّ الصّدق والشهامة، والأنفة والإباء، والشجاعة والصراحة، وحماية المستجير والمستغيث .. إلى غير ذلك
_________________
(١) البداية والنهاية ٤/ ١٤٢.
[ ٣٩ ]
من الفضائل التي أهّلتهم لحمل راية الإسلام وتحمّل أمانة الدعوة إلى دين الحق بعد ذلك.