قال المصنف: «فلما عَلِمَت قريشٌ بذلك بعثت في إثرهم عبدَ الله بنَ أبي ربيعة وعمرو بنَ العاص بهدايا وتُحَفٍ من بلادِهم إلى النجاشيّ، ليردَّهم عليهم، فأبى ذلك عليهم وتشفَّعوا إليه بالقُوَّادِ من جُنده، فلم يُجبهم إلى ما طلبوا، فوشَوا إليه: إن هؤلاء يقولُون في عيسى قولًا عظيمًا، يقولُون: إنه عبدٌ، فأُحْضر المسلمون إلى مجلسِه، وزعيمُهم جعفرُ بنُ أبي طالب ﵁، فقال: ما يقولُ هؤلاء إنكم تقولُون في عيسى؟! فتلا عليه جعفرٌ سورةَ ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١]، فلما فرغَ أخذ النجاشيُّ عُودًا من الأرض، فقال: ما زاد هذا على ما في التوراة ولا هذا العُود.
ثم قال: اذهبوا فأنتم سيُوم (^٢) بأرضي، من سبَّكُم غَرِم. وقال لعمرو وعبد الله: والله لو أعطيتموني دَبَرًا (^٣) من ذهب ــ يقول: جبلًا من ذهب ــ ما سلّمتُهم إليكما، ثم أمر فَرُدَّتْ عليهما هداياهما، ورجعا مقبوحَين بشرّ خَيْبة وأسوئِها».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ محاولة قريش استعادة المسلمين من بلاد الحبشة وما جرى من حوار بين جعفر بن أبي طالب والنجاشي أخرجه ابن إسحاق في السيرة بإسناد حسن (^٤).
_________________
(١) تفسير القرطبي ٥/ ٣٥٠.
(٢) كلمة حبشية معناها: آمنون.
(٣) كلمة حبشية معناها: الجبل.
(٤) سيرة ابن إسحاق ص ٢١٣، ومن طريقه أحمد في المسند «١٤٧٠» بإسناد حسنه الشيخ شعيب الأرناؤوط.
[ ٥٨ ]
٢ - ومن الأحكام التي تؤخذ من هذه الحادثة: جواز استعانة المسلمين بغير المسلمين والاحتماء بهم إذا دعت الحاجة إلى ذلك،، ولهذا نظائر عديدة في حوادث السيرة، كاحتماء النبي ﷺ بعمّه أبي طالب، واحتمائه بالمُطعم بن عَديّ عندما عاد من رحلة الطائف، واستعانته بعبد الله بن أُريقط في هجرته إلى المدينة.
٣
_________________
(١) كما يؤخذ من الحادثة أن دين الإسلام والنصرانية الحقَّة قبل أن يدخلها التحريف لا يختلفان في أصل العقيدة والتوحيد، وأن عيسى بن مريم رسول من عند الله، ليس بإله ولا ابن إله. ولذلك قال النجاشي لجعفر: والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت مقدار هذا العود. ٤ وفي جواب جعفر بن أبي طالب للنجاشي دليل على مدى ما كان عليه المسلمون من صراحة في بيان دينهم وعقيدتهم، وتركهم المجاملة والمداهنة رغم ضعفهم وغربتهم، مما كان له الأثر الطيب في نجاتهم. ٥ كما أن في جواب جعفر دليل على رجاحة عقله وبلاغة بيانه وقوة حجته ﵁، وما ذلك إلا من تأييد الله له وتسديده إياه، حتى يتم نوره وينصر دينه ولو كره الكافرون. * * *
[ ٥٩ ]
فصل