قال المصنف: «وكانت الدولةُ أولَ النهارِ للمسلمينَ على الكفارِ، فانهزموا راجعينَ حتى وصلُوا إلى نسائهم، فلما رأى ذلك أصحابُ عبدِ الله بنِ جُبير قالوا:
_________________
(١) عيون الأثر ٢/ ١٣.
(٢) صحيح البخاري «٤٠٩٧»، صحيح مسلم «١٨٦٨».
(٣) ينظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٦٨، جوامع السيرة ص ١٦٠، ووهم د. مهدي زرق الله في كتابه السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية ص ٣٦٧ فعزاه إلى مسند أحمد وأبي داود والحاكم وغيرهم، وهذا خطأ فإن المصادر المحال إليها تتحدث عن غزوة أخرى ليست بغزوة أحد!!
[ ١٦٤ ]
يا قومُ، الغنيمة الغنيمة. فذكَّرهم عبدُ الله بن جُبير تقديمَ (^١) رسُولِ الله ﷺ إليه في ذلك، فظنوا أن ليس للمشركينَ رجعة، وأنهم لا تقوم لهم قائمة بعد ذلك، فذهبوا في طلبِ الغنيمة.
وكرَّ الفرسانُ من المشركينَ فوجدوا تلك الفُرجة قد خلت من الرُّماة فجازوها وتمكنوا، وأقبل آخرُهم، فكان ما أرادَ اللهُ تعالى كونُه، فاستشهد من أكرمهم الله بالشَّهادةِ من المؤمنين، فقُتِل جماعة من أفاضل الصحابة، وتولّى أكثرُهم».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حاصل هذا أن معركة أحد مرّت بثلاث مراحل؛ ففي بداية المعركة حقق المسلمون نصرًا كبيرًا ضد المشركين، حتى إن المشركين ولَّوا هاربين، وأخذ المسلمون في جمع غنائمهم.
لكن بعد أن تخلَّى أكثر الرماة عن أماكنهم وخالفوا وصيّة رسول الله ﷺ لهم، تمكن المشركون من الالتفاف عليهم من خلفهم، وإحداث نكسة للمسلمين أدت إلى اضطراب أمرهم وقتل كثير منهم.
وفي المرحلة الأخيرة أخذ المسلمون يستعيدون السيطرة مرة أخرى ويقاتلون ببسالة، حتى حال اقتراب الليل بين الفريقين دون أن يحقق أحدهما نصرًا حاسمًا على الآخر.
وقد خاف المشركون أن ينقلب الأمر ضدهم، ويحقق المسلمون نصرًا قويًا فكفُّوا عن القتال وانصرفوا.
_________________
(١) يقصد بالتقديم: ما أخذه النبي ﷺ من العهد عليهم ألا يبرحوا مكانهم.
[ ١٦٥ ]
٢ ــ وقصة عبد الله بن جبير مع الرماة وهزيمة المشركين في أول المعركة ثم استشهاد سبعين من المسلمين كله ثابت ومخرج في الصحيح (^١).
٣ ــ وقوله: "وقُتل جماعة من أفاضل الصحابة": سيأتي تسمية بعضهم في كلام المصنف.
٤ ــ وقوله: "وتولّى أكثرهم": قلت: سببه: ما بلغهم من إشاعة مقتل النبي ﷺ. ثم إن تعبير المصنف هذا فيه نظر، لأن الذين فرّوا وتولوا حقيقة من المعركة كانوا قلّة، وأما أكثرهم فقد اضطرب أمرهم وجلسوا حيارى قد أصابهم الذهول لا يدرون ما يصنعون.
وقد أوضح المسألة الحافظُ ابنُ حجر فقال: "الواقع أن الصحابة صاروا ثلاث فرق (بعد الهزيمة)؛ فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة، فما رجعوا حتى انفض القتال، وهم قليل .. وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا أن النبي ﷺ قُتِل فصار غاية الواحد منهم أن يذبّ عن نفسه .. وهم أكثر الصحابة، وفرقة ثبتت مع النبي ﷺ، ثم تراجع إليه القسم الثاني شيئًا فشيئًا لما عرفوا أنه حي" (^٢)
٥ ــ ثم إن الصواب أن المشركين لم يحققوا نصرًا بالمعنى العسكري في هذه المعركة، فهم لم يغنموا شيئًا، ولم يحتلّوا أرضًا، ولم يأسروا مسلمًا، ولم يقتلوا القائد، وكل ما استطاعوا صنعه هو الثأر لقتلاهم ببدر مع قتل من قُتل منهم يومها!!