قال المصنف: «وبَلَغَ ذلك قريشًا، فأبى أبو جهلٍ، وقال: والله لا نرجع حتى نَرِد ماء بدر، ونُقيم عليه ثلاثًا، ونشرب الخمرَ، وتضرب على رؤوسنا القِيَانُ، فتهابنا العربُ أبدًا. فبادر رسُولُ الله ﷺ قريشًا إلى ماءِ بدر، ونزل على أدنى ماء هناك، فقال له الحُبَابُ بنُ المُنذر بن عمرو: يا رسُولَ الله! هذا المنزل الذي نزلته أمرك الله به؟ أو منزلٌ نزلته للحربِ والمكيدةِ. فقال: «بل منزلٌ نزلته للحربِ والمكيدةِ». فقال: ليس هذا بمنزل، فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماءٍ من مياه القومِ فننزله، ونغوّر (^٣) ما ورائنا من القُلُبِ، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه، فنشربُ ولا يشربون. فاستحسن رسُولُ الله ﷺ منه ذلك. وحال الله بين قريشٍ وبين الماء بمطرٍ عظيمٍ أرسله، وكان نِقمة على الكفار ونِعمة على المسلمين، مهَّد لهم الأرضَ ولبَّدها، وبُني لرسُولِ الله ﷺ عريشٌ (^٤) يكون فيه».
_________________
(١) صحيح مسلم «١٧٧٩».
(٢) الخبر ساقه ابن إسحاق بدون إسناد (سيرة ابن هشام ١/ ٦١٧)، لكن أخرجه أحمد «٩٤٨» بنحوه ضمن حديث طويل وصحح إسناده أحمد شاكر وشعيب الأرناؤوط.
(٣) بالغين المعجمة: ندفنها ونطمسها، وفي بعض المصادر: بالعين المهملة ومعناه: نفسدها من العَوَر.
(٤) العريش: خيمة تكون مقرًا للقيادة.
[ ١٣٧ ]
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قول أبي جهل: "لا نرجع حتى نرد بدرًا .. إلى آخره" ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (^١).
٢ ــ ومشورة الحُباب بن المنذر وردت من طرق كثيرة ضعيفة، لكنها تتقوى بمجموعها وترتقي لدرجة الحسن لغيره كما قال الباحث أحمد با وزير (^٢).
وفيها دلالة على التزامه ﵊ بالأخذ بمبدأ الشورى فيما لا نص فيه من كتاب أو سنة، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا قبل قليل عندما شاور النبي الأنصار في خوض المعركة، وفي السيرة نظائر كثيرة لها.
٣ ــ ونزول المطر وجعله نعمة ورحمة للمؤمنين أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنزلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَام﴾ [الْأَنْفَالِ: ١١].
٤ ــ وقوله: "وبُني لرسول الله عريش يكون فيه": حَسِبَ بعض كتاب السيرة من هذا أن النبي ﷺ لم يقاتل في المعركة!
وليس كذلك، فقد ثبت عن علي بن أبي طالب أنه قال: "لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا من العدو، وكان من أشدّ الناس يومئذ بأسًا" (^٣).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٦١٨، ومن طريقه الطبري في تاريخه ٢/ ٤٣٨.
(٢) مرويات غزوة بدر ص ١٦٤.
(٣) مسند أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر «٦٥٤».
[ ١٣٨ ]
ويُجمع بين الأمرين بالحمل على اختلاف الأوقات، فتارة كان ﵊ يشارك فعليًا في ساحة القتال، وتارة يكون في العريش يدير أمور المعركة.