قال المصنف: «ثم أسلَمَ حمزةُ عمُّ رسُولِ الله ﷺ، وجماعةٌ كثيرونَ، وفشَا الإسلامُ. فلما رأتْ قريشٌ ذلك ساءَها، وأجمعوا على أن يتعاقَدُوا على بنى هاشمٍ وبني المطَّلِب ابنَي عبد مناف: ألا يُبايعوهم، ولا يُناكحوهم، ولا يُكلموهم، ولا يُجالسوهم، حتى يُسلِموا إليهم رسُولَ الله ﷺ، وكتبوا بذلك صحيفةً، وعلّقوها في سقفِ الكعبة.
فانحاز إلى بنو هاشم وبنو المطَّلِب، مؤمنُهم وكافرُهم إلا أبا لهبٍ ــ لعنه الله وولده ــ في شعب أبي طالبٍ، محصورين مضيّقًا عليهم جدًا نحوًا من ثلاثِ سنين.
ثم سَعَى في نقْض تلكَ الصحيفةِ أقوامٌ من قريشٍ، فكان القائمُ في أمرِ ذلك: هشام بن عمرو بن ربيعة، مشى في ذلك إلى مُطْعِم بن عَديّ وجماعةٍ من قريشٍ، فأجَابُوه إلى ذلك، وأخبرَ رسُولُ الله ﷺ قومَه أن الله قد أرسلَ على تلك الصحيفة الأَرَضَة (^١)، فأكلتْ جميعَ ما فيها إلا ذكرَ الله ﷿، فكان كذلك.
ثم رجع بنو هاشمٍ وبنو المطَّلِب إلى مكة، وحصل الصُلْحُ برغمٍ من أبي جهلٍ؛ عمرو بن هشامٍ. واتصلَ الخبرُ بالذين هُمْ بالحَبَشة: أن قريشًا أسلموا، فقدِمَ مكة
_________________
(١) الأَرَضَة: دويبة تأكل الخشب.
[ ٦١ ]
منهم جماعةٌ، فوجدوا البلاءَ والشدَّة كما كانا، فاستمروا بمكة إلى أن هاجَروا إلى المدينةِ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ مقاطعة قريش لبني هاشم وبني المطلب أوردتها عامة كتب السيرة، وقد وردت إشارات مختصرة لها في صحيح البخاري كما ذكر الحافظ ابن حجر (^١).
٢ ــ وكان ابتداء هذه المقاطعة في السنة السابعة من البعثة كما ذكر ابن حجر (^٢).
٣ ــ وأما عن أسباب المقاطعة، فيمكن إجمالها في التالي:
أولًا: ما رأته قريش من فشو الإسلام في القبائل، وإسلام بعض الكبار كحمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب.
ثانيًا: فشل قريش في إقناع بني هاشم وبني المطلب في التخلي عن حماية النبي ﷺ والوقوف معه.
ثالثًا: فشل قريش في إعادة من هاجر من المسلمين إلى أرض الحبشة.
فأجمعت قريش على منابذة بني هاشم وبني المطلب مسلمهم وكافرهم، كورقة ضغط عليهم حتى يُسلّموا إليهم النبي ﷺ ويتخلوا عن مؤازرته (^٣).
٤ ــ وقد أصاب بني هاشم وبني المطلب من جراء الحصار ضيق شديد
_________________
(١) فتح الباري ٧/ ١٩٣، وانظر صحيح البخاري «١٥٩٠».
(٢) فتح الباري ٧/ ١٩٢.
(٣) السيرة النبوية لأبي شهبة ١/ ٣٥٩.
[ ٦٢ ]
ومجاعة عظيمة، فلم يكن يأتيهم طعام إلا خفية من بعض المتعاطفين، حتى إنهم أكلوا جلود البهائم وأوراق الشجر.
ولعل مما يصور ذلك ما روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: "لقد جعتُ حتى إني وطئت ذات ليلة على شيء رطْب فوضعته في فمي فبلعته، وما أدري ما هو إلى الآن" (^١)
٥ ــ وقد ذكر كتاب السيرة أن أبا طالب كان من شدّة خوفه على النبي ﷺ في تلك الأيام يأمر بعض بنيه أن ينام في فراش النبي ﷺ خشية أن يقتله أحد (^٢).
٦ ــ وقد استمر هذا الحصار ثلاث سنوات (^٣) حتى قام بعض ذوي المروءة والشرف من قريش ممن كانوا كارهين لهذا الحصار منذ البداية، فأجمعوا أمرهم على نقض الصحيفة، وسعوا في ذلك حتى تم مرادهم.
وبذلك أُنهي الحصار وبطل ما في الصحيفة دون أن تحقق قريش شيئًا من أهدافها المرجوة.
٧ ــ وفي مؤازرة مشركي بني هاشم وبني المطلب للنبي ﷺ ووقوفهم معه في سنوات الحصار دليل على أن المجتمعات غير المسلمة لا تخلوا من أهل الشيم والمروءات الذين يمكن للمسلم الاحتماء بهم والإفادة منهم أيام الشدائد والمحن.
٨ ــ ولم ينس النبي ﷺ معروف الذين وقفوا معه في هذه الضائقة، ففي
_________________
(١) الروض الأنف ٣/ ٣٥٤.
(٢) سيرة بن إسحاق ص ١٦٠.
(٣) بهذا جزم موسى بن عقبة، بينما قال ابن إسحاق: سنتين أو ثلاث، انظر فتح الباري ٧/ ١٩٢.
[ ٦٣ ]
غزوة بدر نهي ﷺ عن قتل أبي البختري ابن هشام وكان مشركًا لما له من مواقف مشرفة في السعي لنقض صحيفة قريش (^١).
٩ ــ كذلك عندما قسم النبي ﷺ غنائم خيبر أعطى بني المطلب من الخمس مع بني هاشم، ولم يعط أبناء عمّهم من بني نوفل وبني عبد شمس، وعندما قيل له في ذلك، قال: «إنّا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام» (^٢).
١٠ ــ ورجوع جماعة من المؤمنين من بلاد الحبشة لما بلغهم إسلام قريش وتبيّنهم بطلان ذلك أورده ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (^٣).
* * *
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٢٩.
(٢) رواه أبو داود في سننه «٢٩٨٠»، بإسناد حسن، وهو في صحيح البخاري «٣١٤٠» بلفظ: «إنما بنو المطلب، وبنو هاشم شيء واحد».
(٣) سيرة ابن هشام ١/ ٣٦٤.
[ ٦٤ ]
فصل