قال المصنّف ﵀: «بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين: الحمدُ لله وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، شهادةَ من أخلص له قلبُه، وانجابت عنه أكدارُ الشّرك وصفا، وأقرّ له برقّ العبودية، واستعاذَ بهِ من شرّ الشيطان والهوى، وتمسّك بحبلِه المتين المنزَّل على رسوله الأمين؛ محمدٍ خيرِ الورى، صلواتُ الله وسلامُه عليه دائمًا إلى يوم الحشر واللقا. ورضي الله عن أصحابِهِ وأزواجِهِ وذُرّيتِهِ وأتباعِهِ أجمعين، أولي البصائرِ والنُّهى.
أما بعد: فإنَّه لا يَجْمُل بأولي العلم إهمالُ معرفة الأيام النبويّةِ، والتواريخ الإسلامية، وهي مشتملةٌ على علومٍ جمّةٍ، وفوائدَ مهمّةٍ، لا يستَغني عالمٌ عنها، ولا يُعذَر في العِرْو منها.
وقد أحببتُ أنْ أُعلّق تذكرةً في ذلك لتكونَ مدخلًا إليه، وأنموذجًا وعونًا له وعليه، وعلى الله اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي.
وهي مشتملةٌ على ذكر نَسَبِ رسُولِ الله ﵊، وسيرتِه،
[ ٩ ]
وأعلامِه (^١)، وذكر أيامِ الإسلام بعده إلى يومنا هذا، مما تمسُّ حاجةُ ذوي الأرَبِ إليه، على سبيلِ الاختصارِ، إن شاء الله تعالى».
الكلام على مقدمة المصنف من وجوه:
١ ــ بدأ المصنف ﵀ بمقدمة موجزة جدًا، تحدّث فيها عن أهمية دراسة السيرة النبوية، ومعرفة التاريخ الإسلامي، وأنها مشتملة على علوم جمّة، وفوائد مهمّة، لا يستغني عنها عالِمٌ، ولا يُعذر بالجهل بها.
٢ ــ ثم أشار إلى أنه يريد كتابة كتاب في ذلك، سماه تواضعًا بالتذكرة.
٣ ــ لكن قوله بعد ذلك: "وهي مشتملة على ذكر نسب رسول الله ﷺ، وسيرته .. وذكر أيام الإسلام بعده إلى يومنا هذا"، هذه الجملة فيها إشكال، لأن ظاهرها يفيد أن الكتاب المصنف هذا لا يقتصر على السيرة النبوية فحسب، بل ويذكر أيضًا تاريخ الإسلام إلى عصر المؤلف!!
والذي بين أيدينا من الكتاب إنما هو مقتصر على حوادث السيرة وملحقاتها من الخصائص والشمائل، وليس فيه شيء من أيام الإسلام كما يفيده كلام المصنّف!!
ولعل أحسن ما يقال في الجواب عن هذا الإشكال: أن المصنّف ربما أراد ذكر حوادث السيرة وتاريخ الإسلام بعدها على وجه مختصر، ثم إنه عدل عن ذلك، واقتصر على قسم السيرة النبوية وملحقاتها فحسب، اكتفاء منه بكتابه الكبير الآخر، المسمَّى بالبداية والنهاية، حيث أسهب فيه وأطنب في الحديث عن حوادث التاريخ الإسلامي إلى عصره ﵀.
_________________
(١) معجزاته.
[ ١٠ ]
وهناك من أهل العلم كالعلامة أحمد محمد شاكر (ت: ١٣٧٧ هـ) من أبدى احتمال أن يكون قسم التاريخ من كتاب الفصول قد فُقد!! فقد قال ﵀: "إن المطبوع غير كامل يقينًا، فلا أدري اقتصر المؤلف على هذا القدر، أم فُقد باقي الكتاب؟ " (^١).
ومسألة فقدان شيء من الكتاب بعيد في نظري، لأن جميع من وصفوا الكتاب قالوا إنه سيرة صغيرة، كابن العماد الحنبلي في الشذرات (^٢) وغيره، ولم يشر أحدٌ منهم إلى ما أشار له الشيخ شاكر، أو قال إن الكتاب ناقص، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) عمدة التفسير ١/ ٣٥.
(٢) شذرات الذهب ٨/ ٣٩٩.
[ ١١ ]
فصل