قال المصنف: «ووُلد رسُولُ الله ﷺ يومَ الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأوّلِ. وقِيل: ثامنُه، وقِيل عاشرُه، وقِيل لثنتي عشرة منه، وذلكَ عَام الفيلِ على الصحيح.
ومات أبوه وهو حَمْل، واستُرضع له في بني سَعْدٍ، فأرضعته حَلِيمة السَّعدية، وأقامَ عندها في بني سَعْدٍ نحوًا من أربعِ سنين، وشُقّ عن فُؤادِه هناك، فردَّته إلى أُمّه. فخَرجتْ به أمُّه إلى المدينة؛ تزورُ أخوالَه بالمدينة، فتوفيت بالأَبواء، وهي راجعةٌ إلى مكة، وله من العُمُر ستّ سنين وثلاثة أشهر وعشرة أيام».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "وُلد ﷺ يوم الاثنين .. إلى آخره": قلت: ثمة مواضع اتفاق ومواضع اختلاف في تحديد تاريخ مولده ﷺ.
فقد اتفق العلماء على أن مولده ﷺ كان في يوم الاثنين، كما صح بذلك حديث أبي قتادة الأنصاري أنه ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه» (^١). وكذلك اتفقوا تقريبًا على أن
_________________
(١) صحيح مسلم «١١٦٢»
[ ٢١ ]
مولده كان عام الفيل (^١).
وأما الشهر، فقال الحافظ ابن حجر: "الصحيح المشهور أنه في ربيع الأول" (^٢).
وحدده الجمهور باليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وهو قول ابن إسحاق شيخ السيرة (^٣)، الموافق لسنة: (٥٧١) للميلاد.
٢ ــ وقد صحبت ولادته الشريفة بعض العجائب والآيات؛ من ذلك أن أمه رأت حين حملت به كأن نورًا خرج منها، أضاءت له قصور الشام (^٤).
ــــ كذلك اشتهر في كتب السيرة أنه في اليوم الذي ولد فيه: إرتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نارُ المجوس، ولم تكن خمدت منذ ألف عام، وأن ماء بحيرة ساوة (^٥) ذَهَبَ في الأرض.
وهذه الثلاث الآيات وإن كانت قد اشتهرت في كتب السيرة إلا أنها لم تثبت من طريق يمكن الوثوق به (^٦).
_________________
(١) إكمال المعلم للقاضي عياض ٧/ ٣١٦، سبل الهدى والرشاد ١/ ٣٣٤.
(٢) فتح الباري ٧/ ١٦٤.
(٣) سيرة ابن هشام ١/ ١٤٦، البداية والنهاية ٣/ ٣٧٥، السيرة الحلبية ٣/ ٦٣٧.
(٤) رواه أحمد في المسند «١٧١٥١» بسند حسنه الحافظ الهيثمي مجمع الزوائد ٨/ ٢٢٢، وقال شعيب الأرناؤوط: "صحيح لغيره".
(٥) بحيرة ساوة: بحيرة مغلقة مالحة قرب نهر الفرات بالعراق، ترشح إليها المياه الجوفية من نهر الفرات عبر الصدوع والشقوق. وعمق المياه فيها يتراوح ما بين ٤ إلى ٥ أمتار، كما في الموسوعة الحرة المنشورة على شبكة الإنترنت.
(٦) السيرة النبوية الصحيحة للعُمري ١/ ١٠٠.
[ ٢٢ ]
وكأن المقصود بهذه الآيات تنبيه البشرية بأنها مقبلة على حدث كبير سوف يغير العالم، ويدخله دورًا جديدًا في الدين والأخلاق (^١).
٣ ــ وقوله: "ومات أبوه وهو حمل": هذا هو القول الراجح الذي عليه عامة علماء السيرة، وصححه الحافظ الذهبي (^٢). وقد ثبت ما يؤيده عن الإمام الزهري، أنه قال: "ولدت آمنةُ رسول الله ﷺ بعدما توفي أبوه" (^٣).
٤ ــ وقوله: "واستُرضع له في بني سعد": بنو سعد يُنسبون إلى سعد بن بكر بن هوازن، إحدى فروع قبيلة هوازن المعروفة التي كانت تسكن الطائف، وكانوا مشهورين بالفصاحة وسلامة اللغة، لذلك كانت قريش ترسل أبناءها إليهم في سنواتهم الأولى.
ورضاعه ﷺ في بني سعد بن بكر مما لا شك في ثبوته، وقد دلت عليه نصوص كثيرة، منها ما رواه ابن إسحاق قال: حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك، فقال: «دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، واستُرضعت في بني سعد بن بكر» (^٤).
٥ ــ وقوله: "فأرضعته حليمة السعدية": حليمة السعدية هي: بنت أبي ذؤيب، أسلمت بعد ذلك، وترجم لها غير واحد في الصحابة (^٥).
_________________
(١) السيرة النبوية للندوي ص ١٠٠.
(٢) تاريخ الإسلام ١/ ٤٩٩.
(٣) صحيح مسلم «١٧٧١».
(٤) سيرة ابن إسحاق ص ٥١، وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٣/ ٤١٣: "إسناده جيد قوي".
(٥) الإصابة لابن حجر ٨/ ٨٧.
[ ٢٣ ]
وكذا أسلم زوجها، واسمه الحارث بن عبد العزى، والد النبي ﷺ بالرضاعة (^١).
ورضاعته ﷺ من حليمة ثابت من طرق عدة (^٢).
٦ ــ وكان النبي ﷺ قد رضع من ثويبة جارية عمّه أبي لهب بضعة أيام قبل أن يرضع من حليمة السعدية (^٣).
٧ ــ واسترضاعه ﷺ في بني سعد بن بكر فيه دلالة على عناية العرب ذلك الوقت بلغتهم العربية، حيث كانوا يرضعون أطفالهم في البادية لإكسابهم سلامة اللغة وفصاحة اللسان، وأيضًا لما في البادية من نقاء الهواء، وبعد أهلها عن مفاسد المدنية.
٨ ــ وقوله: "وأقام عندها في بني سعد نحوًا من أربع سنين": اختلف في عمر النبي ﷺ عندما ردّته حليمة إلى أمه، والمشهور الذي جزم به الحافظان العراقي وابن حجر ورجحه الزرقاني أنه كان في سنّ الرابعة بعد حادثة شقّ الصدر مباشرة (^٤).
وكان سبب ردّها له هو ما حصل له من حادثة شقّ الصدر، فقد خافت حليمة عليه، ورغبت في إخلاء مسؤوليتها عنه، بالرغم من شدة حبّها له وتعلقها به.
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٦٧٦.
(٢) السيرة النبوية الصحيحة للعُمري ١/ ١٠٣.
(٣) صحيح البخاري «٥١٠١»، صحيح مسلم «١٤٤٩».
(٤) شرح المواهب للزرقاني ١/ ٢٨٢.
[ ٢٤ ]
٩ ــ وقوله: ""وشُقّ عن فؤاده هناك فردّته إلى أمه": حادثة شقّ الصدر ذكرها ابن إسحاق في السيرة بإسناد جيد: أن النبي ﷺ قال: «استرضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لي في بَهْمٍ لنا، أتاني رجلان عليهما ثياب بياض، معهما طست من ذهب مملوءة ثلجًا، فأضجعاني، فشقّا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا منه علقة سوداء، فألقياها، ثم غسلا قلبي وبطني بذاك الثلج، حتى إذا أنقياه، ردّاه كما كان» (^١).
وكان عمره ﷺ عندما شُقَّ صدره في بني سعد أربع سنوات أو خمسة (^٢).
١٠ ــ وقد حاول بعض المستشرقين ومن تلوث بأفكارهم إنكار حادثة الشقّ، وزعموا أنها أسطورة وخيال (^٣)!!
ورُدّ عليهم بأن الحادثة ذكرها عامة علماء السيرة في كتبهم المعتمدة، وأصلها مخرج في صحيح الإمام مسلم، ولم ينكرها أحدٌ من علماء المسلمين، فالواجب التصديق بها.
وما أحسن قول الحافظ ابن حجر في الرد على هؤلاء: "وجميع ما ورد من شقّ الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة فلا يستحيل شيء من ذلك" (^٤).
_________________
(١) سيرة ابن إسحاق ص ٥١، وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٣/ ٤١٣: "إسناده جيد قوي". والحادثة أصلها في صحيح مسلم «٢٦١».
(٢) السيرة النبوية الصحيحة ١/ ١٠٣.
(٣) "حياة محمد"!! لهيكل ص ٨٠.
(٤) فتح الباري ٧/ ٢٠٥.
[ ٢٥ ]
١١ ــ وقد تكررت حادثة شقّ الصدر للنبي ﷺ على ما رجحه السهيلي مرتين (^١)، مرة في بني سعد بن بكر عندما كان صغيرًا، والثانية قبيل صعوده في رحلة الإسراء والمعراج، وسيأتي الحديث عنها بمشيئة الله تعالى.
١٢ - قوله: "فخرجت به أمّه إلى المدينة تزور أخواله (^٢)، فتوفيت بالأبواء وهي راجعة إلى مكة": هذه الحادثة رواها ابن إسحاق، قال حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم به مرسلًا (^٣)، وبهذا جزم الذهبي وعامة كتاب السيرة (^٤).
١٣ - وقوله: "وله من العُمُر ستّ سنين وثلاثة أشهر وعشرة أيام": قلت: هكذا جزم به ابن إسحاق (^٥) والذهبي (^٦) وغيرهما دون ذكر عدد الأشهر والأيام.