قال المصنّف: «هو سيّدُ ولدِ آدم: أبو القاسم، محمدٌ، وأحمدٌ، والماحِي الذي يُمحى به الكفرُ، والحاشِرُ الذي يَحشُرُ الناسَ، والعاقِبُ الذي ليس بعده نبيٌّ، والمُقَفّيّ، ونبيّ الرَّحمة، ونبيّ التوبة، ونبيّ المَلْحَمَة».
الكلام عليه من وجوه:
١ - قول المصنّف: "هو سيَد ولد آدم": هذا محلّ اتفاق بين العلماء، وقد دلت عليه النصوص الصريحة الثابتة كقوله ﷺ في حديث أبي هريرة: «أنا سيّد الناس يوم القيامة» (^٢).
٢ ــ وقوله: "أبو القاسم": هذه كنيته ﷺ، وقد تواترت النصوص بذلك كما قال الحافظ الذهبي (^٣).
و"القاسم" هو أكبر أبنائه ﷺ، ولد بمكة قبل النبوة، ومات بها طفلًا، وهو ابن سنتين. وقد كان للنبي ﷺ ثلاثة من الولد في قول جمهور العلماء (^٤): أولهم:
_________________
(١) النَّسَب هو: سلسلة الآباء والأجداد الذين ينتمي إليهم الإنسان.
(٢) صحيح البخاري «٤٧١٢»، صحيح مسلم «٣٢٧».
(٣) تاريخ الإسلام ١/ ٤٨٨.
(٤) ينظر سبل الهدى والرشاد ١١/ ١٦.
[ ١٣ ]
القاسم، وقد تقدم الكلام حوله.
وثانيهم: عبد الله، ويُلقب بالطيّب والطاهر، لأنه ولد بعد النبوة على الصحيح، وقد مات بمكة طفلًا رضيعًا.
وثالثهم: إبراهيم، ولد بالمدينة، ومات بها وعمره (١٨) شهرًا في السنة العاشرة للهجرة.
ــــــ وأما بناته ﷺ فهنّ: زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة ﵅.
ــــــ وأفضلهن وأحبّهن إلى النبي ﷺ ابنته فاطمة ﵂، وقد صحّ عنه ﷺ أنه قال لها في مرض موته: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة، أو نساء المؤمنين» (^١).
ـــــــ وكلّ أولاده ﷺ ذكورًا وإناثًا من زوجه خديجة ﵂ إلا إبراهيم فأمُّه مارية بنت شمعون القبطية جارية النبي ﷺ، التي أهداها إليه المقوقس عظيم مصر.
٣ ــ وهل يجوز التكني بأبي القاسم لغير النبي ﷺ؟ هذه مسألة اختلف فيها على مذاهب، ومذهب الجمهور وهو الراجح أن النهي مقيّد بزمن النبي ﷺ، أما بعد وفاته فلا بأس بالتكني بهذه الكنية.
ويدلّ على هذا التفصيل حديث أنس بن مالك ﵁: قال: كان النبي ﷺ في السوق، فقال رجلٌ: يا أبا القاسم، فالتفت إليه النبي ﷺ، فقال: إنما دعوتُ هذا، فقال النبي ﷺ: «سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي» (^٢). ففهم من هذا أن
_________________
(١) رواه البخاري «٣٦٢٤»، صحيح مسلم «٢٤٥٠» واللفظ للبخاري.
(٢) صحيح البخاري «٢١٢٠» واللفظ له، صحيح مسلم «٢١٣١».
[ ١٤ ]
النهي مختصٌّ بحياته ﷺ للسبب المذكور، وقد زالت العلة بوفاته (^١).
٤ ــ وقوله: "محمد": أخذ المصنف يذكر بعض أسمائه ﷺ وهي كثيرة، فبدأ باسمه الأجل والأشهر "محمد" ﷺ، قيل إن الذي سمّاه به جدُّه عبد المطلب، وقيل بل أمّه آمنة، رأت في المنام من يأمرها بتسميته محمدًا (^٢).
ــــ وقد تكرر هذا الاسم في القرآن الكريم مرات عدة. وهو مشتق من الحمْد، لكثرة محامده وخصاله المحمودة.
ــــ ولم يكن هذا الاسم مشهورًا في الجاهلية، وإنما تسمَّى به بعض العرب قرب بعثته ﵊، لمّا سمعوا من الأحبار والرهبان أن نبيًا يبعث آخر الزمان اسمه «محمدًا»، فسمُّوا أبناءهم بهذا الاسم رجاء نيل النبوة (^٣)!!
٥ ــ وقوله: "وأحمد": هذا هو الاسم الثاني في المكانة والشهرة لنبينا ﷺ. وقد ورد ذكره في القرآن مرة واحدة على لسان نبي الله عيسى بن مريم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصَّفِّ: ٦].
٦ ــ وقوله: "والماحِي": هذا أيضًا من أسمائه ﷺ، وفسره المصنف بالذي يمحو الله به الكفر، وهو نص تفسير النبي ﷺ في قوله من حديث جبير بن مُطعم واللفظ للبخاري: «لي خمسة أسماء: أنا محمّد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله
_________________
(١) إرشاد الساري للقسطلاني ٩/ ١١٠.
(٢) فتح الباري ٧/ ١٦٣، شرح المواهب للزرقاني ١/ ١٩٩.
(٣) عيون الأثر ١/ ٣٩.
[ ١٥ ]
بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحُشر الناس على قدمي، وأنا العاقب» (^١).
ـــ وفي الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، قال: كان رسول الله -ﷺ- يسمِّي لنا نفسه أسماء، فقال: «أنا محمّد، وأحمد، والمقفِّي، والحاشر، ونبيّ التَّوبة، ونبيّ الرحمة» (^٢).
٧ ــ وقوله: "والحاشِر": قلت: هذا من أسمائه ﷺ، وقد فسره في حديث جبير بن مُطعم السابق بالذي يُحشر الناس على قدمه.
ومعناه: أن الخلق يُحشرون يوم القيامة على أثره، فليس بينه وبين يوم القيامة نبي آخر، كما أفاده ابن الملقن (^٣).
٨ ــ وقوله: "والعاقِب": فسَّره المصنف بالذي ليس بعده نبي، وهو نص تفسير النبي ﷺ في رواية مسلم لحديث جبير بن مُطعم.
٩ ــ وقوله: "والمقفّي": أي: آخر الأنبياء المتَّبِع لهم، فإذا قفّى فلا نبي بعده، أفاده ابن الأثير (^٤).
ـــــ وبناء على ما تقدَّم فإن الحاشِرَ والعاقِبَ والمقفِّي كلها بمعنى واحد: أي الذي لا نبيّ بعده.
١٠ ــ وقوله: "ونبيّ التوبة": دل على هذا الاسم حديث أبي موسى الأشعري المتقدم، قال العلماء: سمّي بذلك لأنه كان كثير الرجوع والتوبة إلى الله، أو لأنه
_________________
(١) صحيح البخاري «٣٥٣٢»، صحيح مسلم «٢٣٥٤».
(٢) صحيح مسلم «٢٣٥٥».
(٣) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢٠/ ١٠٦.
(٤) النهاية في غريب الحديث ٤/ ٩٤.
[ ١٦ ]
قُبل من أمته التوبة بمجرد الاستغفار بخلاف الأمم السالفة (^١).
١١ ــ وقوله: "ونبيّ الرحمة": سُمي بذلك: لأنه بعث رحمة للناس، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
١٢ ــ وقوله: "ونبيّ المَلحمة": قلت: ورد هذا الاسم في إحدى ألفاظ روايات مسلم لحديث أبي موسى الأشعري المتقدم (^٢).
ومعنى "نبي الملحمة": أي نبي الحرب والجهاد، فالإسلام كما أنه دين لين ورحمة، فهو دين جهاد وقوة، كلٌ بحسب الحاجة والمناسبة، وهذا من واقعيته ووسطيته.