قال المصنف: «وكان الشيطانُ قد تبدَّى لقريشٍ في صورة سُراقة بن مالك
_________________
(١) شرح المواهب للزرقاني ٢/ ٢٧٧.
(٢) صحيح مسلم «١٧٦٣».
(٣) ينظر سورة الأنفال: ٩، وسورة آل عمران: ١٢٤ - ١٢٦.
(٤) فتح الباري ٧/ ٣١٣.
[ ١٤٢ ]
بن جُعشم زعيم مُدْلِج، فأجارهم، وزيَّن لهم الذهابَ إلى ما هم فيه؛ وذلك أنهم خَشُوا بني مُدْلِج أن يخلُفُوهم في أهاليهم وأموالهم، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨]، وذلك أنه رأى الملائكة حين نزلت للقتال، ورأى ما لا قِبَلَ له به ففرَّ، وقاتلتِ الملائكة كما أمرها الله، وكان الرجلُ من المسلمين يطلبُ قِرْنه، فإذا به قد سَقَطَ أمامه».
الكلام عليه من وجوه:
١ - تبدّي الشيطان في صورة سراقة بن مالِك وتزيينه الحرب لقريش ذكره ابن إسحاق في السيرة بإسناد صحيح من مرسل عروة بن الزبير (^١).
٢ ــ وقوله: "إن قريشًا خشوا بني مُدلج أن يخلُفوهم في أهاليهم": سببه ما كان بينهم وبين مُدلج من الحرب، فخشيت قريش أن تأتيهم من خلفهم، فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالِك المدلجي ووعدهم بألا يصيبهم من بني مُدلج مكروه.
٣ ــ وقوله: "وكان الرجل يطلب قِرْنه، فإذا به قد سقط أمامه": يشير بهذا إلى ما أخرجه مسلم عن ابن عباس: «بينما رجلٌ من المسلمين يومئذ يشتدُّ في أَثَر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسَّوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقْدِم حيزوم (^٢)، فَنَظَر إلى المشرك أمامه فخرَّ مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خُطِم
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٦١٢.
(٢) اسم فرس الملك.
[ ١٤٣ ]
أنفه، وشُقَّ وجهه، كضربة السَّوط فاخضرَّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاريُّ، فحدَّث بذلك رسول الله ﷺ، فقال: «صَدَقت، ذلك من مَدَد السماء الثالثة»» (^١).