قال المصنف: «وأرسل الله ﷿ على قريشٍ ومن معهم الجنودَ والريحَ
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٩، مصنف عبد الرزاق «٩٧٣٧». ومراسيل ابن المسيب قوية كما هو معروف، وقول الدكتور العُمري في السيرة الصحيحة ٢/ ٤٣٠: إنها لا يثبت من الناحية الحديثية فيه نظر، وكأنه لم يقف على رواية ابن المسيب.
(٢) صحيح البخاري «٣٠٣٠»، صحيح مسلم «١٧٣٩».
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٤٥.
[ ٢٠٧ ]
تُزلزلهم، فجعلوا لا يَقِرُّ لهم قرارٌ، ولا تثبت لهم خيمةٌ ولا طُنُبٌ (^١)، ولا قِدْرٌ ولا شيءٌ. فلما رأوا ذلك ترحّلوا من ليلتِهم تلك.
وأرسلَ ﷺ حُذيفة بنَ اليمان يخبُر له خبَرهم، فوجدهم كما وصفنا، ورأى أبا سفيان يُصْلي ظهره بنار، ولو شاء حُذيفة لقتله، ثم رجعَ إلى رسُولِ الله ﷺ ليلًا فأخبره برحيلهم. فلمَّا أصبحَ رسُولُ الله ﷺ غدا إلى المدينةِ وقد وضعَ الناسُ السلاحَ، فجاء جبريلُ ﵇ إلى رسُولِ الله ﷺ وهو يغتسلُ في بيت أمّ سلَمة، فقالَ: أوضعتم السلاحَ؟ أما نحنُ فلم نضعْ أسلحتنا، انهد (^٢) إلى هؤلاءِ، يعني بني قريظة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حاصل ما ذكره المصنف أن الله ﷿ لما أراد هزيمة الأحزاب أرسل عليهم ريحًا باردة شديدة في ليلة مظلمة فكفأت قدورهم واقتلعت خيامهم وأطفأت نيرانهم، فضاق المشركون بها وبطول الانتظار والحصار ذرعًا فتنادوا بالرحيل وانصرفوا. والخبر بذلك ذكره ابن إسحاق بدون إسناد، وأخرجه ابن سعد من رواية سعيد بن جبير مرسلًا (^٣).
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحادثة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩].
_________________
(١) الطنب: حبل يشد به الخيمة ونحوها.
(٢) يقال نهد الرجل: إذا نهض وقام.
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٣٢، طبقات ابن سعد ٢/ ٥٥.
[ ٢٠٨ ]
٢ ــ وبعثه ﷺ حُذيفة بن اليمان حتى يأتيه بخبر الأحزاب أخرجه مسلم في صحيحه (^١).
٣ ــ وفي الحادثة دليل على جواز بعث الإمام الجواسيس والعيون لكشف أخبار العدو (^٢).
٤ ــ كما أن فيها معجزة نبوية، فإن حذيفة حين بعثه النبي ﷺ ليأتيه بخبر الأحزاب كانت الريح باردة جدًا وتعصف بقوة، فلما ذهب جعل يمشي كأنه في حمام دافئ كما في رواية الصحيح ببركة دعاء النبي ﷺ له.
٥ ــ وقول جبريل للنبي ﷺ: "أوضعتم السلاحَ؟ أما نحن فلم نضع أسلحتنا .. إلى آخره" هذه الرواية مخرجة في الصحيحين بنحوه (^٣).
_________________
(١) صحيح مسلم «١٧٨٨».
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ١٤٦.
(٣) صحيح البخاري «٤١١٧»، صحيح مسلم «١٧٦٩».
[ ٢٠٩ ]
فصل