قال المصنف: «وقد كان بَلَغَ الأنصارَ مخرجه من مكة وقصدُه إِيَّاهم، فكانوا كلَّ يومٍ يخرجُون إلى الحَرَّة ينتظرُونه، فلمَّا كان يومُ الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول على رأسِ ثلاث عشرة سنة من نبوّته ﷺ وافاهم رسُولُ الله ﷺ حين اشتدّ الضّحاء، وكان قد خرجَ الأنصارُ يومئذٍ، فلمَّا طالَ عليهم رجعوا إلى بيوتهم.
وكان أوَّلَ من بَصُر به رجلٌ من اليهود ــ وكان على سطح أُطُمه (^١) ــ فنادى بأَعلى صوته: يا بني قَيْلَة (^٢) هذا جَدُّكم (^٣) الذي تنتظرون! فخرجَ الأنصارُ في سلاحهم، فتلقوه وحَيّوْه بتحية النبوّة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ اختلفت الرواية في تاريخ قدوم النبي ﷺ إلى قباء بالمدينة، فقيل إنه كان في اليوم الثامن من شهر ربيع الأول، وقيل في اليوم الثاني عشر من الشهر نفسه،
_________________
(١) الأطم: الحصن.
(٢) بنو قيلة: هم الأوس والخزرج، وقيلة هي: جدتهم الكبرى، كما في شرح المواهب ٢/ ١٤٩.
(٣) حظكم وصاحب دولتكم.
[ ١٠١ ]
وذكر الخلاف ابن حجر ولم يرجح في المسألة، لكنه اعتمد أن القدوم كان يوم الاثنين (^١).
٢ ــ وما أشار له المصنف من خروج الأنصار كل يوم إلى حرَّة المدينة ينتظرون قدومه ﷺ ورؤية اليهودي له .. إلى آخره، هذه رواية مخرجة في البخاري (^٢).
٣ ــ وقد اشتهر في كتب السيرة أن جواري بني النجار خرجن يومها ينشدن: طلع البدر علينا … من ثنيَّات الوداع .. الأبيات المعروفة، وهذه الحادثة لم تصل إلينا من طريق ثابتة (^٣).
وقد رجح جمع من العلماء كابن القيم (^٤)، وابن حجر (^٥): أن هذا النشيد قيل للنبي ﷺ مرجعه من غزوة تبوك، لأن ثنيَّة الوداع من جهة الشام لا من جهة مكة.
٤ - وقد ازدحم الأنصار رجالًا ونساء وصبيانًا لرؤية رسول الله ﷺ، وفرحوا بمقدمه فرحًا عظيمًا، حتى قال البراء بن عازب ﵁: «جاء النبي ﷺ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء، فرحهم به» (^٦).
٥ ــ وفي الحادثة صورة من صور شدة محبة الأنصار للنبي ﷺ، وقد بوّب
_________________
(١) ينظر فتح الباري ٧/ ٢٤٤.
(٢) صحيح البخاري «٣٩٠٦».
(٣) أعلّ إسناد الرواية الحافظان العراقي وابن حجر بالإعضال، كما في المغني للعراقي ص ٧٤٩، والفتح لابن حجر ٧/ ٢٦٢.
(٤) زاد المعاد ٣/ ٤٨٢.
(٥) فتح الباري ٧/ ٢٦٢.
(٦) صحيح البخاري «٤٩٤١».
[ ١٠٢ ]
العلماء في كتبهم أبوابًا كثيرة في مناقب الأنصار وفضائلهم ﵃.