إن مما امتاز به اتباع هذا الدين: الوسطية في كل شيء فلا إفراط ولاتفريط قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ١ قال ابن كثير: "والوسط هنا المراد به الخيار والأجود كما يقال قريش أوسط العرب نسبا أي خيرها.
ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب"٢.
ومن الأمور التي توسطت بها هذه الأمة توسطها في شأن الأنبياء بين اليهود والنصارى.
فقد افترق اليهود والنصارى في الأنبياء: فاليهود جفوا عنهم فكذبوهم وقتلوهم. والنصارى غلوا فيهم فأشركوا بهم حتى كفروا بالله.
أما هذه الأمة فقد توسطت بين الطائفتين فأمنت وصدقت بأنبياء الله ولم يتتخذهم أربابا من دون الله.
فالسلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ساروا في هذا الشأن وفق نصوص القرآن والسنة الصحيحة شأنهم في ذلك شأنهم في سائر أمور هذا الدين الاتباع وترك الابتداع.
فما نص عليه القرآن يجب الأخذ به والعمل به والحال نفسه ينطق على ما
_________________
(١) ١ الآية (١٤٣) من سورة البقرة. ٢ تفسير ابن كثير (١/١٩٠) .
[ ٢ / ٦٨٩ ]
نصت عليه السنة.
فقد نصت النصوص على أمور متعددة فيما يتعلق بشأن نبينا ﷺ وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فمن أخذ بهذه الأمور جميعها وأمن بها فقط توسط ومن أخل بشيء منها فهو لا محالة واقع في أحد حالين إما الغلو أو التنقص.
ولما كان حال الغلو هو الأكئر خطرا على اتباع الرسل، فقد جاء التنبيه والتأكيد على بشريتهم في مواطن متعددة في كتاب الله العزيز منها:
١- التأكيد على بشرية الرسول وعبوديته لله تعالى:
قال تعالى ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١.
وقال تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ ٢.
وقال تعالى ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٣.
وقال تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ ٤.
وقال تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ ٥.
وقال تعالى ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآية (٧٩) من سورة آل عمران. ٢ الآية (٩١٠) من سورة الكهف. ٣ الآية (٩٣) من سورة الإسراء. ٤ الآية (١) من سورة الإسراء. ٥ الآية (٢٣) من سورة البقرة. ٦ الآية (٤١) من سورة الأنفال.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
وقال تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ ١
وقال تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ٢
وقال تعالى ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ٣.
وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ٤.
وقال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ ٥.
٢- التأكيد على أن الرسل لا يملكون شيئا من خصائص الألهية والربوبية
قال تعالى ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ٦.
وقال تعالى ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ ٧.
وقال تعالى ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ
_________________
(١) ١ الآية (١) من سورة الكهف. ٢ الآية (١) من سورة الفرنان. ٣ الآية (١٠) من سورة النجم. ٤ الآية (٩) من سورة الحديد. ٥ الآية (٢٠) من سورة الفرقان. ٦ الآية (٥٠) من سورة الأنعام. ٧ الآية (٥٨، ٥٩) من سورة الأنعام.
[ ٢ / ٦٩١ ]
مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
وقال تعالى ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ ٢.
وقال تتعالى ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ ٣.
وقال تعالى ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا﴾ ٤.
وقال تعالى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٥.
وقال تعالى ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ٦.
وقال تعالى ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ ٧
٣- التنبيه على ما كان من حال النصارى هع عيسى ﵇ وبيان كفرهم في ذلك:
قال تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ٨.
وقال تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ
_________________
(١) ١ الآيتان (١٨٧، ١٨٨) من سورة الأعراف. ٢ الآية (٢٠) من سورة يونس. ٣ الآية (٣١) من سورة هود. ٤ الآية (٢١) من سورة الجن. ٥ الآية (١٢٨) من سورة آل عمران. ٦ الآية (٤٩) من سورة يونس. ٧ الآية (٩) من سورة الأحقاف. ٨ الآية (١٧) من سورة المائدة.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ١.
٤- بيان كفر من رفعهم إلى درجة الربوبية:
قال تعالى ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢.
وبجانب هذا التأكيد على بشرية الرسل والتحذر من رفعهم فوق مكانتهم التي أعطاهم الله إياها ووصفهم بما ليزر لهم حق فيه.
أكد الإسلام وجوب الإيمان بهم وإكرامهم ورفع درجتهم وجعلهم في مكانة ومنزلة سامية. فأوجب الإيمان بهم.
قال تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا
_________________
(١) ١ الآيات (من ٧٢- ٧٧) من سورة المائدة. ٢ الآية (٨٠) من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ١.
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: "فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد، فرد صمد، لا إله غيره ولا رب سواه.
ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء لا يفرقون بين أحد منهم فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض بل الجميع عندهم صادقون بارون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع بشرع محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين"٢.
وفي مقابل ذلك فقد عد تكذيب واحد منهم كفرًا ولو ادعى الإيمان بالله ورسله جميعا إلا ذلك، فإيمان من هذا حاله إيمان زائف لا وزن له ولا خير فيه وصاحبه موسوم بالكفر.
قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ٣.
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: "والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبى بعثه الله إلى أهل الأرض فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي تبين أن إيمانه بمن آمن به
_________________
(١) ١ الآية (٢٨٥) من سورة البقرة. ٢ تفسير ابن كثير (١/٣٤٢) . ٣ الآيتان (١٥٠، ١٥١) من سورة النساء.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًا إنما هو عن غرض وهوى وعصبية"١.
وبهذه الوسطية تمسك السلف الصالح ومن سار على نهجهم فالأنبياء وعلى رأسهم نبينا صلوات الله عليهم أجمعين بشر مثلنا فضلهم الله واصطفاهم واختارهم وشرفهم بحمل الرسالة وتبليغها إلى الناس، وأوجب علينا لهم من الحقوق ما سبق ذكره، وكذلك جعل لنا عليهم من الأمور والحقوق التي تطلب منهم، "فالأمور نوعان:
النوع الأول: نوع يطلب لنبينا منا ويجب له علينا.
والنوع الثاني: نوع يطلب لنا منه سواء أوجب عليه أو لم يجب. فالواجب له علينا من الحقوق بعد الموت الإيمان به ومحبته ونصره وتعزيره وتوقيره وطاعة أمره واتباع سنته وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه.
هذا بالنسبه لما يتعلق بالنوع الأول. أما ما يتعلق بالنوع الثاني: فتحقيق ذلك أن الله أمره بأشياء منها ما هو حق لله. ومنها ما هو حق للناس.
والأمر تارة يكون أمر إيجاب، وتارة أمر استحباب.
وكل ما أمر به مما فيه نفع للخلق ففيه حق لهم عليه كتبليغهم وتعليمهم والبيان لهم وأمرهم بكل معروف ونهيهم عن كل منكر، وحضهم على كل ما يقربهم إلى الجنة ونهيهم عن كل ما يبعدهم عنها وتبيين كل ما يحتاجون إليه وأمثال ذلك.
وقد فعل ذلك وتركهم على البيضاء ليلها كنهارها، وما طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لهم منه علما بأخباره وأوامره ونواهيه.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كئبر (١/٥٧٢) .
[ ٢ / ٦٩٥ ]
وكذلك كان يقوم بأخذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم، وإنصاف مظلومهم من ظالمهم، وإطعام جائعهم، وعيادة مريضهم، والصلاة على ميتهم، وأمثال ذلك من أنواع إحسانه إليهم في جميع مصالح الدنيا وا لآخرة.
فاجتمعت له صفات الكمال المتفرقة في غيره من الرسل والأنبياء وولاة الأمر وغيرهم.
وكان له من خصائص النبوة والرسالة ما لم يشركه فيه أحد بعده، وكان يقوم بالإمامة في الصلاة والإمارة في الغزو وإرسال البعوث وعقد الألوية والشعائر في الحروب وإقامة الحدود وايصال الحقوق وقسم المواريث والمغانم والفيء والصدقات، وتعليمهم ما يؤمرون به مما في القلوب من المعارف والأحوال، أو ما يقوم بالأبدان من الأقوال والأعمال، وأفتاهم فيما ينوبهم من المسائل، والحكم بينهم فيما يتنازعون فيه من القضايا، وتعبير الرؤيا وما كان وما يكون من أمر الدنيا والآخرة، وصفات الرب، وملائكته، وأمر الآخرة والجنة والنار إلى غير ذلك. فهذه الأمور التي كان مأمورًا بها أمر إيجاب أو أمر استحباب وكانت حقا عليه للخلق انتهت بموته فلم يبق عليه منها شيء.
كما أدّى حق الله الذي أمره به، فلم يبق عليه منه شيء، فجاهد في الله ونصح الأمة، وعبد ربه حتى أتاه اليقين.
وأما ما كان حقا له على الأمة ومنفعته في الحقيقة تعود عليهم، والله تعالى يثيبه بما يعملون به من طاعته مثل ثوابهم، يستجيب فيه صالح دعواهم فهو في الحقيقة حق الله وان كان فيه حق للرسول فإن الله هو الذي أمرهم به الرسول، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
فكل ما أمرهم به الرسول من واحب ومستحبا فالله آمرهم به.
وإذا أطاعوا الله ورسوله فأجرهم على الله.
وإذا عصوا الله ورسوله فحسابهم على الله.
قال تعالى ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ ١.
وقال تعالى ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَر إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ ٢ وقال تعالى ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٣ ثم قال ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٤ فأمر بطاعته وطاعة رسوله لأن طاعته طاعة لله.
وأمرهم بالتوكل عليه وحده، وطاعة الرسول هي عبادة لله وحده والأمر والمعنى المتقدم من أن الرسول ليس عليه إلا ما أمر به من البلاغ والبيان والجهاد وليس عليه جزاء العباد ولا حسابهم ولا هدايتهم قد كرر في القرآن في مواضع. والحق الذي لله وللرسول باق بعد موت الرسول، وكذلك ما كان من حقوقه التي يمكن بقاؤها كالصلاة عليه والتسليم والتعزر والتوقير والمحبة وغيرها فهي لم تنقص بعد موته بل توكدت وقويت، بل حقوقه عليها بعد موته أكمل منها في حياته.
فمن ذلك أن من تنقصه في حياته أوسبه فإنه كان له ﷺ يعفو عن حقه.
_________________
(١) ١ الآية (٤٠) من سورة الرعد. ٢ الآيات (من ٢١- ٢٦) من سورة الغاشية. ٣ الآية (١٢) من سورة التغابن. ٤ الآية (١٣) من سورة التغابن.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
فأما بعد موته فليس لأحد أن يعفو عن حقه ولا يسقط وكذلك في مغيبه. فعلينا أن نقوم بحقوقه الواجبة علينا في حال مماته ومغيبه أكثر مما علينا أن نقوم بها في محياه وحضوره.
وتلك الحقوق علينا له، وإذا فعلناها كانت عبادة منا لله، أجرنا فيها على الله وهي مما يزيده الله بها من فضله من جهة امتثالنا لما أمرنا به، وهو داعينا، وكلما أطعنا كان له مثل أجورنا، ومن جهة ما يصل إليه من الرحمة باستجابة الله دعاء الأمة، مع ما يزيده الله إياه من فضله. وهذه الحقوق الثابتة بعد موته هي تبع لرسالته فإنه هو السفير والواسطة بيننا ولون الله تعالى في تعليمنا وانتفاعنا بما علمنا من علم الله وخبره، وفي أمرنا وإرشادنا إلى ما أمر الله به وأحبه ورضيه وبذلك حصل لمن آمن به واتبعه سعادة الدنيا والآخرة.
بل أعظم نعمة أنعم الله بها على المؤمنين أن أرسله إليهم وأنزل عليه الكتاب، ومنَّ عليهم باتباعه. فليس في الدنيا خير أعظم من هذا١.
وبعد فهذا أنموذج من فهم السلفي لنوع العلاقة التي تربط الأمة بنبيها وهو فهم أوجبته النصوص الشرعية وأكدته وأوا فمحته ورسمته، فليس لنا أن نحيد عنه أو نبدل فيه.
وهو فهم أعطى لكل ذى حق حقه كما أوجب ربنا وشرع في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ فحق الله هو توحيده، تجريد العبادة له ﵎.
وحق الرسول الإيمان به وطاعته ومحبته وتعزيره وتوقيره والصلاة والسلام عليه إلى غير ذلك مما سبق ذكره.
_________________
(١) ١ الرد على البكري (ص ١٠٨- ١١٢) بتصرف يسير.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
وعن هذا التوازن في وضع الأمور في نصابها الذي أوجبه الله تعالى علينا يقول ابن القيم: "والفرق بين تجريد التوحيد وبين هضم أرباب المراتب أن تجريد التوحيد أن لا يعطى الخلوق شيئا من حق الخالق وخصائصه، فلا يعبد، ولا يصلى له، ولا يسجد ولا يحلف باسمه، ولا ينذر له، ولا يتوكل عليه، ولا يؤله ولا يقسم به على الله، ولا يعبد ليقرب إلى الله زلفى، ولا يساوى برب العالمين في قول قائل: ما شاء الله وشئت، وهذا منك ومن الله، وأنا بالله وبك، وأنا متوكل على الله وعليك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، وهذا من صدقاتك وصدقات الله، وأنا تائب إلى الله وإليك، وأنا في حسب الله وحسبك، فيسجد للمخلوق كما يسجد المشركون لشيوخهم يحلق رأسه له، ويحلف باسمه، وينذر له، ويسجد لقبره بعد موته، ويستغيث به في حوائجه ومهماته، ويرضيه بسخط الله، ولا يسخطه في رضا الله، ويتقرب إليه أعظم مما يتقرب إلى الله ويحبه ويخافه ويرجوه أكثر مما يحب الله ويخافه ويرجوه أو يساويه.
فإذا هضم الخلوق خصائص الربوبية، وأنزله منزلة العبد المحض الذي الأ يملك لنفسه فضلًا عن غيره ضرًا ولا نفغا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا لم يكن هذا تنقصًا له ولا حطًا من مرتبته ولو رغم المشركون.
وقد صح عن سيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله" ١.
وقال ﷺ: "لا تتخذوا قبرى عيدا " ٢.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٦٢٦. ٢ تقدم تخريجه ص ٥٨٠.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
وقال ﷺ: "اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد" ١.
وقال ﷺ: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" ٢.
وعن عدى بن حاتم أن رجلًا خطب عند النبي ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ: "بئس الخطيب أنت قل ومن يعص الله ورسوله " ٣.
وقال له رجل: ما شاء الله وشئت. فقال: "أجعلتني لله ندا؟ "٤.
وقال له رجل قد أذنب: الله إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد. فقال: "عرف الحق لأهله"٥.
وقد قال الله له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٦.
وقال: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٥٩١. ٢ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨) . وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب الأدب، باب لا يقال خبئت نفس (٥ ١ ٢٥٩) ح ٤٩٨٠. وأخرجه أبر داود في السنن، كتاب الأدب، باب لا يقال خبثت نفس (٥/٢٥٩) ح ٤٩٨٠. وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، باب النهي أن لا يقال خبثت نفس (٥/٢٥٩) ح ٤٩٨٠. وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، باب النهي أن يقال ما شاء الله وشاء فلان (ص ٥٤٤) ح ٩٨٥. وقال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح. رياض الصالحين (ص ٦١١) . ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطة (٣/١٢-١٣) . ٤ تقدم تخريجه ص ٦٥٥. ٥ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣/ ٤٣٥) . ٦ الآية (١٢٨) من سورة آل عمران. ٧ الآية (١٥٤) من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ١.
وقال: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ٢ أي لن أجد من دونه من ألتجئ إليه وأعتمد عليه. وقال لابنته فاطمه وعمه العباس وعمته صفية٣: "لا أملك لكم من الله شيئا" ٤ وفي لفظ: "لا أغني عنكم من الله شيئا" ٥.
فعظم ذلك على المشركين بشيوخهم وآلهتهم، وأبوا ذلك كله، وادعوا لشيوخهم ومعبوديهم خلاف هذا كله، وزعموا أن من سلبهم ذلك فقد هضمهم مراتبهم وتنقصهم، وقد هضموا جانب الألهية غاية الهضم وتنقصوه فلهم نصيب وافر من قوله تعالى ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ٦ ٧.
_________________
(١) ١ الآية (٤٩) من سورة يونس. ٢ الآيتان (٢١، ٢٢) من سورة الجن. ٣ صفية بنت عبد المطب بن هاشم القرشية الهاشمية عمة رسول الله ﷺ، والدة الزبير بن العوام، وهي شقيقة حمزة، أسلمت وهاجرت مع ولدها الزبير وروت وعاشت إلى خلافة عمر. الإصابة (٤/٣٣٩-٣٤٠) . ٤ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب من انتسب لآبائه في الإسلام والجاهلية. فتح الباري (٦/٥٥١) ح ٣٥٢٧، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأيمان، باب في قوله تعالى ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ (١/١٣٣) . ٥ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب. انظر فتح الباري (٥/٣٨٢) ح ٢٧٥٣، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قوله تعانى ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ (١/١٣٣) . ٦ الآية (٤٥) من سورة النور. ٧ الروح لابن القيم (٢/٧٦٦، ٧٦٧) .
[ ٢ / ٧٠١ ]
وقال أيضا ﵀ في قصيدته النونية المسماة بالكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية:
يامن له عقل ونور قد غدا يمشي به في الناس كل زمان
لكننا قلنا مقالة صارخ في كل وقت بينكم بأذان
الرب رب والرسول فعبده حقا وليس لنا إله ثان
فلذاك لم نعبده مئل عبادة الرحـ ـمن فعل المشرك النصراني
كلا ولم نغلوا الغلو كما نهي عنه الرسول مخافة الكفران
لله حق لا يكون لغيره ولعبده حق هما حقان
لا تجعلوا الحقين حقا واحدا من غير تمييز ولا فرقان
فالحج للرحمن دون رسوله وكذا الصلاة وذبح ذي القربان
وكذا السجود ونذرنا ويميننا وكذا مثاب العبد من عصيان
وكذا التوكل والإنابة والتقى وكذا الرجاء وخشية الرحمن
وكذا العبادة واستعانتنا به إياك نعبد ذاك توحيدان
وعليهما قام الوجود بأسره دنيا وأخرى حبذا الركنان
وكذلك التسبيح والتكبير والتهليل حق آلهنا الديان
لكنما التعزير والتوقير حق للرسول بمقتضى القرآن
والحب والإيمان والتصديق لا يختص بل حقان مشتركان
هذى تفاصيل الحقوق ثلاثة لا تجهلوها يا أولى العدوان
حق الإله عبادة بالأمر لا بهوى النفوس فذاك للشيطان
من غير إشراك به شيئا هما سببا النجاة فحبذا السببان
ورسوله فهو المطاع وقوله المقبول إذ هو صاحب البرهان
[ ٢ / ٧٠٢ ]
والأمر منه الحتم لا تخيير فيه عند ذي عقل وذي إيمان
من قال قولا غيره قمنا على أقواله بالسير والميزان
إن وافقت قول الرسول وحكمه فعلى الرؤوس تشال كالتيجان
أو خالفت هذا رددناها على من قالها من كان من إنسان
أو أشكلت عنا توقفنا ولم نجزم بلا علم ولا برهان
هذا الذي أدى إليه علمنا وبه ندين الله كل أوان
فهو المطاع وأمره العالى على أمر الورى وأمر ذى السلطان
وهم المقدم في محبتنا على الأهلين والأزواج والولدان
وعلى العباد جميعهم حتى على النفس التي قد ضمها الجنبان
ونظير هذا قول أعداء المسيح من النصارى عابدى الصلبان
انا تنقصنا المسيح بقولنا عبد وذلك غاية النقصان
لو قلتم ولد إله خالق وفيتموه حقه بوزان
وكذاك أشباه النصارى مذغلوا في دينهم بالجهل والطغيان
صاروا معادين الرسول ودينه في صورة الأحباب والإخوان
فانظر إلى تبديلهم توحيده بالشرك والإيمان بالكفران
وانظر إلى تجريده التوحيد من أسباب كل الشرك بالرحمن
واجمع مقالتهم وما قد قاله واستدع بالنقاد والوزان
عقل وفطرتك السليمة ثم زن هذا وذا لا تطغ في الميزان
فهناك تعلم أى حزبينا هو المتنقص المنقوص ذو العدوان
رامي البريء بدائه ومصابه فعل المباهت أوقح الحيوان
كمعير للناس بالزغل الذي هو ضربه فاعجب لذا البهتان
[ ٢ / ٧٠٣ ]
يا فرقة التنقيص بل يا أمة الدعوى بلا علم ولا عرفان
والله ما قدمتم يوما مقالته على التقليد للانسان
والله ما قال الشيخ وقال إلا كنتم معهم بلا كتمان
والله أغلاط الشيوخ لديكم عين الصواب ومقتضى البرهان
ولذا قضيتم بالذي حكمت به جهلا على الأخبار والقرآن
والله إنهم لديكم مثل معصوم وهذا غاية الطغيان
تبا لكم ماذا النقص بعد ذا لو تعرفون العدل من نقصان
والله ما يرضيه جعلكم له ترسًا لشرككم وللعدوان
وكذاك جعلكم المشايخ جنة لخلافه يشهده أولو الايمان
والله ما عظمتموه طاعة ومحبة يافرقة العصيان
أني وجهلكم به وبدينه وخلافكم للوحي معلومان
أوصاكم أشياخكم بخلافهم لوفاقه في سالف الأزمان
خالفتم قول الشيوخ وقوله فغدا لكم خلفان متفقان
والله أمركم عجيب معجب ضدان فيكم ليس يتفقان
تقديم آراء الرجال عليه مع هذا الغلو فكيف يجتمعان؟
كفرتم من جرد التوحيد جهلا منكم بحقائق الإيمان
لكن تجردتم لنصر الشرك والبدع المضلة في رضى الشيطان
والله لم نقصد سوى التجريد للتوحـ ـيد ذاك وصية الرحمن
ورضى رسول الله منا لا غلـ ـو الشرك أصل عبادة الأوثان
والله لو يرضى الرسول دعاءنا إياه بادرنا إلى الإذعان
والله لو يرضى الرسول سجودنا كنا مخر له على الأذقان
[ ٢ / ٧٠٤ ]
والله ما يرضيه منا غير إخـ ـلاص وتحكيم لذا القرآن
ولقد نهي ذا الخلق عن إطرائه فعل النصارى عابدي الصلبان
ولقد نهانا أن نصير قبره عيدا حذار الشرك بالرحمن
ودعا بأن لا يجعل القبر الذي قد ضمه وثنا من الأوثان
فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصيان
ولقد غدا عند الوفاة مصرحا باللعن يصرخ فيهم بأذان
وعني الألى جعلوا القبور مساجدا وهم اليهود وعابدوا للصلبان
والله لولا ذاك أبرز قبره لكنهم حجبوه بالحيطان
قصدوا إلى تسنيم حجرته ليمتنـ ـع السجود له على الأذقان
قصدوا موافقة الرسول وقصده التجريد للتوحيد للرحمن١.
_________________
(١) ١ انظر: توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شر تصيدة ابن القيم (٢/٣٤٦-٣٥٤) .
[ ٢ / ٧٠٥ ]