تمهيد:
إن من الأهمية بمكان- قبل الشروع في توضيح الحق الواجب للنبي ﷺ في شأن تعظيمه وتوقيره- عقد هذا الفصل في بيان عظيم قدره ﷺ ورفعة مكانته عند ربه ﷿ وذلك لاستعراض- جملة طيبة من المكارم والخصائص التي امتن الله بها على عبده ورسوله محمد ﷺ، والتي تدلل على تشريف الله ﷿ وتكريمه لنبيه ﷺ، وتظهر تفضيل الله له على العالمين من الجن والناس أجمعين، بل والملائكة المقربين.
فلابد لكل مسلم صادق في إسلامه من أن يتعرف على تلك الخصائص والفضائل، إذ إن هذه المعرفه تنير القلوب وتبصرها وتزيدها إيمانا وحبا وتعظيما للنبي المصطفي ﷺ.
ولهذه الزيادة- بلا شك- ثمرتها في شحذ الهمم ودفعها لاتباعه والإقتداء به والسير على نهجه والتمسك بسنته واقتفاء أثره، ولزوم هديه.
والمتأمل في آيات الكتاب العزيز ونصوص السنة النبوية الصحيحة يجد الكثير من الأدلة التي تبين مكانة النبي الكريم ﷺ وعظم قدره عند ربه ﷿، فقد حباه الله وامتن عليه وأكرمه بخصائص في الدنيا والآخرة دلت على علو قدره، ورفعة مكانته، وسمو منزلته عند الخالق ﵎.
فقد قال تعالى في محكم التنزيل ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ ١ ففي هذه الآية يمتن الله على نبيه ﷺ بما أسبغ عليه من الفضائل التي هي المناقب والمراتب
_________________
(١) ١ الآية (١١٣) من سورة النساء.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
التي أعطاه الله إياها وميزه بها عن بقية أنبيائه ورسله وسائر خلقه.
فالله سبحانه فضل بعض الرسل على بعض فقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ ١.
فكان لنبينا محمد ﷺ النصيب الأوفر من هذا الفضل فقد خصه الله وميزه بخصائص ومناقب دنيوية وأخروية فضل بها على سائر الأنبياء ومن سواهم من البشر. وسأتعرض لبعض هذه الخصائص على وجه الاختصار وذلك حتى يتبين للقارئ عظم قدره ﷺ عند ربه ﷿.
_________________
(١) ١ الآية (٢٥٣) من سورة البقرة.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
المبحث الأول: بيان بعض الخصائص التي خص الله، بها نبيه ﷺ في الحياة الدنيا
أ- أخذ العهد له ﷺ على جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
من الأمور التي تدل على عظيم قدره ﷺ عند ربه ما أخذه الله من العهد له ﷺ على جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام على أنهه لو بعث ﷺ وهم أحياء أو أحد منهم فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به ويتبعوه وينصروه. قال تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ١
وقد روي عن علي بن أبي طالب وابن-عباس ﵄ في تفسير هذه الآية قولهما: "ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمدا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه"٢.
فهو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد لكان هو الواجب الطاعة المقدم على الأنبياء كلهم، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس٣.
ولهذا فقد كان عند أهل الكتاب علم تام به ﷺ وبمبعثه ومكان بعثته
_________________
(١) ١ الآية (٨١) من سورة آل عمران. ٢ أخرجهما ابن جرير في تفسيره (٣/ ٣٣٢) وأوردهما ابن كثير في تفسيره (١/ ٣٧٨) . ٣ تفسير ابن كثير (١/ ٣٧٨) .
[ ٢ / ٣٩٥ ]
ومهاجره، كما ورد وصفه في كتبهم حتى إنهم ليعرفونه كما يعرفون أبناءهم قال تعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١
وقال تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ﴾ ٢
وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ حينما سئل عن وصف النبي ﷺ قال: "أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، فأنت ت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى، يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله فيفتح، به أعينا عميا، وآذانا صما وقلوبا غلفا "٣
٢- أنه ﷺ أكثر الأنبياء تبعا.
فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" ٤.
_________________
(١) ١ الآية (١٤٦) من سورة البقرة. ٢ الآية (١٥٧) من سورة الأعراف. ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب كراهية السخب في الأسواق. انظر: فتح الباري (٤/ ٣٤٢) ح ٢١٢٥ ٤ تقدم تخريجه ص ٧٤
[ ٢ / ٣٩٦ ]
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة" ١.
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت، وإن من الأنبياء نبيا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد" ٢.
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "عرضت علي الأم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فطنت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى ﷺ وقومه، ولكن أنظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عذاب " الحديث٣.
وفي هذا الأمر فضل عظيم وخصيصة كبيرة لنبينا محمد ﷺ فالله تعالى يكتب لكل نبي من الأنبياء من الأجر بقدر أعمال أمته وأحوالها وأقوالها فقد قال ﷺ: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا " الحديث٤.
فما من معرفة ولا حالة ولا عبادة ولا مقالة ولا شيء مما يتقرب به إلى الله عز
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأيمان، باب قول النبي ﷺ: "أنا أول الناس يشفع في الجنة" ١/١٣٠ ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قول النبي ﷺ: "أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا" (/١٣٠) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره فتح الباري (١٠/ ١٥٥) ح ٥٧٠٥، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب (١/ ١٣٨) . ٤ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة. انظر (٨/٦٢)
[ ٢ / ٣٩٧ ]
وجل مما دل عليه رسول الله ﷺ ودعا إليه إلا وله أجر من عمل به إلى يوم القيامة، ولا يبلغ أحد من الأنبياء إلى هذه المرتبة ذلك لأن النبي ﷺ قد نفع شطر أهل الجتة فقد ثبت في الحديث أن أمته شطر أهل الجنة قال ﷺ: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة" الحديث١.
فإذا كان ﷺ قد نفع شطر أهل الجنة، وغيره من الأنبياء إنما نفع جزءا من أجزاء الشطر، كانت منزلته في القرب على قدر منزلته في النفع، فما من عارف من أمته إلا وله مثل أجر معرفته مضافا إلى معارفه ﷺ، وما من ذي حال من أمته إلا وله ﷺ مثل أجره على- حاله مضموما إلى أحواله ﷺ، وما من ذى مقال يتقرب به إلى الله ﷿ إلا وله ﷺ مثل أجر ذلك القول مضموما إلى مقالته وتبليغ رسالته، وما من عمل من الأعمال المقربة إلى الله ﷿ من صلاة وزكاة وعتق وجهاد وبر ومعروف وذكر وصبر وعفو وصفح إلا وله ﷺ مثل أجر عامله مضموما إلى أجره على أعماله، وما من درجة علية، ومرتبة سنية، نالها أحد من أمته بإرشاده ودلالته إلا وله مئل أجرها مضموما إلى درجته ﷺ مرتبته، ويتضاعف ذلك بأن من دعا من أمته إلى هدى أو سن سنة حسنة كان له أجر من عمل بذلك على عدد العاملين، ثم يكون هذا المضاعف لنبينا ﷺ لأنه دل عليه، وأرشد إليه.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب الحشر. فتح الباري (١١/ ٣٧٨) ح ٦٥٢٨، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة (١/١٣٨-١٣٩)
[ ٢ / ٣٩٨ ]
ولأجل هذا بكى موسى ﵇ ليلة الإسراء بكاء غبطة غبط بها النبي ﷺ إذ يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمة موسى ﵇، ولم يبك حسدا كما يتوهمه بعض الجهال، وانما بكا أسفا على ما فاته من مثل مرتبته١.
ففي قصة المعراج من حديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعا وفيه " ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فلما خلصت فإذا موسى، قال (جبريل) هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى.
قيل له: ما يبكيك؟ قال أبكى لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي " الحديث٢.
٣- أن قرنه ﷺ خير قرون بني آدم كما أنه خير قرون أمته والقرون التي تلي قرنه ﷺ.
فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت منه" ٣.
وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " الحديث٤.
وعن عائشة ﵂ قالت: سأل رجل النبي ﷺ أي الناس خير قال
_________________
(١) ١ بداية السول في تفضيل الرسول (ص ٤٤، ٤٦) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، انظر: فنح الباري (٧/ ٢٠١- ٢٠٢) . وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السموات وفرض الصلوات ١١/ ١٠٤) ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب صفة النبي ﷺ. انظر: فتح الباري (٦/ ٥٦٦) ح ٣٥٥٧ ٤ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد. انظر: فتح الباري (٦/ ٢٥٩) ح ٢٦٥٢، وأخرجه مسلم في صحيحه، كثاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٧/ ١٨٤) .
[ ٢ / ٣٩٩ ]
: "القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث"١
والأحاديث في هذا الأمر كئيرة:
٤- أن الله تعالى أخبره بأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهو حي صحيح يمشي على الأرض. قال الله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ ٢
وفي حديث أبي هريرة ﵁- الذي في الشفاعة- وفيه قوله ﷺ: " فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك " ٣.
وفي حديث أنس ﵁- الذي في الشفاعة أيضا وفيه قوله ﷺ: "ولكن ائتوا محمدا عبدا قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر " ٤.
قال العز بن عبد السلام٥: "ولم ينقل أنه أخبر أحدا من الأنبياء بمثل ذلك
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٧/ ١٨٦) ٢ الآيات (١، ٢، ٣) من سورة الفتح. ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قول الله ﷿: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ . انظر: فتح الباري (٨/ ٣٩٥) ح ٤٧١٢، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة (١/ ١٢٧، ١٢٨) . ٤ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة (١/١٣٣-١٣٤) . ٥ عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي الملقب بسلطان العلماء فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد وله مؤلفات توفي سنة ٦٦٠هـ. الأعلام (٤/٢١) .
[ ٢ / ٤٠٠ ]
بل الظاهر أنه لم يخبرهم، لأن كل واحد. منهم إذا طلبت منهم الشفاعة في الموقف ذكر خطيئته التي أصابها وقال: "نفسي نفسي" ولو علم كل واحد منهم بغفران خطيئته لم يوجل منها في ذلك المقام واذا استشفعت الحلائق بالنبي صلىالله عليه وسلم في ذلك المقام قال: "أنا لها"١.
٥- أن الله رفع له ذكره،
قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ٢ فلا يذكر الله سبحانه إلا ذكر معه، ولا تصح للأمة خطبة ولا تشهد حتى يشهدوا أنه عبده ورسوله، وأوجب ذكره في كل خطبة، وفي الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام وفي الأذان الذي هو شعار الإسلام وفي الصلاة التي هي عماد الدين إلى غير ذلك من المواضع.
٦- أن الله أقسم بحياته ﷺ
فقال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ٣ والإقسام بحياة المقسم بحياته يدل على شرف حياته وعزتها عند المقسم بها، وأن حياته ﷺ لجديرة أن يقسم بها لما فيها من البركة العامة والخاصة ولم يثبت هذا لغيره صلى الله عليه وسلم٤.
٧- أن الله وقره في ندائه، فناداه بأحب أسمائه وأسنى أوصافه
فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيّ ﴾ ٥ و﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ٦ وهذه الخصيصة لم تثبت لغيره، بل ثبت أن كلا منهم نودي باسمه فقال تعالى:
_________________
(١) ١ بداية السول (ص ٣٥- ٣٦) . ٢ الآية (٤) من سورة الشرح. ٣ الآية ٧٢١) من سورة الحجر. ٤ بداية السرل (ص ٣٧) . ٥ الآيات (٦٤، ٦٥، ٧٠) من سورة الأنفال ومواضع أخرى. ٦ الآية (٤١، ٦٧) من سورة المائدة
[ ٢ / ٤٠١ ]
﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ﴾ ١ ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ ٢ ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ ٣ ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ﴾ ٤ ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ ٥ ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ ٦ ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ ٧ ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ ٨ ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ ٩.
ولا يخفي على أحد أن السيد إذا دعي أحد عبيده بأفضل ما وجد فيه من الأوصاف العلية والأخلاق السنية، ودعا الآخرين بأسمائهم الأعلام التي لا تشعر بوصف من الأوصاف ولا بخلق من الأخلاق، دل ذلك على أن منزلة من دعاه بأفضل الأسماء والأوصاف أعز عليه وأقرب إليه ممن دعاه باسمه العلم. وهذا معلوم بالعرف أن من دعي بأفضل أوصافه وأخلاقه كان ذلك مبالغة في تعظيمه واحترامه "١٠
٨- أن الله أمر الأمة بأن لا ينادونه باسمه بل ينادونه: يارسول الله يا نبي الله
فقال الله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ
_________________
(١) ١ الآية (٣٥) من سورة البقرة. ٢ الآية (١١٠) من سورة المائدة ٣ الآية (٣٠) من سورة القصص ٤ الآية (٤٨) من سورة هود. ٥ الآية (٢٦) من سورة ص. ٦ الآية (١٠٥) من سورة الصافات ٧ الآية (٨١) من سورة هود. ٨ الآية (٧) من سورة مريم. ٩الآية (١٢) من سورة مريم. ١٠ (١٠) غاية السول (ص ٣٨) .
[ ٢ / ٤٠٢ ]
تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١
قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير٢ عند تفسيرها، كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم؟ فنهاهم الله ﷿ عن ذلك إعظاما لنبيه ﷺ، وأمرهم أن يقولوا يا نبي الله يارسول الله"٣.
٩- أن الله نهي الأمة أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته ﷺ ولا يجهروا له بالقول - كما هو الحال بين الناس- حتى لا تحبط أعمالهم فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٤ الآيات.
فعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس٥ فقال رجل يارسول الله أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه فقال له ما شأنك؟ فقال: شر. كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ فقد حبط عمله وهو من أهل النار. فأتى الرجل، النبي ﷺ فأخبره أنه قال كذا وكذا فقال موسى٦: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب
_________________
(١) ١ الآية (٦٣) من سورة النور. ٢ سعيد بن جبير الأسدي، بالولاء، الكوفي، تابعي، أخذ العلم من ابن عباس وابن عمر، ثقة، ثبت، فقيه، إمام حجة، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين. تهذيب التهذيب (٤/ ١١- ١٤) ٣ تفسير ابن كثير (٣/ ٣٠٦) . ٤ الآية (٢) من سورة الحجرات. ٥ هو ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي،، خطيب الأنصار شهد له النبي ﷺ بالجنة، شهد أحدا وما بعدها، قتل يوم اليمامة. الإصابة (١/ ١٩٧) . ٦ موسى بن أنس بن مالك الأنصاري، قاضي البصرة.، تابعي، ثقة قليل الحديث.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
إليه فقل له: إنك ليست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة"١.
وقال ابن الزبير٢: "ما كان عمر بن الخطاب ﵁ يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه"٣
١٠- أن الله أمر الأمة بأنهم إذا أرادوا أن يناجوه ﷺ بأن يقدموا بين يدى نجواهم صدقة، ثم نسخ ذلك، وأمرهم بالطاعة فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٤
١١- ما وهبه الله له من المعجزات التي تميزت، على معجزات من قبله من الأنبياء.
فمعجزة سيد الأولين والآخرين وهي القرآن العظيم الباقي إلى يوم الدين، الذي لا تنضب معانيه، ولا تفنى عجائبه، ولا تنقطع فوائده، وهو المحفوظ بحفظ الله له- من التغيير والتبديل والتحريف- فيه دواء وشفاء، ومواعظ وأحكام، فيه خبر من سبقنا، وأحوال من بعدنا، وهو حبل الله المتين، من
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التفسير، باب "لا ترفعوا أصواتهم فوق صوت النبي". انظر فتح الباري (٨/ ٥٩٠) ٤٨٤٦ ٢ هو عبد الله بن الزبير بن العوام، ولد عام الهجرة، وحنكه النبي ﷺ ودعا له، وكان أول مولود في الإسلام بالمدينة وكان شهما فصيحا، رقد بويع له بالخلافة بعد موت-يزيد بن معاوية فبقى ثمان سنوات حتى قتل في أيام عبد الملك سنة ثلاث وسبعين للهجرة. الإصابة (٢/ ٣٠١-- ٣٠٣) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسبر، باب "لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي". فتح الباري (٨/ ٥٩٠) ح ٤٨٤٥ ٤ الآيتان (١٢، ١٣) من سورة المجادلة.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
آمن به واتبعه رشد ومن تركه وضل عنه غوى وهلك، وخاب وخسر. فهو المعجزة الخالده الباقية ما بقى الإنسان في هذه الدنيا، بينما تصرمت وانقرضت معجزات من قبله من الأنبياء.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من نبي إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" ١.
وكذلك فقد وجد في معجزاته ما هو أظهر في الإعجاز من معجزات غيره كتفجير الماء بين أصابعه٢ فهو أبلغ في خرق العادة من تفجيره من الحجر، لأن جنس الأحجار مما يتفجر منه الماء، وكانت معجزته بانفجار الماء من بين أصابعه أبلغ من انفجار الحجر لموسى عليه السلام٣.
وعيسى ﵇ أبرأ الأكمه مع بقاء عينه في مقرها ورسول الله صلى الله عيه وسلم رد العين بعد أن سالت على الخد ففيه معجزة من وجهين:
إحداهما: التئامها بعد سيلانها والأخرى: رد البصر إليها بعد فقده منها٤. فعن عاصم بن عمر بن قتادة٥ عن أبيه٦ عن جده قتادة٧ أنه أصيبت عينه يوم
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٧٤ ٢ تقدم تخريجه ص ٨٠. ٣ بداية السول في تفضيل الرسول (ص ٤١) . ٤ المصدر السابق (ص ٤١- ٤٢) ٥ عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري، تابعي ثقة، كثير الحديث، وكان له علم بالمغازي والسيرة، توفي سنة عشرين ومائة تهذيب التهذيب (٥/ ٥٣- ٣٤) . ٦ عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري، روى عن أبيه وله صحبة تهذيب التهذيب (٧/٤٨٩) ٧ قتادة بن النعمان بن زيد الأوسي ثم الظفري الأنصاري، صحابي جليل شهد بدرا وما بعدها ومات في خلافة عمر فصلى عليه ونزل في قبره وعاش خمسا وستين سنة. الإصابة ٣١/ ٢١٧- ٢١٨) .
[ ٢ / ٤٠٥ ]
أحد فسالت حدقته على وجنته فأرادوا أن يقطعوها، فسألوا النبي ﷺ فقال: "لا فدعا به فغمز عينه براحته فكان لا يدرى أي عينيه أصيبت" ١ (١) .
والأمثلة في هذا الباب كثيرة وقد تطرق إليها من كتب في الدلائل والخصائص٢.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا ﷺ" ٣
وقال السيوطي: "قال العلماء ما أوتى نبي معجزة ولا فضيلة إلا ولنبينا ﷺ نظيرها أو أعظم منها"٤.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو نعيم في دلائل النبرة (ص ٤١٨) وأخرجه البيهقي في دلائل النبرة أيضا (٣/ ٢٥١- ٢٥٢) . وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٩٧، ٢٩٨) وعزاه لأبى يعلى وقال في إسناده يحى بن عبد الحميد الحماني وهو ضعيف وقال الألباني في حاشية كتاب بداية السول (ص ٤٢) ولكنه عند أبي نعيم من طريقين آخرين فهو يتقوى بهما". والحديث أورده ابن كثير في البداية (٤/ ٣٣، ٣٤) . والسيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ٣٥٩) وعزاه لابن سعد والبيهقي وأبي نعيم. ٢ انظر: دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني (ص ٥١٢- ٥٥٠) ودلائل النبوة للبيهقي الجزء السادس، والخصائص الكبرى للسيوطي (٢/ ٣٠٤- ٣١٤) . ٣ آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (ص ٨٣) . ٤ الخصائص الكبرى (٢/ ٣٠٤) .
[ ٢ / ٤٠٦ ]