تمهيد:
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٦.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلاَّ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ٧.
برغم هذه الآيات البينات والبراهين الواضحات التي تبين وتفصل بين ما هو
_________________
(١) ١ الآية (٤٠) من سورة الرعد. ٢ الآية (٩) من سورة الأحقاف. ٣ الآية (١١٠) من سورة الكهف. ٤ الآية (١٢٨) من سورة آل عمران. ٥ الآية (٣١) من سورة هود. ٦ الآية (١٨٨) من سورة الأعراف. ٧ الآيات (٢٠- ٢٣) من سورة الجن.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
حق للرسول وما ليس له بحق، وما يملكه الرسول وما لا يملكه وأمثالها في القرآن الكريم كثير جدا.
يأبى أناس إلا معصية الله ورسوله ومخالفة ما جاءت به النصوص؛ إتباعا لأهوائهم وسلوكا لسبيل الشيطان، فقد غلوا في حق النبي ﷺ وتنوع غلوهم وتفاوت حتى وصل في كثير من أنواعه إلى درجة الإشراك بالله تعالى.
وسأذكر في هذا الفصل نماذج من هذا الغلو الحاصل مع الإشارة إلى وجه مخالفتها للنصوص الشرعية والرد عليها.
[ ٢ / ٧١٠ ]
المبحث الأول: نماذج من الغلو الحاصل في شأن النبي ﷺ
أ- ما يسمى بـ (الحقيقة المحمدية):
وهي أسطورة من أساطير الصوفية، نسجها خيالهم المريض، وأوهامهم الفاسدة، فهي كذبة ليس لها رصيد من الواقع، بل هي مناقضة تمامًا لما أخبر به الله تعالى وقرره في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ. أما عن فحوى هذه الأسطورة فيقول قائلهم:"اعلم أنه لما تعلقت إرادة الحق تعالى بإيجاد خلقه أبرز الحقيقة المحمدية من أنواره ثم سلخ منها العوالم كلها علوها وسفلها ثم انبخست منه ﷺ عيون الأرواح فهو الجنس العالي على جميع الأجناس والأب الأكبر لجميع الموجودات"١.
ويقول آخر: "اعلم أن أنوار المكونات كلها من عرش وفرش وسماوات وأراضين وجنات وحجبا وما فوقها وما تحتها إذا اجتمعت كلها وجدت بعضا من نور النبي، وأن مجموع نوره لو وضع على العرش لذاب، ولو وضع على الحجب السبعين التي فوق العرش لتهافتت، ولو جمعت المخلوقات كلها ووضع ذلك النور العظيم عليها لتهافتت وتساقطت"٢.
وفي هذا يقول شاعرهم:
أنشاك نورا ساطعا قبل الورى فردا لفرد، والبرية في عدم
ثم استمد جميع مخلوقاته من نورك السامي، فيا عظم الكرم
_________________
(١) ١ الأنوار المحمدية (ص ٩) . ٢ هذه هي الصوفية (ص ٨٧) .
[ ٢ / ٧١١ ]
فلذا إليك الخلق تفزع كلهم في هذه الدنيا، وفي اليوم الأهم
وإذا دعتهم كربة فرجتها حتى سوى العقلاء في ذاك انتظم١
وهذا الزعم الباطل تضمن ثلاث دعاوى كلها كذب وافتراء.
الدعوى الأولى: دعوى أن النبي ﷺ خلق من نور رب العالمين.
الدعوى الثانية: أنه وجد قبل خلق آدم.
الدعوى الثالثة: أن الأشياء خلقت منه.
وكل دعوى من هذه الدعاوى هي أكذب من أختها، وقد قال بها جميعًا بعض الغلاة المنتسبين إلى الإسلام مضاهاة لقول النصارى في عيسى، ويروون في ذلك أحاديث، وكلها كذب، فمن هؤلاء الغلاة من يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال إني كلى بشر فقد كفر، ومن قال لست ببشر فقد كفر" وهذا الحديث كذب باتفاق أهل العلم بالحديث٢.
ومنهم من يروى عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء؟ قال: يا جابر إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ولا إنسي، فلما أراد أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق
_________________
(١) ١ الأبيات لأحمد بن عبد المنعم الحلواني من قصيدته المستجيرة (نقلا عن كتاب هذه الصوفية) (ص ٨٧) . ٢ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٢/ ٢٠٠- ٢٠١) بتصرف.
[ ٢ / ٧١٢ ]
من الجزء الأول حملة العرش، ومن الثاني الكرسي ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السموات، ومن الثاني الأراضين ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربع أجزاء فخلق من الأول أبصار المؤمنين ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله تعالى ومن الثالث نور أنسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله"١.
وهذا الحديث باطل قال عنه السيوطي: "ليس له إسناد يعتمد عليه"٢.
ولا يخفي على من له أدني معرفة بنصوص القرآن والسنة ما في هذا الخبر المكذوب من المخالفات والمغالطات، ولا يشك طالب علم في وضعه واختلاقه. وكذلك مما يرونه "كنت نبيًا ولا آدم ولا ماء ولا طين".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا مما لا أصل له لا من نقل ولا من عقل فإن أحدًا من المحدثين لم يذكره، ومعناه باطل فإن آدم لم يكن بين الماء والطين قط فإن الطين ماء وتراب، وإنما كان بين الروح والجسد.
ثم هؤلاء الضلال يتوهمون أن النبي ﷺ كان حينئذ موجودا وأن ذاته خلقت قبل الذوات، ويستشهدون على ذلك بأحاديث مفتراة مثل حديث فيه "أنه كان نورًا حول العرش، فقال: يا جبريل أنا كنت ذلك النور"٣.
ومن العجيب أن كثيرا من الناس صاروا يتناقلون مثل هذه الأخبار المفتراة حتى أصبحت عندهم عقيدة راسخة في قلوبهم.
ومما يبين كذب هذه الدعاوى ويظهر زيفها مخالفتها لنصوص الكتاب
_________________
(١) ١ الأنوار المحمدية (ص ١٣) . ٢ الحاوي للفتاوى (١/ ٣٢٥) . ٣ الرد على البكري (ص ٨- ٩) .
[ ٢ / ٧١٣ ]
والسنة.
فقد أخبرنا ﷿ عن أصل ما خلق منه الإنس والجن فقال تعالى ﴿خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ ١.
والنبي ﷺ بشر خلق مما خلق منه باقي البشر فلا ميزة له في هذا الشأن عن باقي البشر قال تعالى ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٢ وقال تعالى ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٣.
والآيات في هذا الشأن، وفي شأن خلق السموات والأرض وكذا الأحاديث الثابتة كثيرة وكلها تخالف هذا الخبر المذكور وتبين زيفه وبطلانه٤.
ب- دعوى أن الدنيا خلقت من أجل النبي ﷺ:
وفي هذا يقول قائلهم
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم٥
وقول الآخر ممن هو من نقطة وشكله
لولاه ما خلقت شمس ولا قمر ولا نجوم ولا لوح ولا قلم٦
ويستند هؤلاء على أحاديث موضوعة وأخبار مكذوبة منها حدثا "لولاك
_________________
(١) ١ الآيتان (١٤- ١٥) من سورة الرحمن. ٢ الآية (٩٣) من سورة الإسراء. ٣ الآية (٩) من سورة الأحقاف. ٤ انظر في هذا الشأن رسالة تنبيه الحذاق على بطلان ما شاع بين الأنام من حديث النور المنسوب لمصنف عبد الرزاق. ٥ ديوان البوصيري (ص ٢٤٠) . تنبيه الحذاق (ص ٢٧) . ٦ تنبيه الحذاق (ص ٢٧) .
[ ٢ / ٧١٤ ]
ما خلقت الأفلاك" وهو موضوع١.
وعن ابن عباس ﵄ قال: أوحى الله إلى عيسى يا عيسى آمن بمحمد وأمر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت آدم ولولا محمد ما خلقت جنة ولا نار "٢.
وهذه الأحاديث الموضوعة وأمثالها لا يمكن أن يعول عليها في إثبات أمر شرعي كهذا.
أضف إلى ذلك مخالفتها للشرع فالذي تدل عليه النصوص الشرعية أن الله ﷿ إنما خلق الجن والإنس لغاية ذكرها في القرآن الكريم حيث قال ﷿ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٣.
قال ابن كثير: "ومعني الآية أنه ﵎ خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء ومن عصاه عذبه أشد العذاب"٤. وقال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ
_________________
(١) ١ قاله الصغاني في الأحاديث الموضوعة (ص ٧)، وانظر الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني (ص ٣٢٦) وسلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني رقم ٢٨٢. ٢ لا أصل له مرفوعًا إنما أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦١٤، ٦١٥) من طريق عمرو بن أوس الأنصاري ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال: فذكره موقوفا وقال: "صحيح الإسناد" وتعقبه الذهبي بقوله "أظنه موضوعًا على سعيد". وقد قال الذهبي في الميزان (٣/ ٢٤٦) عند ترجمته لعمرو بن أوس الذي روى هذا الحديث عن سعيد ما نصه: "عمرو بن أوس يجهل حاله أتى بخبر منكر، أخرجه الحاكم في مستدركه، وأظنه موضوعًا من طريق جندل بن والق" ثم ذكر نص هذا الحديث. ووافقه ابن حجر في اللسان (٤/ ٣٥٤) . ٣ الآية (٥٦) من سورة الذاريات. ٤ تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣٨) .
[ ٢ / ٧١٥ ]
عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ١.
وقال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٢.
وقال تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٣.
فصرح جل وعلا في هذه الآيات المذكورة بأن حكمة خلقه للخلق هي اختبارهم وابتلاؤهم ليجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
فهذه هي الحكمة من خلقهم أولًا وبعثهم ثانيًا٤.
والنصوص من آيات وأحاديث كلها تؤكد هذا الأمر وتدل عليه، وفي الوقت نفسه تبطل ما زعمه الغلاة من أن الغاية من خلق الخلق هي من أجل محمد ﷺ.
فهذه الدعاوى يعرف بطلانها من له أدني بصيرة في نصوص الشرع والنبي ﷺ قد أعطاه الله خصائص وفضائل كثيرة تدل على فضله ومكانته، فليس هو بحاجة إلى أن ترفع مكانته ويبين شرفة بمثل هذه الأخبار الباطلة الموضوعة.
ج- دعوى الغلاة: جواز صرف بعض جوانب العبادة له ﷺ:
وقد تفنن الغلاة في هذا
"فمن قائل يقول إنه يستغاث به في كل يستغاث فيه بالخالق بمعني أنه يطلب منه كما يطلب من الخالق.
فهؤلاء جعلوا الرسول ﷺ يطلب منه الناس ما يطلبونه من الله تعالى.
فآذوا الرسول وأساؤا في حقه إذ سألوه ما لا يقدر عليه مخلوق وسووه برب
_________________
(١) ١ الآية (٧) من سورة هود. ٢ الآية (٢) من سورة الملك. ٣ الآية (٧) من سورة الكهف. ٤ انظر أضواء البيان (٧/ ٦٧٣- ٦٧٧) .
[ ٢ / ٧١٦ ]
العالمين وسلطوا عليه العامة، فهذا يطلب منه إنزال المطر، وهذا يطلب منه غفران الذنوب، وهذا يطب منه النصر على الأعداء، وهذا يطلب منه أن يتزوج، وهذا يطلب منه الولد.
وهذا يطلب منه المعيشة وهذا يطلب منه الملك، وهذا يطلب منه الولاية، وهذا يطلب منه قضاء دينه، وهذا يطلب منه شفاء مريضه إلى غير ذلك من الأمور فنزلوا المخلوق منزلة الإله وطلبوا منه من جلب المنافع ودفع المضار ما لا يقدر عليه إلا الله"١.
ومن نظم بعضهم في هذا قوله:
يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تجلى باسم منتقم
فإن لي ذمة منه بتسميتي محمدًا وهو أوفى الخلق بالذم
إن لم يكن في معادى آخذا بيدي فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم ٢
فنفى أن يكون له ملاذ إذا حلت به الحوادث، إلا النبي ﷺ وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا إياه ﷾.
ودعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله، وذلك الشرك في الإلهية٣.
ومن شعر بعضهم قوله:
ماذا تعامل يا شمس النبوة من أضحى إليك من الأشواق في كبدي
_________________
(١) ١ الرد على البكري (ص ٣٣٥، ٣٣٦) بتصرف. ٢ ديوان البوصيري (ص ٢٤٨) . ٣ تيسير العزيز الحميد (ص ١٨٧) .
[ ٢ / ٧١٧ ]
فامنع جناب صريع لا صريخ له نائي المزار غريب الدار مبتعدي
حليف ودك واه الصبر منتظر لغارة منك يا ركني ويا عضدي
أسير ذنبي وزلاتي ولا عمل أرجو النجاة به إن أما لم تجد
وجرى في شركه والى أن قال:
وحل عقدة كربي يا محمد من هم على خطرات القلب مطرد
أرجوك في سكرات الموت تشهدني كيما يهون إذ الأنفاس في صعد
وإن نزلت ضريحا لا أنيس به فكن أنيس وحيد فيه منفرد
وارحم مؤلفها عبد الرحيم ومن يليه من أجله وانعشه وافتقد
وإن دعا فأجبه واحم جانبه من حاسد شامت أو ظالم نكد
وقوله من أخرى:
يا رسول الله يا ذا الفضل يا بهجة الحشر جاها ومقاما
عد على عبد الرحيم الملتجى بحمى عزك يا غوث اليتامى
وأقلني عثرتي يا سيدي في اكتساب الذنب في خمسين عاما
وقوله:
يا سيدي يا رسول الله يا أملي ويا موئلي يا ملاذي يوم يلقاني
هبني بجاهك ما قدت من زلل جودا أو رجح بفضل منك ميزاني
واسمع دعائي واكشف ما يساورني من الخطوب ونفسه كل أحزاني
فأنت أقرب من ترجى عواطفه عندي وإن بعدت دارى وأوطاني
إني دعوتك من نيابتي برع وأنت اسمع من يدعوه ذو شأن
فامنع جنابي وأكرمني وصل نسبى برحمة وكرامات وغفران
لقد أنسانا هذا ما قبله، وهذا بعينه هو الذي ادعته النصارى في عيسى
[ ٢ / ٧١٨ ]
﵇، إلا أن أولئك أطلقوا عليه اسم الإله، وهذا لم يطقه ولكن أتى بلباب دعواهم وخلاصتها، وترك الاسم، إذ في الاسم نوع تمييز، فرأى الشيطان أن الإتيان بالمعني دون الاسم أقرب إلى ترويج الباطل، وقبوله عند ذوى العقول السخيفة، إذ كان من المتقرر عند الأمة المحمدية أن دعوى النصارى في عيسى ﵇ كفر، فلو أتاهم بدعوى النصارى اسما ومعنى لردوه وأنكروه، فأخذ المعنى وأعطاه البرعى وإضرابه، وترك الاسم للنصارى وإلا فما ندرى ماذا أبقى هذا المتكلم الخبيث للخالق تعالى وتقدس من سؤال مطلب أو تحصيل مأرب، فالله المستعان١.
ويقول صاحب المواهب اللدنية: وينبغي للزائر -لقبره- أن يكثر من الدعاء والتضرع والاستغاثة والتشفع والتوسل والتوجه به لا فجدير بمن استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه فإن كلا من الاستغاثة والتوسل والتشفع والتوجه للنبي ﷺ واقع في كل حال كل خلقه وبعده في مدة حياته في الدنيا وبعد موته في مدة البرزخ وبعد البعث في عرصات القيامة٢.
ومن هؤلاء من يرى أن زيارة قبر النبي ﷺ أفضل من الحج إلى الكعبة وأن دعاء النبي ﷺ والاستغاثة به أفضل من الاستغاثة بالله تعالى ودعائه٣.
ومنهم من يظن أن الرسول يعلم ذنوبه وحوائجه وإن لم يذكرها وأنه يقدر على غفرانها وقضاء حوائجه ويقدر على ما يقدر عليه الله ويعلم ما يعلمه الله"٤.
_________________
(١) ١ تيسير العزيز الحميد (١٨٩، ١٩٠) . ٢ انظر الأنوار المحمدية (ص ٦٠٤) . ٣ الرد على البكري (ص ٣٤٩) . ٤ الرد على البكري (ص ٣٠) .
[ ٢ / ٧١٩ ]
ومنهم من يقول "إن النبي ﷺ لا يخلو منه زمان ولا مكان" يريدون بذلك أنه ما من زمان إلا وهو فيه موجود، ولا من مكان إلا هو فيه موجود١.
ومنهم من يقول: "إنه يحضر في كل مجلس أو مكان أراد بجسده وروحه وأنه يتصرف حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته"٢.
ومنهم من يقول في قوله تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٣.
يقول: إن الرسول هو الذي يصبح بكرة وأصيلا.
ومنهم من يقول: اسقط الربوبية وقل في الرسول ما شئت.
دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
فإن فضل رسول الله ليس له حد فيعرب عنه ناطق بفم
لو ناسبت قدره آياته عظما أحيا اسمه حين يدعى دارس الرم٤.
ومنهم من يقول نحن نعبد لله ورسوله فيجعلون الرسول معبودا٥.
بل لم يكتف غلاة الصوفية بهذا القدر حتى اعتقدوا أنه هو الله سبحانه ذاتًا وصفة٦.
_________________
(١) ١ غاية الأماني (١/ ٤٨) . ٢ هذه هي الصوفية (ص ٨١) . ٣ الآيتان (٨، ٩) من سورة الفتح. ٤ ديوان البوصيري (ص ٢٤١) . ٥ الرد على البكري (ص ٢١٩) . ٦ هذه هي الصرفية (ص ٧٤- ٧٥) .
[ ٢ / ٧٢٠ ]
وكتب أصحاب البدع وعباد القبور مملؤة بالكثير من أنواع هذا الغلو وألوانه والذي لا يشك الموحد بكذبه وبطلانه.
وسأتطرق في المباحث القادمة للرد على أشهر تلك الأنواع، فنسأل الله الإعانة على ذلك.
[ ٢ / ٧٢١ ]