من المعلوم المتقرر أن الصحابة رضوان الله عليهم هم أعرف الأمة بالنبي ﷺ ولذلك فقد كانوا بقدره ومنزلته أعلم وأعرف من غيرهم.
وبناء على هذا العلم وهذه المعرفة، فقد كان تعظيمهم وتوقيرهم للنبي ﷺ أشد وأكبر من غيرهم.
وقد أوردت كتب السنة والتفسير وغيرها صورا متعددة من ذلك التعظيم والتوقير الذي كان يفعله الصحابة رضوان الله عليهم مع النبي ﷺ.
ومن أبلغ ما قيل في وصف هذا التعظيم ما قاله عروة بن مسعود١ حين وجهته قريش إلى رسول الله ﷺ، ورأى من تعظيم أصحابه له ما رأى، وأنه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، وكادوا يقتتلون عليه، ولا يبصق بصاقا، ولا ينتخم نخامة إلا تلقوها بأكفهم فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم، ولا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له.
فلما رجع إلى قريش قال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت مليكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدا، والله إن انتخم نخامة إلا وقعت في
_________________
(١) ١ عروة بن مسعود الثقفي، كان أحد الأكابر في قومه، وكانت له اليد البيضاء في تقرير صلح الحديبية، اتبع أثر النبي ﷺ لما انصرف من الطائف فأسلم، واستأذنه أن يرجع إلى قومه، فأذن له فرجع فدعاهم، فرماه أحدهم بسهم وهو يؤذن في السحر فقتله. الإصابة (٢/ ٤٧٠- ٤٧١)
[ ٢ / ٤٤٧ ]
كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له "١
فهذه صورة لما كان عليه حال الصحابة وما كان من شأنهم في تعظيم النبي ﷺ وتوقيره ومراعاة أموره والتبرك بآثاره.
ولما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٢.
ما كان عمر بن الخطاب ﵁ يسمع رسول الله ﷺ حتى يستفهمه٣ وقال البيهقي: إن هذه الآية "نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري كان إذا جالس النبي ﷺ يرفع صوته إذا تكلم، فلما نزلت هذه الآية انطلق مهموما حزينا فمكث في بيته أياما مخافة أن يكون قد حبط عمله.
وكان سعد بن عبادة٤ جاره، فانطلق حتى أتى النبي ﷺ فأخبره بذلك فقال له النبي ﷺ "اذهب فأخبر ثابت بن قيس أنك لم تُعْنَ بهذه الآية ولست من أهل النار بل أنت من أهل الجنة فاخرج إلينا فتعاهدنا " ففرح ثابت
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابة الشروط. انظر: فتح الباري (٥/ ٣٢٩، ٣٣١) ٢ الآية (٢) من سورة الحجرات ٣ تقدم تخريجه (ص ٤٣٢) ٤ سعد بن عبادة الأنصاري، شهد الخزرج، شهد العقبة، وكان أحد النقباء، وكان مشهورا بالجود وكان معه راية الأنصار، توفي سنة خمسة عشرة وقيل سنة ست عشرة من الهجرة بالشام. الإصابة (٢/ ٢٧- ٢٨)
[ ٢ / ٤٤٨ ]
بذلك ثم أتى النبي ﷺ فلما أبصره النبي ﷺ قال: "مرحبا برجل يزعم أنه من أهل النار بل غيرك من أهل النار وأنت من أهل الجنة". فكان بعد ذلك إذا جلس إلى النبي ﷺ يخفض صوته حتى ما يكاد أن يسمع الذي يليه فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ١ فقتل يوم اليمامة"٢.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ﴾ قال أبو بكر ﵁ لا أكلت إلا كأخي السرار حتى ألقي الله ﷿"٣.
وعن أسامة بن شريك٤ ﵁ قال: "أتيت رسول الله ﷺ وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير " الحديث٥.
وعن البراء بن عازب٦ (٦) ﵄ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ الآية (٣) من سورة الحجرات ٢ شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٣١٣) ٣ أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٦٢) وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي على شرط مسلم، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان، شعبة تعظيم النبي ﷺ (١/ ٣١٧) . وأخرجه كذلك في المدخل إلى السنن الكبرى، باب توقير العالم والعلم ص (٣٧٩) ح ٦٥٣. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٥٤٨) وعزاه لعبد بن حميد والحاكم والبيهقي في الشعب ٤ أسامة بن شريك الثعلبي من بني ثعلبة، له صحبة، وروى حديثه أصحاب السنن وأحمد وابن خزيمة، وابن حبان والحاكم. الإصابة (١/ ٤٦- ٤٧) ٥ أخرجه بهذا اللفظ أبو داود في سننه كتاب الطب، باب في الرجل يتداوى (٤/ ١٩٢- ١٩٣) ح ٣٨٥٥، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٧٨) ٦ البراء بن عازب بن الحارث الأنصاري الأوسي، له ولأبيه محبة استصغره النبي ﷺ يوم بدر وشهد أحدا وما بعدها ترفي سنة اثنتين وسبعين. الإصابة (١/ ١٤٦- ١٤٧)
[ ٢ / ٤٤٩ ]
وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير " الحديث١.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ (أن رسول الله ﷺ قام على المنبر فقال: "إنما أخشى عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من بركات الأرض" ثم ذكر زهرة الدنيا فبدأ إحداهما وثنى بالأخرى، فقام رجل فقال: يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر؟ فسكت عنه النبي ﷺ، قلنا يوحى إليه، وسكت الناس كأن على رؤوسهم الطير " الحديث٢.
فالشاهد من الآثار الثلاثة المتقدمة قولهم "كأن على رؤوسهم الطير" فهذه العبارة هي كناية عن التعظيم الذي كانوا يظهرونه في مجلس الرسول ﷺ توقيرا وإجلالا له صلوات الله وسلامه عليه، فلم يكن من عادة الصحابة رضوان الله عليهم أن يتجادلوا في مجلس النبي ﷺ أو يعلوا أصواتهم بنقاش أو حوار بل يعطون لهذا المجلس حقه من التشريف والاحترام وعن بريدة بن الحصيب٣ ﵁ قال: "كنا إذا قعدنا عند رسول الله ﷺ لم نرفع رؤوسنا إليه إعظاما له"٤
_________________
(١) ١ أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٢٨٧) . وأخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الجلوس في المقابر (١/ ٤٩٤) ح ١٥٤٩ ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب فضل النفقة في سبيل الله. انظر فتح الباري (٦/ ٤٨، ٤٩) ح ٢٨٤٢ ٣ بريدة بن الحصيب بن عبد الله الأسلمي، قيل إنه أسلم حين مر به النبي ﷺ مهاجرا، وقيل: أسلم بعد منصرف النبي ﷺ من بدر، وفي الصحيحين عنه أنه غزا مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة، وأخباره كثيرة ومناقبه مشهورة، مات سنة ثلاث وستين. الإصابة (١/ ١٥٠) ٤ أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى، باب توقير العالم والعلم (ص ٣٨١) ح ٦٥٨
[ ٢ / ٤٥٠ ]
وعن عمرو بن العاص ﵁ قال: "وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ، ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منة إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه"١.
وعن أنس ﵁ أن رسول الله لا كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس فيهم أبو بكر وعمر فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا أبو بكر وعمر فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويبتسمان إليه ويبتسم إليهما٢
وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قام رسول الله ﷺ يصلي من الليل، قال: فقمت وتوضأت أصلي خلفه فأخذ بيده فجعلني حذاءه فخنست٣ فقمت خلفه فأخذ بيدي فجعلني حذاءه فخنست فقمت خلفه، فانصرف رسول الله ال فقال: " مالي كلما جعلتك حذائي خنست؟ ".
قال: فقلت له: لا ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله.
قال: فدعا الله أن يزيدني فهما وعلما" ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج (١/ ٧٨) ٢ أخرجه الترمذي في سننه، كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر ﵄ كليهما (٥/ ٦١٢) ح ٣٦٦٨، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث الحكم بن عطية، وقد تكلم بعضهم في الحكم بن عطية ٣ خنست: أي انقبضت وتأخرت. النهاية (٢/ ٨٣) ٤ أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٣٠) . وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٥٣٤) وقال: حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان، باب شعبة تعظيم النبي ﷺ (١/ ٣٢٠، ٣٢١) ح ١٢٩
[ ٢ / ٤٥١ ]
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "إن أبواب النبي ﷺ كانت تقرع بالأظافير"١.
وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ليقرعون بابه بالأظافير"٢.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يجلس معنا في المسجد يحدثنا فإذا قام، قمنا حتى نراه، وقد دخل بعض بيوت أزواجه " الحديث٣.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لما كان يوم بدر فذكر الحديث في الأسارى وذكر قول عمر في قتلهم فقال ابن مسعود قلت:
_________________
(١) ١ رواه البزار كما في كشف الأستار (٢/ ٤٢١) . والببهقي في شعب الإيمان، باب شعبة تعظيم النبي ﷺ (١/ ٣٣٨) خ ١٣٤ ٢ أخرب الحاكم في معرفة علوم الحديث النوع الخامس (ص ١٩) . وأخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (ص ٣٨١) . وقال السخاوي في فتح المغيث (١/ ١١٧) الحديث أخرجه الحاكم في علومه وكذا في الأمالي كما عزاه إليهما البيهقي في المدخل حيث أخرجه عن راو. ورواه أبو نعيم في المستخرج على علوم الحديث له (أي الحاكم) عن راو آخر كلاهما عن أحمد ابن عمرو (كذا) الزيبقي عن زكريا بن يحبس المنقري، عن الأصمعي، عن كيسان مولى هشام ابن حسان، وفي رواية أبي نعيم عن هشام بن حسان. وفي رواية الآخرين عن محمد بن حسان زاد البيهقي "وهو أخو هشام بن حسان وهر حسن الحديث" انتهي قول السخاوي ٣ أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في الحلم وأخلاق النبي ﷺ (٥/ ١٣٣، ١٣٤) ح ٤٧٧٣، وأخرجه النسائي في سننه، في القسامة، باب القود، من الجندة (٨/ ٣٣، ٣٤) . وأخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (ص ٤٠١) ح ٧١٧
[ ٢ / ٤٥٢ ]
يارسول الله إلا سهل بن بيضاء١ فإني سمعته يذكر الإسلام فسكت رسول الله ﷺ فما رأيتني في يوم بدر أخوف أن تقع علي حجارة من السماء مني في ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسل إلا سهل بن بيضاء"٢.
وعن أبي رمثة٣ قال: قدمت المدينة ولم أكن رأيت رسول الله ﷺ فخرج وعليه ثوبان أخضران فقلت لابني هذا والله رسول الله ﷺ فجعل ابني يرتعد هيبة لرسول الله ﷺ"٤.
_________________
(١) ١ سهل بن بيضاء القرشي، وبيضاء أمه واسمها دعد واسم أبيه وهب بن ربيعة بن هلال القرشي، كان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم، أسلم بمكة فكتم إسلامه فأخرجته قريشا إلى بدر فأسر يومئذ فشهد له ابن مسعود أنه رآه يصلى بمكة فأطلق ومات بالمدينة. الإصابة (٢/ ٨٤) ٢ أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٣٨٣) . وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، تفسير سورة الأنفال (٤/ ٣٣٥) ح ٥٠٨٠ وقال: حديث حسن وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. وأخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٧٧) ح ١٠٢٥٨ بنحوه. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢١- ٢٢) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٢٥) ح ١٣٠ ٣ أبو رمثة (بكسر أوله وسكون الميم ثم مثلثة) التيمي اختلف في اسمه فقيل: رفاعة بن يثربي، ويقال عكسه، ويقال عمارة بن يثربي، وقيل غير ذلك، له صحبة، ومات بأفريقية. الإصابة: (٤/ ٧١) وتقريب التهذيب (٤٠٦) ٤ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٢٢٦- ٢٢٧- ٢٢٨) بعدة طرق عن لقيط بن إياد عن أبي رمثة به. وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب في الخضرة (٤/٣٣٤) ح ٤٠٦٥، وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب الأدب، باب ما جاء عن الثوب الأخضر (٥/ ١١٩) ح ٢٨١٢. وأخرجه النسائي في سننه، كتاب الزينة، باب لبس الخضر من الثياب (٨/ ٢٠٤)، وأخرجه البيهقي في شعب الأيمان (١/ ٣٤٢) وفي دلائل النبوة (١/ ٢٣٧)
[ ٢ / ٤٥٣ ]
وعن أبي جري جابر بن سليم١ قال: "رأيت رجلا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئا إلا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله ﷺ " الحديث٢.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "لقد رأيت رسول الله ﷺ والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل"٣.
وعن أنسى ﵁ أن رسول الله ﷺ لما حلق رأسه كان أبو طلحة٤ أول من أخذ من شعره"٥.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى إناء إلا غمس يده فيها فربما جاؤوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها"٦.
ولما بعثت قريش أبا سفيان إلى رسول الله ﷺ ليشد في عقد صلح الحديبية
_________________
(١) ١ أبو جري (بالتصغير) الهجيمي واسمه جابر بن سليم وقيل سليم بن جابر، وقال البخاري الأول أصح، له صحبة، وهو من بني أنمار بن الهجيم بن عمرو بن تميم. تهذيب التهذيب (١٢/ ٥٤) ٢ أخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزار (٤/ ٣٤٤) ح ٤٠٨٤ واللفظ له. وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب الاستئذان، باب كراهية أن يقول عليك السلام مبتدئا وقال حسن صحيح (٥/ ٧١، ٧٢) ح ٢٧٢١ ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب قرب النبي ﵇ من الناس وتبركهم به (٧/ ٧٩) ٤ اسمه زيد بن سهل وقد تقدم ترجمته ٥ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان. انظر: فتح الباري (٣/ ٢٣٧) ح ١٧١. ٦ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب قرب النبي ﷺ من الناس وتبركهم به (٧/ ٧٩) .
[ ٢ / ٤٥٤ ]
ويزيد في المدة، فلما قدم المدينة دخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله طوته، فقال: يابنية ما أدري أرغبت لي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟
فقالت: هو فراش رسول الله ﷺ، وأنت مشرك نجس فلم أحب أن تجلس على فراشة "١ فأكرمت فراش رسول الله ﷺ أن يجل عليه رجل مشرك.
ولما قدم أبو سفيان مكة بعد ذلك قالت له قريش ما وراءك هل جئت بكتاب من محمد أو عهد؟ قال": لا والله قد أبي علي وقد تتبعت أصحابه فما رأيت قوما لملك عليهم أطوع منهم له "٢".
ولما قال رأس المنافقين عبد الله بن أبي سلول٣ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال رسول الله لا: "ادعوا لي عبد الله بن أبي٤ فدعاه، فقال: ألا ترى ما يقول أبوك؟ قال: وما يقول بأبي أنت وأمي؟
قال: يقول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
_________________
(١) ١ أورده ابن كثير في البداية (٤/ ٢٨٠) من طريق ابن اسحاق، وابن حجر في الإصابة (٤/ ٢٩٩، ٣٠٠) . ٢ البداية لابن كثير (٤/ ٢٨٢) . ٣ عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث بن عبيد الخزرجى، أبو الحباب المشهور بابن سلول، وسلول جدته لأبيه رأس المنافقين فى الإسلام أظهر الإسلام بعد وقعة بدر، تقية، مات بالمدينة سنة تسع من الهجرة، طبقات ابن سعد (٢/ ٣/ ٩٠) . ٤ عبد الله بن عبد الله بن أبي بن مالك، وهو ابن عبد الله بن أبي رأس المنافقين الذي تقدمت ترجمته. وكان اسم عبد الله بن عبد الله "الحباب" فسماه النبي ﷺ عبد الله وهو صحابي جليل، شهد بدرا وما بعدها، واستشهد باليمامة في قتال الردة سنة اثنتي عشرة. الإصابة (٢/ ٣٢٧، ٣٢٨) .
[ ٢ / ٤٥٥ ]
فقال: فقد صدق والله يارسول الله، أنت والله الأعز وهو الأذل أما والله قد قدمت المدينة يارسول الله، وإن أهل يثرب ليعلمون ما بها أحد أبر مني، ولئن كان يرضي الله ورسوله أن آتيهما برأسه لأتينهما به.
فقال رسول الله ﷺ: "لا". فلما قدموا المدينة، قام عبد الله بن عبد الله ابن أبي على بابها بالسيف لأبيه، ثم قال: أنت القائل لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، أما والله لتعرفن العزة لك أو لرسول الله، والله لا يأويك ظله، ولا تأويه أبدا إلا بإذن من الله ورسوله.
فقال: ياللخزرج ابني يمنعني بيتي، ياللخزرج ابني يمنعني بيتى
فقال: والله لا تأويه أبدا إلا بإذن منه.
فاجتمع إليه رجال فكلموه، فقال: والله لا يدخله إلا يإذن من الله ورسوله فأتوا النبي ﷺ فأخبروه. فقال: "اذهبوا إليه، فقولوا له خله ومسكنه، فأتوه فقال: أما إذا جاء أمر النبي ﷺ فنعم"١.
وفي رواية عند الترمذي: "فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: والله لا تنفلت حتى تقر أنك الذليل ورسول الله ﷺ العزيز، ففعل"٢.
وبعد. فهذا غيض من فيض مما ورد في تعظيم الصحابة رضوان الله عليهم للنبي ﷺ في حياته، وفي الحقيقة فإن كل مواقفهم تشهد لهم بتعظيمه واحترامه وتوقيره.
_________________
(١) ١ أخرجه الطبري في تفسيره (٢٨/ ١١٤، ١١٥) تفسير سورة المنافقرن الآية (٨) ٢ سنن الترمذي (٥/ ٤١٨) ح ٣٣١٥ كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة المنافقين. وأورده ابن كئير في تفسيره (٤/٣٧٢) وعزاه للحميدي في مسنده وأورده ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٦٥٢) .
[ ٢ / ٤٥٦ ]
فلقد كانوا يعظمونه في ذاته فيتبركون بآثاره كفضل وضوئه، والأخذ من شعره، ودلك أجسامهم بنخامته، وغير ذلك مما أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم١، وهذا خاص في حقه ﷺ.
كما كانوا يعظمونه في سلوكهم وتصرفاتهم معه ﷺ فما كانوا ينادونه إلا بـ" يانبي الله، يارسول الله" كما كانوا يسارعون في إجابته ويعاجلون في طاعته، تحقيقا لقوله تعالى ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ
_________________
(١) ١ قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه تيسير العزيز الحميد (ص ١٥٣، ١٥٤): ذكر بعض المتأخرين أن التبرك بآثار الصالحين مستحب كشرب سؤرهم، والتمسح بهم أو بثيابهم، وحمل المولود إلى أحد منهم ليحنكه بتمرة حتى يكون أول ما يدخل جوفه ريق الصالحين، والتبرك بعرقهم ونحر ذلك، وقد أكثر في ذلك أبو زكريا النوري في "شرح مسلم" في الأحاديث التي فيها أن الصحابة فعلوا شيئا مع النبي ﷺ وظن أن بقية الصالحين في ذلك كالنبي ﷺ وهذا خطأ صريح لوجوه منها:
(٢) عدم المقاربة فضلا عن المساواة للنبي ﷺ في الفضل والبركة.
(٣) ومنها عدم تحقق الصلاح، فإنه لا يتحقق إلا بصلاح القلب، وهذا أمر لا يمكن الاطلاع عليه إلا بنص، كالصحابة الذين اثنى الله عليهم ورسوله، أو أئمة التابعين، أو من شهر بصلاح ودين كالأئمة الأربعة ونحوهم من الذين تشهد لهم الأمة بالصلاح وقد عدم أولئك، أما غيرهم فغاية الأمر أن نظن أنهم صالحون فنرجو لهم.
(٤) ومنها أنا لو ظننا صلاح شخص فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء، والأعمال بالخواتيم، فلا يكون أهلا للتبرك بآثاره.
(٥) ومنها أن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، فهلا فعلوه مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من الذين شهد لهم النبي صلى اللهعليه وسلم بالجنة، وكذلك التابعون هل فعلوه مع سعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وأويس القرني والحسن البصري ونحوهم ممن يقطع بصلاحهم، فدل أن ذلك مخصوص للنبي ﷺ.
(٦) ومنها أن فعل هذا مع غيره شيء لا يؤمن أن يفتنه وتعجبه نفسه، فيورثه العجب والكبر والرياء، فيكون هذا كالمدح في الوجه بل أعظم" انتهي.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
بَعْضًا﴾
وكان ﷺ عندهم معززا موقرا مهابا ولم يكونوا يعاملونه بالاسترسال والمباسطة كما يعامل الأكفاء بعضهم بعضا. وكانوا يخفضون أصواتهم عنده ﷺ حتى ما يكاد أحدهم يسمع الذي يليه امتثالا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ﴾ الآية.
فقد أدبهم الله مع نبيهم في الحدي والخطاب حتى يميز شخص رسول الله بينهم، ويميز مجلسه فيهم.
وبذلك امتدحهم ﷾ بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
كما أنهم لم يكونوا ليتقدموا يين يديه بالكلام حتى يأذن لهم وذلك طاعة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ - حتى كان النبيﷺ يسألهم عن اليوم الذي هم فيه والمكان الذي هم فيه، وهم يعلمونه حق العلم، فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم الله ورسوله أعلم خشية أن يكون قولهم تقدما بين يدي الله ورسوله.
وإذا جلسوا بين يديه ﷺ أعطوا هذا المجلس الشريف حقه من التعظيم والإجلال والتكريم حتى لكأنما على رؤوسهم الطير وذلك لماهم عليه من السكينة والأدب الشرعي الذي أدبهم الله به ورسوله صلوات الله وسلامه عليه. وكانوا لا يحدون إليه النظر تعظيما ومهابة له ﷺ وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره فلا يقول شيئا إلا صدروا عنه وأطاعوه فيه وبادروا إلى امتثاله وتنفيذه والعمل به.
وكيف لا يكون الأمر كذلك فالنبي ﷺ كان كل شيء في حياتهم، فقد
[ ٢ / ٤٥٨ ]
كان معلمهم ومربيهم وقائدهم وقدوتهم، ومصلحهم في الدنيا والشهيد عليهم في الآخرة، وكان يعنى بهم أكثر من عنايتهم بأنفسهم، يهتم بما يصلحهم أكثر من اهتمامهم بمصالحهم، ويرى أنه بما حمله الله من أمانة تكوينهم ورعاية شؤونهم والسهر على مصالحهم، أولى بهم من أنفسهم، وهذا ما أكده القرآن الكريم بقوله ﷿: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
ولذلك فقد كان من البداهة بمكان أن يكون للنبي ﷺ هذه المنزلة في حياة الصحابة رضوان الله عليهم، وأن يكون هو الآمر الناهي، والسيد المطاع الذي لا رد له أمر ولا يخالف له رأي ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ .
ولقد توالت الآيات الكريمة التي تعلم الصحابة رضوان الله عليهم آداب السلوك معه، وتبين مكانة النبي الكريم ﷺ الذي اختاره لحمل الرسالة، وما ينبغي أن يعطى من الإجلال والتكريم.
وكلما حدث إخلال وتقصير في جانب توقيره وتعظيمه ﷺ فإن آيات القرآن تنزل مبينة لذلك الخلل والتقصير الذي وقع ومنبهة على خطورته ومحذرة من عواقب التمادي فيه كما في قوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا الآية وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ ﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ .
وغير ذلك من الآيات التي نزلت في هذا الشأن، وإن شئت فاقرأ أسباب نزول تلك الآيات في كتب التفسير والحديث.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
ومن ثم فإن المخاطبين بهذه الآيات من الصحابة انتهوا إلى العمل بها وذلك طاعة لأمر الله وتعظيما لحق رسوله ﷺ الذي قررته تلك الآيات وأرشدت إليه. وكما كان هذا هو الحال في جانب الطاعة، فكذلك الحال في جانب الحذر من مخالفته ومعصيته.
فالصحابة الذين عرفوا واشتهر عنهم طاعته ﷺ هم الذين اشتهر عنهم بعدهم عن معصيته ومخالفته وذلك لعلمهم بما في ذلك من المحادة والمحاربة له ولشرعه ﷺ وما يترتب على ذلك من العقوبة الشديدة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ٣ ولقد كانت منزلة النبي ﷺ في قلوب أصحابه أغلى وأعز عليهم من كل شيء حتى من نفوسهم وأهليهم وما سوى ذلك، فقد كانوا يفتدونه بأرواحهم ويبذلون في سبيل نصرته كل ما يملكون من غالي ورخيص فقد حثهم الله على ذلك بقوله ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ٤
كما أنهم يعادون من يحارب الله ورسوله مهما كانت صلتهم وثيقة به حتى وإن كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم، ومواقفهم في ذلك كثيرة ومشتهرة
_________________
(١) ١ الآية (٢٠) من سورة المجادلة. ٢ الآية (٦٣) من سورة التوبة. ٣ الآية (٥) من سورة المجادلة. ٤ الآية (١٢٠) من سورة التوبة.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
وقد تقدم ذكر موقف أم حبيبة ﵂ مع أبيها أبو سفيان وموقف عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول مع أبيه عبد الله بن أبي.
وبالجملة فإن مجتمع الصحابة كان مجتمع الأمة المثالية التي تمثلت حقيقة واقعة في فترة من فترات التاريخ، ولقد كان الصحابة قبل الإسلام يعيشون في مجتمع اشتهر بغلظته وقساوة طبعه وبعده عن كثير من الآداب والسلوكيات فمن الله عليهم بالإسلام وهداهم له، واختارهم لصحبة نبيه ﷺ، فتوالت توجيهات القرآن الكريم والتربية النبوية الحكيمة عليهم، فهذبت وشذبت ووجهت ودفعت حتى ظهر ذلك المجتمع الذي له أدبه مع الله وأدبه مع رسوله ﷺ، وأدبه مع نفسه، وأدبه مع غيره أدبه، في هواجس ضميره، وفي حركات جوارحه، وفي الوقت ذاته له شرائعه المنظمة لأوضاعه، وله نظمه التي تكفل صيانته، وهي شرائع ونظم تقوم على ذلك الأدب، وتنبثق منه، وتتسق معه.
فما ظنك في مجتمع اختاره الله لصحبة نبيه وتولاه بعنايته ورعايته، وتعاهدهم رسوله بتوجيهاته ونصائحه وإرشاداته حتى سما وعلا وبلغ تلك الدرجة الرفيعة عند الله ﷾ وعند رسوله ﷺ
[ ٢ / ٤٦١ ]