إن تعظيم النبي ﷺ، وإجلاله، وتوقيره، شعبة عظيمة من شعب الإيمان، وهذه الشعبة غير شعبة المحبة١ بل إن منزلتها ورتبتها فوق منزلة ورتبة المحبة. ذلك لأنه ليس كل محب معظما، ألا ترى أن الوالد يحب ولده ولكن حبه إياه يدعوه إلى تكريمه ولا يدعوه إلى تعظيمه.
والولد يحب والده فيجمع له بين التكريم والتعظيم. والسيد قد يحب مماليكه ولكنه لا يعظمهم. والمماليك يحبون ساداتهم ويعظمونهم.
فعلمنا بذلك أن التعظيم رتبته فوق رتبة المحبة٢.
فمن حق النبي ﷺ على أمته أن يهاب ويعظم ويوقر ويجل أكثر من كل ولد لوالده ومن كل عبد لسيده، فهذا حق من حقوقه الواجبة له مما يزيد على لوازم الرسالة٣ وهو ما أمر الله به في كتابه العزيز قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ
_________________
(١) ١ انظر المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (٢/ ١٢٤) الشعبة الخامسة عشرة. وكذلك الجامع في شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٣٠٠) الشعبة الخامسة عشرة. ٢ المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (٢/ ١٢٤) . ٣ المعنى المقصود هنا: أنه يجوز أن يبعث الله رسولا ولا يوجب له هذا الحق بخلاف الإيمان والاتباع فإنهما من لوازم الرسالة. ٤ الآية (٩) من سورة الفتح.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١.
فأبان أن حق الرسول ﷺ في أمته أن يكون معزرا موقرا مهيبا.
وأخبر سبحانه أن الفلاح إنما يكون لمن جمع بين الإيمان به وتعزيره ولا خلاف في أن التعزير هاهنا التعظيم٢.
وفي الجمع الحاصل في الآيتين بين الإيمان به وتعظيمه، تنبيه وإرشاد إلى أن القيام بحقوقه ﷺ يعد من الإيمان الواجب الذي لا يتم إيمان العبد إلا به. قال الحليمي٣: "فمعلوم أن حقوق رسول الله ﷺ أجل وأعظم وأكرم وألزم لنا وأوجب علينا من حقوق السادات على مماليكهم والآباء على أولادهم لأن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة، وعصم به لنا أرواحنا وأبداننا وأعراضنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا في العاجلة، فهدانا به لما إذا أطعناه فيه أدانا إلى جنات النعيم. فأية نعمة توازي هذه النعم وأية منة تداني هذه المنن. ثم إنه جل ثناؤه ألزمنا طاعته، وتوعدنا على معصيته بالنار. ووعدنا باتباعه الجنة. فأي رتبة تضاهي هذه الرتبة، وأي درجة تساوي في العلا هذه الدرجة. فحق علينا أن نحبه ونجله ونعظمه ونهابه أكثر من إجلال كل عبد سيده وكل ولد والده. وبمثل هذا نطق القرآن ووردت أوامر الله جل ثناؤه"٤.
_________________
(١) ١ الآية (١٥٧) من سورة الأعراف. ٢ المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ١٢٥) "بتصرف". ٣ الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الجرجانى، فقيه شافعي، قاضي، كان رئيس أهل الحديث في ما وراء النهر، توفي في بخارى سنة ٤٠٣هـ وله كتاب المنهاج في شعب الإيمان. الأعلام (٢/ ٢٣٥) . ٤ المنهاج في شعب الإيمان (١٢٤- ١٢٥) والجامع لشعب الإيمان (٣٠٢- ٣٠٣) .
[ ٢ / ٤٢٤ ]
ففي القرآن الكريم آيات كثيرة جاء فيها التأكيد على هذا الحق من حقوقه ﷺ وبخاصة في جوانب معينة من جوانب تعظيمه ومن تلك الآيات ما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ١ "ففي هذه الآية نهي من الله أن يدعوا رسول الله ﷺ بغلظ وجفاء، وأمر لهم أن يدعوه بلين وتواضع"٢.
وروى الطبري بسنده عن مجاهد في تفسيرها فقال: "أمرهم أن يدعوه يارسول الله في لين وتواضع، ولا يقولوا: يامحمد، في تجهم"٣ (٣) .
وعن قتادة قال: "أمرهم أن يفخموه ويشرفوه"٤ (٤)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تفسيرها "خص الله نبيه في هذه الآية بالمخاطبة بما يليق به، فنهي أن يقولوا: يامحمد أو يا أحمد، أو يا أبا القاسم، ولكن يقولوا: يارسول الله، يانبي الله وكيف لا يخاطبونه بذلك، والله سبحانه أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحدا من الأنبياء، فلم يدعه باسمه في القرآن قط، بل يقول ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ ٥ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ ٦ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ٧ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ٨ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ٩ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا
_________________
(١) ١ الآية (٦٣) من سورة النور. ٢ تفسير الطبري (١٨/١٧٧) . ٣ تفسير الطبري (١٨/١٧٧) . ٤ تفسير الطبري (١٨/١٧٧) . ٥ الآية (٢٨) من سورة الأحزاب. ٦ الآية (٥٠) من سورة الأحزاب. ٧ الآية (١) من سورة الأحزاب. ٨ الآية (٤٥) من سورة الأحزاب ٩ الآية (١) من سورة الطلاق.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ١ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ٢ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ﴾ ٣ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ٤ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ ٥.
مع أنه سبحانه قال: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ ٦ ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ ٧ ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ ٨ ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ ٩ ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ ١٠ ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ ١١ ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ ١٢١٣.
وقال ﵀: "وإذا كنا في باب العبارة عن النبي ﷺ علينا أن نفرق بين مخاطبته والإخبار عنه. فإذا خاطبناه كان علينا أن نتأدب بآداب الله تعالى حيث
_________________
(١) ١ الآية (١) من سورة التحريم. ٢ الآية (٦٧) من سورة المائدة. ٣ الآيتان (١، ٢) من سورة المزمل ٤ الآيتان (١، ٢) من سورة المدثر ٥ الآية (٦٤) من سورة الأنفال ٦ الآية (٣٥) من سورة البقرة ٧ الآية (٣٣) من سورة البقرة ٨ الآية (٤٦) من سورة هود ٩ الآية (٧٦) من سورة هود ١٠ الآية (١٤٤) من سورة الأعراف ١١ الآية (٢٦) من سورة ص. ١٢ الآية (١١٠) من سورة المائدة ١٣ الصارم المسلول (ص ٤٢٢- ٤٢٣)
[ ٢ / ٤٢٦ ]
قال: ﴿لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ١ فلا تقول يا محمد يا أحمد، كما يدعو بعضنا بعضا بل نقول: يارسول الله، يانبي الله. والله ﷾ خاطب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم فقال: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ ٢ ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ ٣ ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ ٤ ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ٥
ولما خاطبه ﷺ قال ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ٦ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ ٧ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ٨ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ٩ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ١٠ فنحن أحق أن نتأدب في دعائه وخطابه.
وأما إذا كنا في مقام الإخبار عنه قلنا: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله" وقلنا محمد رسول الله وخاتم النبيين، فنخبر عنه باسمه كما أخبر الله سبحانه لما أخبر عنه ﷺ ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ
_________________
(١) ١ الآية (٦٣) من سورة النور ٢ الآية (٣٥) من سورة البقرة ٣ الآية (٤٨) من سورة هود ٤ الآيتان (١١، ١٢) من سورة طه ٥ الآية (٥٥) من سورة آل عمران ٦ الآية (٦٤) من سورة الأنفال ٧ الآية (٤١) من سورة المائدة ٨ الآية (٦٧) من سورة المائدة ٩ الآية (١) من سورة المزمل ١٠ الآية (١) من سورة المدثر
[ ٢ / ٤٢٧ ]
وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ١ وقال ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ ٢ وقال ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ٣ وقال ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ ٤
فالفرق يين مقام المخاطبة ومقام الإخبار فرق ثابت بالشرع والعقل"٥
٢- وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٦
فهذه الآيات اشتملت على جملة من الآداب التي أدب الله بها عباده المؤمنين فيما يجب أن يعاملوا به الرسول ﷺ من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام وهذه الآداب هي:
أولا: أنه حرم التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
_________________
(١) ١ الآية (٤٠) من سورة الأحزاب ٢ الآية (٢٩) من سورة الفتح ٣ الآية (١٤٤) من سورة آل عمران ٤ الآية (٢) من سورة محمد ٥ درء تعارض العقل والنقل (١/٢٩٧، ٢٩٨) ٦ الآيات من (١ إلى ٥) من سورة الحجرات
[ ٢ / ٤٢٨ ]
الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
قال ابن كثير في معناها: "أي لا تسارعوا في الأشياء بين يديه أي قبله بل كونوا تبعا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ ﵁ حيث قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن "بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله تعالى. قال ﷺ "فإن لم تجد؟ "قال بسنة رسول الله ﷺ. قال ﷺ: "فإن لم تجد؟ "قال ﵁: أجتهد رأي، فضرب في صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضي رسول الله ﷺ" ١.
فالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقدم بين يدي الله ورسوله"٢.
وقال الحليمي عند تعليقه على هذه الآية: "والمعنى لا تقدموا قولا أو فعلا بين يدي قول رسول الله ﷺ وفعله فيما سبيله أن تأخذوه عنه من أمر دين أو دنيا، بل أخروا أقوالكم وأفعالكم إلى أن يأمر رسول الله ﷺ في ذلك بما يراه فإنكم إذا قدمتم بين يديه كنتم مقدمين بين يدي الله ﷿ إذ كان رسوله لا يقضي إلا عنه، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ! أي احذروا عقابه بتقديمكم يين يدي رسول الله ومعاملته بما يوهم الاستخفاف به ومخالفة شيء مما يأمركم به عن
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد فى مسنده (٥/ ٢٣٠، ٢٣٦، ٢٤٢) .وأبو داود في سننه، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء (٤/ ١٨) ح ٣٥٩٢. والترمذي في سننه، كتاب الأحكام، باب القاضي كيف يقضي (٣/٦١٦) ح ١٣٢٧. وابن ماجة في سننه، المقدمة، باب اجتناب الرأي والقياس بنحوه (١/ ٢١) . ٢ تفسير ابن كثير (٤/ ٢٠٥) .
[ ٢ / ٤٢٩ ]
الله بوحي متلو أو بوحي غير متلو ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي سميع لما تقدمونه بين يدي رسوله ﷺ، أو تأتونه اقتداء به واتباعا له، عليم بما يكون منكم من إجلاله أو خلاف ذلك فهو يجزيكم بما سمعه ويعلمه منكم"١.
ولقد تأدب الصحابة مع ربهم ومع رسولهم، فما عاد بعد نزول هذه الآية مقترح منهم يقترح على الله ورسوله، وما عاد واحد منهم يدلي برأي لم يطلب منه رسول الله ﷺ أن يدلي به، وما عاد أحد يقضي برأيه في أمر أو حكم إلا أن يرجع قبل ذلك إلى قول الله وقول النبي ﷺ.
حتى كان الرسول ﷺ يسألهم عن اليوم الذي هم فيه والمكان الذي هم فيه وهم يعلمونه حق العلم، فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم: الله ورسوله أعلم. خشية أن يكون في قولهم تقدم بين يدي الله ورسوله. ومن ذلك ما جاء في حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي ﵁ أن النبي ﷺ- سأل في حجة الوداع " أي شهر هذا؟ ".. قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أن سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس ذو الحجة؟ " قلنا: بلى. قال: "فأي بلد هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير أسمه، قال: "أليس البلدة؟ " قلنا بلى. قال "فأي يوم هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: "أليس يوم النحر؟ " قلنا بلى " الحديث٢.
فهذه صورة من الأدب، ومن التحرج، ومن التقوى التي انتهى إليها
_________________
(١) ١ المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ١٢٧) ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب حجة الوداع واللفظ له. انظر فتح الباري (٨/ ١٠٨) ح ٤٤٠٦
[ ٢ / ٤٣٠ ]
الصحابة بعد سماعهم ذلك النداء، وذلك التوجيه، وتلك الإشارة إلى التقوى تقوى الله السميع العليم.
ثانيا: أنه حرم رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ وأن يجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل، وهذا من باب الأدب مع النبي ﷺ في الحديث والخطاب ومن التوقير الذي يجب له، ذلك التوقير الذي ينعكس على نبرات أصوات الصحابة ليتميز بذلك شخص الرسول ﷺ بينهم ويميز مجلسه فيهم فقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ١.
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: "هذا أدب ثان أدب الله تعالى به المؤمنين أن لا يرفعوا أصواتهم يين يدي النبي ﷺ فوق صوته، وقد روي أنها نزلت في الشيخين أبي بكر وعمر ﵄
فعن ابن أبي مليكة٢ قال: "كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر ﵄ رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس٣ ﵁ أخي بن مجاشع وأشار الآخر
_________________
(١) ١ الآية (٢) من سورة الحجرات ٢ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المكي، تابعي ثقة، كان قاضيا لابن الزبير ومؤذنا له. مات سنة (١٧هـ) وقيل (١٨هـ) تهذيب التهذيب (٥/ ٣٠٦- ٣٠٧) ٣ الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان التميمي المجاشعي الدارمي، وفد على النبي ﷺ وشهد فتح مكة وحنينا والطائف، وهو من المؤلفة قلوبهم، وقد حسن إسلامه، وكان شريفا في الجاهلية والإسلام وشارك في الفتوحات، وقيل إنه قتل في اليرموك في عشرة من بنيه الإصابة (١/ ٧٢- ٧٣)
[ ٢ / ٤٣١ ]
برجل آخر، قال نافع١ لا أحفظ اسمه فقال أبو بكر لعمر ﵄ ما أردت إلا خلافي، قال: مما أردت خلافك فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآية.
قال ابن الزبير٢ ﵁: "فما كان عمر ﵁ يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر"٣
فقد نهي الله ﷿ عن رفع الأصوات بحضرة رسول الله ﷺ، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي ﷺ قد ارتفعت أصواتهما فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا٤.
وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره ﷺ كما كان يكره في حياته ﵊ لأنه محترم حيا وفي قبره ﷺ دائما.
ثم نهي عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبة ممن عداه، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم، ولهذا قال ﵎: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ كما قال ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ
_________________
(١) ١ نافع بن عمر بن عبد الله الجمحي الحافظ المكي، كان من أثبت الناس، روى عن ابن أبي مليكة وغيره، مات سنة تسع وستين ومائة. تهذيب التهذيب (١٠/ ٤٠١) ٢ هو: عبد الله بن الزبير ﵁ وقد تقدم ترجمته ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، تفسير سورة الحجرات. انظر: فتح الباري (٨/ ٥٩٠) خ ٤٨٤٥ ٤ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب رفع الصوت في المسجد. انظر: فتح الباري (١/ ٥٦٠) خ ٤٧٠.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾
وقوله ﷿ ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك فيغضب الله تعالى لغضبه فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري كما جاء في الصحيح "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالا يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض"١.
ثم ندب الله تعالى إلى خفض الصوت عنده وحث على ذلك وأرشد إليه ورغب فيه فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ أي أخلصها لها وجعلها أهلا ومحلا ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.
وجاء في الكشاف عند تفسير هذه الآيات قوله: "أعاد النداء عليهم- أي في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد، وتطرية الإنصات لكل حكم نازل، وتحريك هممهم لئلا يفتروا ويغفلوا عن تأملهم وما أخذوا به عند حضور مجلس رسول الله ﷺ من الأدب الذي المحافظة عليه تعود عليهم بعظيم الجدوى في دينهم.
وذلك لأن في إعظام صاحب الشرع إعظام ما ورد به، ومستعظم الحق
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان. فتح الباري (١ ١/ ٣٠٨) ح ٦٤٧٨ ٢ تفسير ابن كثير (٤/ ٢٠٥- ٢٠٦)
[ ٢ / ٤٣٣ ]
لايدعه استعظامه أن يألو عملا بما يحدوه عليه، وارتداعا بما يصده عنه، وانتهاء إلى كل خير.
والمراد بقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ﴾ أنه إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليا لكلامكم، وجهره باهرا لجهركم، حتى تكون ميزته عليكم لائحة، وسابقته واضحة، وامتيازه عن جمهوركم كشية الأبلق غير خاف، لا أن تغمروا صوته بلغطكم، وتبهروا منطقه بصخبكم.
وبقوله ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ أنكم إذا كلمتموه وهو صامت فإياكم والعدول عما نهيتم عنه من رفع الصوت، بل عليهم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، وأن تتعمدوا في مخاطبته القول البين المقرب من الهمس الذي لا يضاهي الجهر، كما تكون مخاطبة المهيب المعظم، عاملين بقوله عز شأنه ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ وليس الغرض من رفع الصوت ولا الجهر ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة، لأن ذلك كفر، والمخاطبون مؤمنون وإنما الغرض صوت هو في نفسه والمسموع من جرسه غير مناسب لما يهاب به العظماء، ويوقر الكبراء، فيتكلف الغض منه، ورده إلى حد يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزير والتوقير.
ولم يتناول النهي أيضا رفع الصوت الذي لا يتأتى به رسول الله ﷺ وهو ما كان منهم في حرب، أو مجادلة معاند، أو إرهاب عدو أو ما أشبهه، فلم ينهوا عن الجهر مطلقا حتى لا يسوغ لهم أن يكلموه إلا بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مقيد بصفة أعلى الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منه فيما بينهم، وهو الخلو عن مراعاة أبهة النبوة، وجلالة مقدارها، وانحطاط
[ ٢ / ٤٣٤ ]
سائر الرتب وإن جلت عن رتبتها"١
"ومن البداهة أن هذه الآيات وأمثالها في تأديب الأمة وتعليمها إنما جاءت بأسلوبها المعجز لتفخيم شأن النبي ﷺ وإظهار رفعة قدره المنيف، وسمو منزلته ﷺ فوق كل منزلة أحد من الخلق، وهي مسوقة في مواضعها من القرآن الكريم لتعليم الأمة أفرادا وجماعات الأدب الأكمل مع النبي ﷺ في كل ما يتصل بمخاطبته والتحدث إليه، والإصغاء إلى حديثه، ومجالسته حتى يستشعر المؤمن بقلبه وروحه وكافة إحساساته ومشاعره ما أوجبه الله تعالى من توقيره ﷺ توقيرا يجلي رفيع قدره، وعظيم مقامه، ويظهر تشريف الله تعالى له بما ميزه به على سائر الخلق، وقد اتفق أهل العلم من أئمة أعلام الأمة على أن حرمته ﷺ بعد وفاته كحرمته في حياته"٢.
ثالثا: أن الله ﵎ ذم الذين ينادونه من وراء الحجرات وهي بيوت نسائه فقال ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ثم أرشد تعالى إلى الأدب في ذلك فقال ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة٣ فكره إليهم النداء على هذه الصفة المنافية للأدب والتوقير اللائق بشخص النبي ﷺ، ولكن لهم ما يجب عليهم وهو الصبر والانتظار حتى يخرج إليهم وحبب إليهم التوبة والإنابة، ورغبهم في المغفرة والرحمة٤.
_________________
(١) ١ الكشاف (٣/ ٥٥٤، ٥٥٥) ٢ كتاب محمد رسول الله ﷺ منهج ورسالة تأليف محمد الصادق إبراهيم عرجون (٤/ ٣٣٣) ٣ تفسير ابن كثير (٤/ ٢٠٨) ٤ في ظلال القرآن لسيد قطب (٦/ ٣٣٤٠) بتصرف يسير
[ ٢ / ٤٣٥ ]
قال الحليمي "في هذه الآية يسلى الله نبيه ﷺ بما أخبره من أن الذين يصيحون خارج منزله ولا يصبرون حتى يخرج إليهم إنما حملهم على ذاك جهلهم وقلة عقلهم وأكثرهم لا يهتدون إلى ما يلزمهم من تعظيمك في حال مخاطبتك"١.
٣- وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ٢
قال الحليمي: "فأعلمهم أن نفس الرسول ﷺ أكرم وأشرف وأزكى وأجمل من أنفسهم، فلا يسعهم من ذلك أن يصرفوا أنفسهم عمالا يصرف نفسه عنه فيتخلفوا عنه إذا خرج لجهاد أعداء الله معتذرين من شدة حر، أو طول طريق، أو عوز ماء، أو قلة زاد، بل يلزمهم متابعته ومشايعته على أي حال رضيها لنفسه، وفي هذا أعظم البيان لمن عقل، وأبين الدلالة على وجوب تعظيمه وإجلاله وتوقيره٣.
٤- وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ٤.
فنهاهم ﷾ عن أن يعاملوا رسول الله ﷺ بالتوسع في الانبساط
_________________
(١) ١ المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ١٢٨) ٢ الآية (١٢٠) من سورة التوبة ٣ المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ١٢٦) ٤ الآية (٥٣) من سورة الأحزاب
[ ٢ / ٤٣٦ ]
والإسترسال كما يعامل من لا يهاب ولا يتقى، فيدخل بيته بغير إذنه إذا دعاهم إلى طعام لم ينضج، وأحاطوا به منتظرين إدراكه وإذا حضر الطعام ودخلوا وطعموا لزموا مجالسهم مستأنسين بالمحادثة، وأخبرهم أن ذلك منهي عنه، إذ كان النبي ﷺ قد تأذى منه ويستحى أن يكلمهم، كما أدبهم فيما ينبغي عليهم تجاه معاملتهم مع أزواجه ﷺ وهذا كله مما يدل على ماله ﷺ من التعظيم والاحترام.
٥- وقد جاء بعد هذه الآيات الأمر بالصلاة والسلام عليه ﷺ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١.
ووجه إيصال هذه الآية بما قبلها هو أنه لما كان من الواجب على المكلفين تعظيم النبي ﷺ برفع الأذى عنه وإظهار شرفه وكرامته فذكر الله تعالى القسم الأول- أي رفع الأذى- في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ ٢ إلى آخرها وذكر القسم الثاني- أي إظهار شرفه وكرامته- في هذه الآية الثانية، وبدأ بالأول لأن دفع المفاسد أهم.
وأيضا لما أرشد الله تعالى المؤمنين إلى تعظيمه ﷺ بتعلم سلوك طريق الأدب معه في أشياء كثيرة تتعلق بحياته وموته إظهارا لشرفه وتعظيما له، عقبه بما يدل على أنه تعالى أيضا معظم لشأنه أيضا، وكذلك ملائكته المقربون حملة العرش وحفظته الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
وفيه بيان لمنقبة عظيمة له ﷺ فإن الملك قد يأمربإكرام شخص ولا يكون
_________________
(١) ١ الآية (٥٦) من سورة الأحزاب ٢ الآية (٥٣) من سورة الأحزاب
[ ٢ / ٤٣٧ ]
عنده بمكان فأزيل هذا التوهم وبين أنه أكرم الخلق على ربه تعالى.
وأيضا لما أرشد الله المؤمنين إلى الحال التي يجب أن يكونوا عليها مع نبيه ﷺ من التعظيم والتوقير- ولهم معه حالتان:
١- حالة الخلوة: والواجب هناك عدم إزعاجه- بين ذلك بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيّ﴾ ١
٢- وحالة الملأ: والواجب هناك إظهار التعظيم، بين ذلك بقوله ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢.
وأيضا لما أمر الله ﷾ بالاستئذان في بيوته، وعدم النظر إلى وجوه زوجاته، وغير ذلك من الآداب إكراما وتبجيلا، كمل سبحانه بيان حرمته بقوله ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ .
وأيضا لما بين الأدب معه في حال الخلوة، وكان حاله في الملأ نوعين، لأنه يكون أعلى وأسفل، فبين أنه في الأعلى محترم في غاية الاحترام ثم بين ما يجب على الملأ الأسفل من ذلك التعظيم بقوله ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٣
٦- وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ٤
فالله تعالى من تعظيمه لنبيه ﷺ حفظ له كرامته وصان له حقه ففرق بين
_________________
(١) ١ الآية (٥٣) من سورة الأحزاب ٢ الآية (٥٦) من سورة الأحزاب ٣ الصلات والبشر في الصلاة على خير البشر (ص ١٩- ٢٠) ٤ الآيتان (٥٧-٥٨) من سورة الأحزاب
[ ٢ / ٤٣٨ ]
أذاه وأذى المؤمنين، فأوجب على من آذى النبي ﷺ اللعن والطرد من رحمته وهذا حكم على من آذاه بالكفر وفي الآخرة له العذاب المهين ومصيره إلى جهنم وبئس المصير. بينما حكم على من آذى المؤمنين بالبهتان والإثم والفرق يين الحكمين ناتج عن الفرق بين حق النبي ﷺ وحق غيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في استدلاله بهذه الآية على وجوب قتل من أذى النبي ﷺ "ودلالتها من وجوه:
أحدها: أنه قرن أذاه بأذاه كما قرن طاعته بطاعته، فمن آذاه فقد آذى الله تعالى، وقد جاء ذلك منصوصا عنه، ومن آذى الله فهو كافر حلال الدم. بين ذلك أن الله تعالى جعل محبة الله ورسوله، وإرضاء الله ورسوله وطاعة الله ورسوله شيئا واحدا فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ ٢ في مواضع متعددة، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ٣ فوحد الضمير، وفي ذلك إشارة إلى أن إرضاء الله إرضاء للرسول وإرضاء الرسول فيه إرضاء لله، وقال أيضا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ ٤ وقال أيضا: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾ ٥
_________________
(١) ١ الآية (٢٤) من سورة التوبة ٢ الآية (١٣٢) من سورة آل عمران ٣ الآية (٦٢) من سورة التوبة ٤ الآية (١٠) من سورة الفتح ٥ الآية (١) من سورة الأنفال
[ ٢ / ٤٣٩ ]
وجعل شقاق الله ورسوله ومحادة الله ورسوله وأذى الله ورسوله ومعصية الله ورسوله شيئا واحدا، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ١ وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٣ وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٤.
وفي هذا وغيره بيان لتلازم الحقين، وأن جهة حرمة الله تعالى ورسوله جهة واحدة، فمن آذى الرسول فقد آذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله، لأن الأمة لا يصلون ما بينهم ويين ربهم إلا بواسطة الرسول، ليس لأحد منهم طريق غيره، ولا سبب سواه وقد أقامه الله مقام نفسه في أمره ونهيه وإخباره وبيانه، فلا يجوز أن يفرق بين الله ورسوله في شيء من هذه الأمور.
وثانيها: أنه فرق بين أذى الله ورسوله وبين أذى المؤمنين والمؤمنات، فجعل على هذا أنه قد احتمل بهتانا وإثما مبينا وجعل على ذلك اللعنة في الدنيا والآخرة وأعد له العذاب المهين، ومعلوم أن أذى المؤمنين قد يكون من كبائر الإثم وفيه الجلد، وليس فوق ذلك إلا الكفر والقتل.
الثالث: أنه ذكر أنه لعنهم في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا، واللعن: الإبعاد عن الرحمة، ومن طرده عن رحمته في الدنيا والآخرة لا يكون إلا كافرا فإن المؤمن يقرب إليها بعض الأوقات ولا يكون مباح الدم، لأن حقن الدم رحمة عظيمة من الله، فلا تثبت في حقه "٥
_________________
(١) ١ الآية (١٣) من سورة الأنفال ٢ الآية (٢٠) من سورة المجادلة ٣ الآية (٦٣) من سورة التوبة ٤ الآية (١٤) من سورة النساء وآيات أخر ٥ الصارم المسلول (ص ٤٠- ٤١)
[ ٢ / ٤٤٠ ]
ومما يوضح ذلك أن سب النبي ﷺ قد تعلق به عدة حقوق:
أ- حق الله سبحانه من حيث كفر برسوله وعادى أفضل أوليائه وبارزه بالمحاربة ومن حيث طعن في كتابه ودينه، فإن صحتهما موقوفة على صحة الرسالة، ومن حيث طعن في ألوهيته، فإن الطعن في الرسول طعن في المرسِل، وتكذيبه تكذيب لله ﵎ وإنكار لكلامه وأمره وخبره وكثير من صفاته.
ب- وتعلق به حق جميع المؤمنين من هذه الأمة ومن غيرها من الأم، فإن جميع المؤمنين مؤمنون به خصوصا أمته فإن قيام أمر دنياهم ودينهم وآخرتهم به بل عامة الخير الذي يصيبهم في الدنيا والآخرة بوساطته وسفارته، فالسب له أعظم عندهم من سب أنفسهم وآبائهم وأبنائهم وسب جميعهم، كما أنه أحب إليهم من أنفسهم وأولادهم وآبائهم والناس أجمعين.
ج- وتعلق به حق رسول الله كلها من حيث خصوص نفسه فإن الإنسان تؤذيه الوقيعة في عرضه أكثر مما يؤذيه أخذ ماله، وأكثر مما يؤذيه الضرب، بل ربما كانت عنده أعظم من الجرح ونحوه، خصوصا من يجب عليه أن يظهر للناس كمال عرضه وعلو قدره لينتفعوا بذلك في الدنيا والآخرة١.
٧- وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢.
قال بعض المفسرين: هي لغة كانت في الأنصار، نهوا عن قولها تعظيماا للنبي ﷺ وتبجيلا له، لأن معناها ارعنا نرعك، فنهوا عن قولها، إذ مقتضاها كأنهم لا يرعونه إلا برعايته لهم، بل حقه أن يرعى على كل حال.
_________________
(١) ١ الصارم المسلول (ص٣٩٣-٣٩٤) ٢ الآية (١٠٤) من سورة البقرة
[ ٢ / ٤٤١ ]
وقيل: كانت اليهود تعرض بها للنبي ﷺ بالرعونة١ فنهي المسلمون عن قولها قطعا للذريعة، ومنعا للتشبه بهم في قولها لمشاركة اللفظة وقيل غير هذا٢
٨- وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ ٣.
ففي هذه الآية حرم الله على الأمة أن تنكح أزواجه من بعده لأن ذلك يؤذيه وجعله عظيما عند الله تعظيما لحرمته ﷺ، فحرم تعالى على الأمة ما هو مباح أن يعامل به بعضهم بعضا، وذلك تمييزا لنبيه ﷺ وتعظيما لشأنه. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت لما قال بعض الناس: لو قد توفي رسول الله ﷺ تزوجت عائشة٤.
ولو أن أحدا أقدم على هذا الأمر فنكح أزواجه أو سراريه لكانت عقوبته في الشرع هي القتل جزاء له بما انتهك من حرمته والدليل على ذلك ما رواه مسلم بسنده عن أنسى بن مالك ﵁ "أن رجلا كان يتهم بأم ولد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ لعلي اذهب فاضرب عنقه فأتاه علي فإذا هو في ركي٥ يتبرد فيها، فقال له علي أخرج فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر فكف علي عنه، ثم أتى النبي ﷺ فقال: يارسول الله إنه لمجبوب ما له ذكر"٦
_________________
(١) ١ الخفة والحماقة ٢ الشفا (٢/٥٩١) ٣ الآية (٥٣) من سورة الأحزاب ٤ الصارم المسلول (ص ٥٩) ٥ الركي: جنس للركية، وهي البئر، وجمعها ركايا. النهاية (٢/٢٦١) ٦ صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب براءة حرم النبي ﷺ من الريبة (٨/ ١١٩)
[ ٢ / ٤٤٢ ]
قال ابن تيمية ﵀: "فهذا الرجل أمر النبي ﷺ بضرب عنقه لما قد استحل من حرمته، ولم يأمر بإقامة حد الزنا، لأن إقامة حد الزنا ليس هو ضرب الرقبة، بل إن كان محصنا رجم، وان كان غير محصن جلد، ولا يقام عليه الحد إلا بأربعة شهداء أو بالإقرار المعتبر، فلما أمر النبي ﷺ بضرب عنقه من غير تفصيل بين أن يكون محصنا أو غير محصن علم أن قتله لما انتهكه من حرمته فلما تبين أنه كان مجبوبا علم أن المفسدة مأمونة منه "١ وبالإضافة إلى ما تقدم، فقد أوجب الله على الأمة احترام أزواج النبي ﷺ وجعلهن أمهات في التحريم والاحترام٢.
فقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ٣ ففي هذه الآية رفع الله مقام أزواج النبي ﷺ وبوأهن منزلة عالية، وهي منزلة الأمومة لجميع المؤمنين، وفي ذلك من الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام والإعظام ما يوجب على كل مسلم أن يحفظ لهن هذا الحق ويؤديه على الوجه المطلوب منه شرعا.
وهذه المنزلة لأمهات المؤمنين هي من التشريف والتعظيم الذي أعطاه الله للنبي ﷺ.
٩- وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ
_________________
(١) ١ الصارم المسلول (ص ٥٩- ٦٠) ٢ المصدر السابق (ص ٤٣٣) ٣ الآية (٦) من سورة الأحزاب
[ ٢ / ٤٤٣ ]
لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١.
ففي هاتين الآيتين الكريمتين منهج تعظيم قدر النبي ﷺ، وبيان ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمنين في جميع أمورهم التي تربطهم به ﷺ نبيا ورسولا، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، وخلع عليه جلابيب حرصه عليهم، وعزة عنتهم عليه، وخصه باسمين من أسمائه الحسنى، فجعله رؤوفا رحيما بالمؤمنين، وهذا تعظيم لم يكن قط لغيره ﷺ لأنه تعظيم يرتبط بأصل الإيمان برسالته وهدايته.
وجاء في الكشاف عند تفسير هذه الآيات: "أراد الله ﷿ أن يريهم عظيم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله ﷺ بغير إذنه، إذا كانوا معه على أمر جامع فجعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله مع تصدير الجملة بإنما وإيقاع المؤمنين مبتدأ مخبرا عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين، ثم عقبه بما يزيده توكيدا وتشديدا حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ٢ وضمنه شيئا آخر، وهو أنه جعل الاستئذان كالمصدق بصحة الإيمان وعرض بالمنافقين وتسللهم لواذا"٣.
وبهذه النصوص يتبين للمسلم أن حقوق رسول الله ﷺ أجل وأعظم وأكرم
_________________
(١) ١ الآيتان (٦٢، ٦٣) من سورة النور ٢ الآية (٦٢) من سورة النور ٣ الكشاف (٣/ ٧٨) بتصرف يسير
[ ٢ / ٤٤٤ ]
وألزم لنا وأوجب علينا من حقوق السادات على مماليكهم والآباء على أولادهم لأن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة، وعصم به لنا أرواحنا وأبداننا وأعراضنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا في العاجلة، فهدانا به لأمر إذا أطعناه فيه أدانا إلى جنات النعيم، فأية نعمة توازي هذه النعم وأية منة تداني هذه المنن. ثم إنه جل ثناؤه ألزمنا طاعته وتوعدنا على معصيته بالنار، ووعدنا باتباعه الجنة فأي رتبة تضاهي هذه الرتبة، وأي درجة تساوي في العلا هذه الدرجة.
فحق علينا إذا أن نحبه ونجله ونعظمه ونهابه، فبهذا نكون من المفلحين ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١ فالآية بينت أن الفلاح إنما يكون لمن جمع إلى الإيمان به تعزيره ولا خلاف أن التعزير هنا التعظيم٢ فلقد سجل الله في هذه الآية الفلاح بأسلوب الحصر للذين تأدبوا بهذا الأدب القرآني الرفيع.
وكما قال تعالى في الإنافة بمقامه الأشرف، وبيان حقه على كل مؤمن ومؤمنة ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ ٣.
وقد ذهب علماء السلف إلى أن الضمير في قوله جل شأنه ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ راجع إلى رسول الله ﷺ ومعناه: تعظموا رسول الله ﷺ وتفخموه في أدب المخاطبة والتحدث إليه ومجالسته.
قال ابن تيمية: "فالتسبيح لله وحده، والتعزير والتوقير للرسول، والإيمان
_________________
(١) ١ الآية (١٥٧) من سورة الأعراف ٢ شعب الإيمان للبيهقي، شعبة التعظيم (١/ ٣٠٢، ٣٠٣) ٣ الآيتان (٨، ٩) من سورة الفتح
[ ٢ / ٤٤٥ ]
بالله ورسوله"١.
فهذه الآيات وغيرها نزلت لتبين مقام شرف رسول الله ﷺ وعظيم منزلته عند ربه، مما يوجب على المؤمنين برسالته أن يكونوا في مخاطباتهم معه على سنن الإجلال والتعظيم.
_________________
(١) ١ بغية المرتاد (ص ٥٠٤)
[ ٢ / ٤٤٦ ]