المبحث الخامس: وجوب الإيمان بأن النبي ﷺ قد بلغ الرسالة وأكملها
المبحث الخامس: وجوب الإيمان بأن النبي ﷺ قد بلغ الرسالة وأكملها
من تمام نعمة الله ﷾ على هذه الأمة أن أكمل لهم دينهم فلا ينقصه أبدا، ولا يحتاج إلى زيادة أبدا، واقترن هذا الإكمال برضاه سبحانه بأن يكون هذا الدين الكامل دينا نتعبده به، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ .
وهذه الآية دليل على كمال الدين وحيا من الله، وتبليغا من رسوله ﷺ، ولقد نزلت هذه الآية الكريمة والنبي ﷺ واقف بعرفات في حجة الوداع، وعاش النبي ﷺ بعد نزولها إحدى وثمانين ليلة.
وهي شهادة من الله تعالى لنبيه ﷺ على تبليغه لما أرسله به أتم تبليغ وأكمله وبذلك جعله الله خاتم النبيين، لأن الخلق بعد هذا لن يحتاجوا إلى نبي غير نبيهم ﷺ ليكمل لهم دينهم، كما أنهم لا يحتاجون إلى دين آخر وذلك لكمال دينهم.
ووجه الدلالة من الآية على ذلك "أن الله أخبر في هذه الآية بأنه قد أكمل الدين، وإنما كمل بما بلغه، إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه، فعلم من ذلك أنه ﷺ قد بلغ جميع الدين الذي شرعه الله لعباده"١.
وما كان من النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية الكريمة إلا أن استشهد الناس على ذلك في نفس المناسبة التي نزلت فيها الآية.
فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "تركت
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٥/ ١٥٥، ١٥٦) بتصرف.
[ ١١٩ ]
فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ ".
قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: "اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات " الحديث١.
فشهد له خير قرون هذه الأمة وهم صحابته رضوان الله عليهم وكانوا في ذلك الموقف نحوا من أربعين ألفا٢.
ولقد أمر الله ﵎ رسوله ﷺ في مواطن متعددة من كتابه العزيز بأن يبلغ أمور هذا الدين البلاغ المبين الواضح فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ ٦.
وهذا الأمر والحث من الله لرسوله ﷺ على البلاغ لشرع الله والدين الذي أوحاه إليه نابع من كون الرسول ﷺ هو الطريق الوحيد الذي يعرف بواسطة ما شرعه من دين يدين العباد له به، فليس ثمت طريق آخر إلى معرفة شرع
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ (٤/ ٤١) . ٢ تفسير ابن كثير (٢/ ٧٧) . ٣ الآية (٦٧) من سورة المائدة. ٤ الآية (٨٢) من سورة النحل. ٥ الآية (٥٤) من سورة النور، والآية (١٨) من سورة العنكبوت. ٦ الآية (٤٨) من سورة الشورى.
[ ١٢٠ ]
الله وأوامره ونواهيه إلا طريقه بها فهو المبلغ عن الله تعالى، وهذه هي سنة الله في خلقه حيث جعل طريق معرفته وعبادته عن طريق من أرسله من الرسل "فلا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدارين إلا على أيدي الرسل، كما أنه لا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث والحلال من الحرام إلا من جهتهم، ولا ينال رضى الله البتة إلا على أيديهم، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير"١ وبهذا وبغيره نلمس عظم الحاجة إلى تبليغ الرسل.
ومما لا شك فيه أن الرسول ﷺ أعظم الأنبياء بلاغا فقد كان ﷺ حريصا على هداية أمته، وقد قال تعالى في حقه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ وسيرته ﷺ كلها دليل على مدى حرصه على إبلاغ رسالة ربه والتفاني في إبلاغها دون أن تأخذه في الله لومة لائم. وهو ﷺ أحق الناس بالوصف الوارد في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ ٣ "فقد امتدح الله ﵎ في هذه الآية الذين يبلغون رسالته إلى خلقه ويؤدونها بأماناتها ولا يخافون أحدا سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد
_________________
(١) ١ زاد المعاد، لابن القيم (١/ ٦٩) . ٢ الآية (١٢٨) من سورة التوبة. ٣ الآية (٣٩) من سورة الأحزاب
[ ١٢١ ]
إبلاغ رسالات الله، وسيد الناس في هذا المقام بل وفي كل مقام محمد رسول الله ﷺ فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب وإلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع"١.
ولقد أيد الله ﵎ رسوله محمدا ﷺ بكل ما يلزم لتبليغ وحي الله وشرعه، فأعطاه العصمة في التبليغ فقال تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢، فهذه الآية دليل واضح على عصمته ﷺ في كل أمر بلغه عن ربه ﵎، كما أنها شهادة وتزكية من الله ﵎ لنبيه ﷺ على سلامة شرعه الذي أوحاه إليه من كل ما ينقص منه.
وقال ﷺ: "إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله" ٣ وبالإضافة إلى عصمته في أمر التبليغ فقد عصمه الله كذلك من الناس حتى يتم له أمر إبلاغ هذا الدين وإكماله قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ فاقترن تعهد الله بعصمة رسوله من قتل الناس وإيذائهم له مع الأمر للنبي ﷺ بتبليغ ما أنزل إليه، وفى هذا الاقتران دليل جلي على أن عصمة الله تعالى وحفظه ونصره وتأييده على أعدائه قد صاحبت النبي ﷺ حتى تم له إبلاغ هذا الدين ونشره بين الناس.
ومع عصمة الله لنبيه في التبليغ، وعصمته من الناس، فكذلك عصم الله كتابه الذي أنزله إليه ليكون محفوظا من كل تحريف أو تغيير قال تعالى: ﴿إِنَّا
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٣/ ٤٩٢) بتصرف. ٢ الآيتان (٣، ٤) من سورة النجم. ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب وجوب امتثال ما قاله شرعا (٧/ ٩٥) .
[ ١٢٢ ]
نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
كما تعهد كذلك بحفظ هذا الدين وإبقاء طائفة في كل زمان من الأزمنة تنصر هذا الدين وتحفظه وتبلغه، كما جاء عن النبي ﷺ، وفي الحديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله" ٢. وفي هذه الأمور ضمان لاستمرار هذا الدين وإبلاغه لكل أهل زمان، لأنه شامل لكل الناس في كل وقت إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.
وقد أخبر ﷺ في مواطن متعددة بأنه قد أبلغ أمور الرسالة وأوضحها لأمته، وهو ﷺ الصادق المصدوق ومن ذلك قوله ﷺ: "قد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" ٣ وهذا هو الحق فقد بلغ وحي ربه وصدع بأمره، ونهض بأعباء الرسالة كما أراد الله منه، فأدى الأمانة ونصح لأمته وجاهد في الله حق جهاده، وما ترك لأمته من شيء يقربهم إلى الجنة إلا وقد دلهم عليه ورغبهم فيه، ولا من شيء يبعدهم عن النار إلا وقد حدثهم به وحذرهم منه، وبين لهم كل ما فيه صلاح دينهم ودنياهم وآخرتهم فهذه هي مهمته ورسالته ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾، وقد أتم ﵊ ما أوكل إليه على أتم وجه وأكمله فأبان الطريق ودل على
_________________
(١) ١ الآية (٩) من سورة الحجر. ٢ أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة: باب قوله من: "لا تزال طائفة من أمتي " (٦/٥٢، ٥٣) . ٣ أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٢٦) واللفظ له، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٧) ح ٤٩، وابن ماجة في السنن، المقدمة: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين (١/ ١٦) ح ٤٣، والحاكم في المستدرك (١/٩٦) وقال الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة (١/ ٢٧٠) . "حديث صحيح".
[ ١٢٣ ]
صراط الله المستقيم وترك الأمة على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
ولقد شهد الصحابة رضوان الله عليهم بهذا. فهم الذين كان النبي ﷺ بين ظهرانيهم، وكانوا ملازمين له في كل أحواله وحركاته فهم أعلم بما كان. وسأورد بعض ما ورد عنهم في هذا الشأن.
فقد سئل سلمان الفارسي١ ﵁ فقيل له"أقد أعلمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة؟
فقال: "أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول أو أن نستجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع٢ أو بعظم"٣. وعن أبي ذر ﵁ قال: "لقد تركنا محمدا ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علما"٤.
وعن عائشة٥ ﵂ قالت: "من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما
_________________
(١) ١ سلمان أبو عبد الله الفارسي أصله من رامهرمز وقيل من أصبهان سمع بالنبي ﷺ قبل مبعثه فتغرب بحثا عنه وتسبب ذلك إلى وقوعه في الرق ومنّ الله عليه بالإسلام. أول مشاهده الخندق، وكان ﵁ خيرا فاضلا حبرا عالما زاهدا، توفي عام ٣٥ هـ. الإصابة (٢/٦٠، ٦١) رقم ٣٣٥٧. ٢ الرجيع: القذرة والروث، سمي رجيعا لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعاما أو علقا. النهاية (٢/ ٢٠٣) . ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة: باب الاستطابة (١/ ١٥٤) . ٤ أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ١٥٣) . ٥ هي الصديقة أم المؤمنين واسمها عائشة بنت أبي بكر الصديق ولدت بعد البعثة بأربع سنوات أو خمس وتزوجها النبي ﷺ وهي بنت تسع وكانت ﵂ من أعلم الصحابة وأفقههم، وكانت أحب نساء النبي ﷺ، توفيت عام ٥٨هـ. الإصابة (٤/ ٣٤٨- ٣٥٠) رقم ٧٠٤٠.
[ ١٢٤ ]
أنزل الله عليه فقد كذب، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ "١. وفى رواية "من حدثك أن النبي ﷺ كتم شيئا من الوحي فلا تصدقه، إن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ "٢
وعن عائشة ﵂ قالت: "لو كتم رسول الله ﷺ شيئا مما أوحي إليه من كتاب الله لكتم ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ ٣"٤.
فمن حقه ﷺ على أمته أن يقروا له بفضله وصدقه وأمانته في تبليغ رسالة ربه التي ائتمنه عليها، وكلفه أن يقوم بها فلا يكون إيمان للمرء إذا لم يقر للرسول ﷺ بأنه قد بلغ الرسالة أعظم ما يكون التبليغ، وقام بأدائها أعظم ما يكون القيام واحتمل في سبيلها أشق ما يحتمله البشر، ومن أنكر شيئا من ذلك أو شك في صدقه فهو كافر مارق عن الإسلام مكذب لله ولرسوله.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير: باب تفسير قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، انظر فتح الباري (٨/ ٢٧٥) ح ٤٦١٢. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، انظر: فتح الباري (١٣/ ٥٠٣) ح ٧٥٣١. ٣ الآية (٣٧) من سورة الأحزاب. ٤ أخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/ ١٣) .
[ ١٢٥ ]