تمهيد
إن من الإيمان بنبوة محمد ﷺ الإيمان بجميع ما جاء به، ومما جاء به ﷺ الإخبار بعموم رسالته للإنس والجن بجميع أجناسهم وأشكالهم وألوانهم ومللهم ولغاتهم. لذا فإنه يجب أن يعلم أن الله ﷿ أرسل محمدا ﷺ إلى جميع الثقلين الإنس والجن وأنه أوجب عليهم الإيمان به وبما جاء به وطاعته، وأنه لا يسع أحدا من هؤلاء الخروج عن شريعته ولا أن يدين لله بغير ما جاء به "ومن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله"١ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٢. وعموم رسالة النبي ﷺ وعالميتها هي إحدى الخصائص التي انفرد بها ﷺ عن الأنبياء قبله، إذ كان النبي إنما يعث إلى قومه خاصة ثم يبقى غيرهم محتاجا إلى من يبلغهم أمر الله ﷿، أما محمد ﷺ فقد بعثه الله للناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فهو المبعوث رحمة للعالمين، فعمت رسالته جميع المكلفين إنسهم وجنهم، كما صحبت كذلك الزمان في مسيرته، فإذا انتهى جيل من الناس فإن الجيل الذي يليه مخاطب ومكلف بها.
والإيمان بعموم الرسالة وعالميتها هو الذي يدين به كل مسلم يؤمن بالله ورسوله، فهذا ما جاءت به آيات الكتاب الكريم ونصوص السنة الثابتة، فهو من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة والتي أجمعت عليها الأمة.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣/ ٤٢٢) . ٢ الآية (٨٥) من سورة آل عمران.
[ ٨٤ ]
المطلب الأول: الأدلة من القرآن على عموم رسالته
وردت آيات كثيرة في كتاب الله العزيز تثبت عموم دعوته وعالمية رسالته ﷺ ومن سمة هذه الآيات أنها اتصفت بتنوع العبارة مع اتحاد في المضمون الذي هو الدلالة على عموم الرسالة وعالميتها.
وسوف نعرض لهذه الآيات بحسب اتحادها في السياق.
أ- الآيات التي ورد فيها لفظ "الناس" منها:
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعا﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاس﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِم﴾ ٥.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآية (١٥٨) من سورة الأعراف. ٢ الآية (٢٨) من سورة سبأ. ٣ الآية (٧٩) من سورة النساء. ٤ الآية (١٧٤) من سورة النساء. ٥ الآية (٢) من سورة يونس. ٦ الآية (٥٢) من سورة إبراهيم.
[ ٨٥ ]
وقوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ١.
والشاهد من هذه الآيات أنها بينت شمول رسالة محمد ﷺ للناس٢ جميعا. قال صاحب اللسان: "الناس قد يكون من الإنس ومن الجن"٣.
فلفظ الناس يطلق على الجن والإنس كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ ٤ فسمى الله الجن في هذا الموضع ناسا كما سماهم في موضع آخر رجالا، فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ ٥ فجعل الجن رجالا وكذلك جعل منهم ناسا٦. وهناك رأي آخر يقول إن لفظ الناس دخل فيه الجن تغليبا٧.
والذي أراه أن الآيات تفسر بالمعنى الشامل للإنس والجن إذ لا مخصص للعموم هنا.
وكنموذج لتفسير ما أوردته من آيات في هذا الشأن أذكر ما قاله بعض علماء التفسير في بيان قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾،
_________________
(١) ١ الآية (١) من سورة إبراهيم. ٢ لفظ "الناس" فيه وجهان: أحدهما: أن يكون جمعا لا واحد له من لفظه وإنما واحده "إنسان" وواحدته "إنسانة"، والوجه الآخر: أن يكون أصله "أناس" أسقطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها تخفيفا، ثم أدخلت الألف واللام المعرفتان، فأدغمت اللام التي دخلت مع الألف فيها للتعريف في النون. انظر: تفسير الطبري (١/ ١١٦) . ٣ لسان العرب (٦/ ٢٤٤) مادة نوس. ٤ الآيتان (٥- ٦) من سورة الناس. ٥ الآية (٦) من سورة الجن. ٦ تفسيرالطرى (٣٠/٣٥٦) . ٧ تفسير ابن كثير (٤/ ٥٧٥) .
[ ٨٦ ]
قال أبو جعفر الطبري١ في تفسيرها: "قل يا محمد للناس كلهم ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ لا إلى بعضكم دون بعض، كما كان من قبلي من الرسل مرسلا إلى بعض الناس دون بعض، فمن كان منهم أرسل كذلك، فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دون بعض، لكنها إلى جميعكم"٢.
وقال ابن كثير٣: يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهذا خطاب للأحمر والأسود والعربي والعجمي ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي جميعكم وهذا من شرفه وعظمه ﷺ أنه خاتم النبيين وأنه مبعوث إلى الناس كافة"٤.
ب- الآيات التي ورد فيها لفظ "العالمين": ومنها
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٥.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ ٦.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ هو محمد بن جرير الطبري، المؤرخ المفسر الإمام، كان مولده سنة أربع وعشرين ومائتين، روى الكثير عن الجم الغفير، صنف التاريخ الحافل، وله التفسير الكامل الذي لا يوجد له نظير توفي سنة ٣١٠ هـ. البداية (١/ ١٤٥- ١٤٧) . ٢ تفسير الطبري (٩/ ٨٦) . ٣ هو إسماعيل بن عمر بن كثير البصروي الدمشقي، حافظ مؤرخ فقيه ولد سنة ٧٠١ هـ وتوفي سنة ٧٧٤ هـ وهو صاحب كتاب تفسير القرآن العظيم والبداية والنهاية. شذرات الذهب (١/٢٣١)، والأعلام (١/ ٣٢٠) . ٤ تفسير ابن كثير (٢/ ٢٥٤- ٢٥٥) . ٥ الآية (١٠٧) من سورة الأنبياء. ٦ الآية (٩٠) من سورة الأنعام. ٧ الآية (١٠٤) من سورة يوسف.
[ ٨٧ ]
وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، إن هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٣.
والمراد بالعالمين هنا هم الإنس والجن إذ هم المكلفون.
قال ابن عباس ﵄: "العالمون الجن والإنس، دليله قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ولم يكن نذيرا للبهائم"٤.
ج- الآيات التي ورد فيها لفظتا "كافة" و"جميعا" وهي:
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٥. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ٦. وهناك ثلاث عبارات هي: "الناس" و"كافة" و"جميعا" دلت جميعها على العموم.
د- الآية التي ورد فيها لفظ "ومن بلغ":
قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ٧،
_________________
(١) ١ الآبة (١) من سورة الفرقان. ٢ الآية (٥٢) من سورة القلم. ٣ الآيتان (٢٦، ٢٧) من سورة التكوير. ٤ تفسير القرطبي (١/ ١٣٨) . ٥ الآية (٢٨) من سورة سبأ. ٦ الآية (٥٨) من سورة الأعراف. ٧ الآية (١٩) من سورة الأنعام.
[ ٨٨ ]
فالشاهد من الآية هو قوله تعالى: ﴿لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ فلفظ (من) في قوله ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ من صيغ العموم، فالآية نص في عموم رسالة النبي ﷺ. ومعنى الآية أن الله يأمر رسوله ﷺ أن يقول لقومه إن الله أوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به يا أهل مكة، أو يا معشر العرب ومن بلغه هذا القرآن سواء كان عربيا أو عجميا وسواء كان موجودا الآن، أم سيأتي بعد إلى أن تقوم الساعة وهذا هو الذى ذكره أهل التفسير عند هذه الآية١
هـ- الآيات التي ورد فيها خطاب الجن ومنها:
قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ٢ إلى آخر الآيات التي نزلت في شأن دعوة الجن إلى الإيمان برسالة محمد ﷺ وسميت هذه السورة بسورة الجن.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٣ والآيات نزلت في جن نصيبين٤ عندما سمعوا القرآن، فآمن به من آمن منهم ثم ولوا إلى قومهم منذرين، ثم أتوا إلى النبي ﷺ فبايعوه على الإسلام
_________________
(١) ١ انظر على سبيل المثال، تفسير الطبري (٧/ ١٦٢، ١٦٣) وتفسير ابن كثير (٢/ ١٢٦) . ٢ الآيتان (١، ٢) من سورة الجن. ٣ الآيات (٢٩- ٣٠- ٣١) من سورة الأحقاف. ٤ مدينة تقع في تركيا بالقرب من الحدود السورية. أطلس العالم (ص ٥٢) .
[ ٨٩ ]
بشعب معروف بمكة، والأحاديث بذلك كثيرة مشهورة في الصحيح والسنن والمسند وكتب التفسير والفقه وغيرها١.
وكذلك فإن سورة الرحمن هي خطاب للثقلين الإنس والجن معا.
والآيات التي وردت في دعوة أهل الكتاب:
ومنها: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ٢.
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣.
وبالجملة فإن في القرآن من دعوة أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن دعوة المشركين وعباد الأوثان وجميع الإنس والجن ما لا يحصى إلا بكلفة وهذا كله معلوم بالاضطرار من دين الإسلام٤.
_________________
(١) ١ كتاب النبوات لابن تيمية (ص ٣٩٦) . ٢ الآية (٢٠) من سورة آل عمران. ٣ الآية (١٩) من سورة المائدة ٤ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ١١٢) .
[ ٩٠ ]