المطلب الأول: الأدلة من القرآن والسنة على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ.
١- من القرآن:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١.
وهذه الآية هي الأصل في هذا الباب٢ والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم ﷺ والتنويه به ما ليس في غيرها٣.
وهي مدنية النزول وقد جاءت بعد جملة من الآيات في سورة الأحزاب ذكر الله فيها عددا من حقوق نبيه ﷺ وما خصه به دون أمته، من حل نكاحه لمن تهب نفسها له، ومن تحريم نكاح أزواجه على الأمة من بعده، ومن سائر ما ذكر بعد ذلك من حقوقه وتعظيمه وتبجيله.
ثم ذكر رفع الجناح عن أزواجه في تكليمهن آباءهن وأبناءهن ودخولهم عليهن، وخلوتهم بهن.
ثم عقب ذلك بما هو حق من حقوقه الأكيدة على أمته، وهو أمرهم بصلاتهم عليه وسلامهم، مستفتحا ذلك الأمر بإخباره بأنه هو وملائكته يصلون عليه٤
_________________
(١) ١ الآية (٥٦) من سورة الأحزاب. ٢ المنهاج للحليمي (٢/ ١٤٣) . ٣ القول البديع (ص ٢١) . ٤ جلاء الأفهام (ص ١٧٤- ١٧٥) .
[ ٢ / ٥١٤ ]
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "والمقصود من هذه الآية أن الله ﷾ أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا"١.
"فهذه الآية شرف الله بها رسوله ﷺ في حياته وبعد موته"٢ (وفيها تنبيه على كمال الرسول ﷺ ورفعة درجته وعلو منزلته عند الله وعند خلقه ورفع ذكره، فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ﴾ أي يثني الله عليه بين الملائكة وفي الملأ الأعلى لمحبته تعالى، ويثني عليه الملائكة المقربون ويدعون له ويتضرعون.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ اقتداء بالله وملائكته وجزاء له على بعض حقوقه عليكم، وتكميلا لإيمانكم، وتعظيما له ﷺ ومحبة وإكراما وزيادة في حسناتكم وتكفيرا من سيئاتكم"٣.
قال الحليمي: " وقد أمر الله تعالى في كتابه بالصلاة والتسليم عليه جملة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فأمر الله عباده أن يصلوا عليه ويسلموا، وقدم قبل أمرهم بذلك إخبارهم بأن ملائكته يصلون عليه، لينبئهم بذلك على ما في الصلاة
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٣/ ٥٠٧) . ٢ تفسير القرطبي (١٤/ ٢٣٢) بتصرف ٣ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي (٦/١٢٠-١٢١) .
[ ٢ / ٥١٥ ]
عليه من الفضل، إذ كانت الملائكة مع انفكاكهم من شريعته تتقرب إلى الله بالصلاة والتسليم عليه ليعلموا أنهم بالصلاة والتسليم عليه أولى وأحق "١.
ب- من السنة النبوية:
ورد في شأن الصلاة على النبي ﷺ كثير من الأحاديث التي وضحت وبينت ما يتعلق بشأن هذه الصلاة من جهة مشروعيتها وكيفيتها ومواطنها وفضلها إلى غير ذلك من الجوانب المتعلقة بها.
وقد روى هذه الأحاديث ما جمع من الصحابة رضوان الله عليهم عدهم ابن القيم في كتابه "جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام" فبلغوا اثثين وأربعين صحابيا.
وقد جمع ابن القيم هذه الأحاديث وبين طرقها وصحيحها من حسنها ومعلولها، وما في معلولها من العلل بيانا شافيا.
وسيأتي ذكر بعض هذه الأحاديث في مواضعها المناسبة في المطلب القادم وذلك تلافيا للتكرار والإعادة.
_________________
(١) ١ المنهاج للحليمي (٢/ ١٣١) .
[ ٢ / ٥١٦ ]