تمهيد:
سبق الحديث في الفصل الثاني، من هذا الباب عن بعض الأمور التي يتعين على هذه الأمة أداؤها والقيام بها في باب تعظيم النبي ﷺ وتعزيره وتوقيره. وفي هذا الفصل نتناول جانبا مهما من جوانب توقيره وتعظيمه ﷺ، وذلك هو الصلاة والسلام عليه ﷺ.
فقد أمرنا الباري ﵎ أن نصلي ونسلم على نبينا محمد ﷺ، وذلك تشريف منه ﷿ لنبيه ورسوله ﷺ وإظهار للاحترام والتعظيم الذي شرعه في حقه فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١ فهذه الآية فيها من تعظيم النبي ﷺ والتنويه به ما ليس في غيرها، وذلك بسبب ما فيها من تمييز للنبي ﷺ عند ذكره ولا شك أن ذلك فيه رفع لقدره وإعلاء لمكانته في حياته وبعد موته.
ولذلك فإن من أعظم شعب الإيمان الصلاة والسلام على النبي ﷺ محبة له وأداء لحقه وتعظيما لقدره، والمواظبة عليها من باب أداء شكره ﷺ، وشكره واجب لعظمة الإنعام به، فقد جعله الله سببا لنجاتنا من الجحيم، ودخولنا في دار النعيم، وإدراكنا الفوز بأيسر الأسباب، ونيلنا السعادة من كل الأبواب.
وليست صلاتنا على النبي ﷺ شفاعة منا له فإن مثلنا لا يشفع لمثله ولكن الله أمرنا بالمكافأة لمن أحسن إلينا وأنعم علينا، فإن عجزنا عنها كافيناه بالدعاء فأرشدنا الله- لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا- إلى الصلاة عليه لتكون صلاتنا عليه مكافأة بإحسانه إلينا وإفضاله علينا إذ لا إحسان لمخلوق أفضل من إحسانه
_________________
(١) ١ الآية (٥٦) من سورة الأحزاب.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
ﷺ، وكذلك فإن المقصود بصلاتنا على النبي ﷺ هو التقرب إلى الله تعالى بامتثال ما أمر به، وقضاء لحق من حقوق لصطفى ﷺ التي أوجبها الله علينا فحق على هذه الأمة أن تعظم قدر نبيها وذلك بأن تكثر من الصلاة والسلام عليه ﷺ اتباعا لأمر ربها ﵎ وقياما بما لنبيها ﷺ من الحق عليها. وقد اعتنى العلماء بهذه الخصيصة العظيمة فأفردوها بالتأليف وتناولوا في مؤلفاتهم تلك جوانب هذا الموضوع،، من أشهر تلك المؤلفات وأجمعها كتاب "جلاء الأفهام" في الصلاة والسلام على خير الأنام للعلامة ابن القيم، بل هو أشهرها وأحسنها.
ومن تلك المؤلفات كتاب القول البديل في الصلاة على الحبيب الشفيع للسخاوي١ المتوفى سنة ٩٠٢هـ وقد ختم كتابه هذا ببيان الكتب المصنفة في الصلاة على النبي ﷺ وذكر جملة كبيرة من هذه الكتب مرتبة٢.
_________________
(١) ١ محمد بن عبد الرحمن بن محمد شمس الدين السخاوي،. مؤرخ حجة وعالم بالحديث والتفسير والأدب، وصنف زهاء مئتي كتاب، توفي بالمدينة. الأعلام (٦/ ١٩٤) . ٢ انظر: القول البديع (ص ٢٥٨- ٢٥٩) .
[ ٢ / ٤٩٨ ]
المطلب الأول: المعنى اللغوي للفظة "الصلاة".
قال الخليل بن أحمد١: "الصلاة: ألفها واو لأن جماعتها الصلوات ولأن التثنية صلوان"٢.
ومادة (ص. ل. و) وردت في اللغة لمعان منها:
١- «الصلاة»:
وهو وسط الظهر لكل ذي أربع وللناس. وقيل: ما انحدر من الوركين٣. قال الخليل بن أحمد: " والصلاه، وسط الظَّهْر لكل ذي أربع وللناس وكل أنثى إذا ولدت انفرج صلاها قال:
كأن صلا جهيزة حين قامت حباب الماء يتبع الحبابا
وإذا أتى الفرس على أثر الفرس السابق قيل: صلى، وجاء مصليا لأن رأسه يتلو الصلا يين يديه"٤.
وقال الأزهري: "وقال أهل اللغة في الصلاة: إنها من الصلوين، وهما مكتنفا الذنب من الناقة وغيرها، وأول مواصل الفخذين من الإنسان فكأنهما في الحقيقة مكتنفا العصعص وأما المصلى الذي يلي السابق فهو مأخوذ من
_________________
(١) ١ الخليل بن أحمد الفراهيدي من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العروض، وهو أستاذ سيبويه النحوي، ومن أشهر كتبه كتاب العين، ترفي سنة ١٧٠هـ بالبصرة. الأعلام (٢/ ٣١٤) . ٢ كتاب العين (٧/ ١٥٣) . ٣ الصلات والبشر (ص ٦) . ٤ كتاب العين (٧/ ١٥٣) .
[ ٢ / ٥٠٠ ]
الصلوين لا محالة، وهما مكتنفا ذنب الفرس، فكأنه يأتي ورأسه في ذلك المكان"١. وقد قيل إن اشتقاق الصلاة الشرعية هو من هذا.
قال الحليمي: "وقيل للصلاة المعهودة صلاة لما فيها من حني الصلا وهو وسط الظهر"٢.
٢- "الصلى" بالقصر وهي النار:
قال الخليل بن أحمد: "والصلا: النار، وصلى الكافر نارا فهو يصلاها أي قاسى حرها وشدتها، وصليت اللحم صليا: شويته، وإذا ألقيته في النار قلت: أصليته أصليه إصلاء، وصليته، تصلية"٣.
وفي معجم مقاييس اللغة: "صلى: الصاد واللام والحرف المعتل أصلان: أحدهما: النار وما أشبهها من الحمى فقولهم: صليت العود بالنار، والصلى صلى النار. واصطليت بالنار. والصلاء: ما يصطلى به وما يذكى به النار ويوقد وقال:
فجعل العود واليلنجوج والرذ صلاء لها على الكانون٤
قال الفيروز أبادي٥.
"وقيل اشتقاق لفظة الصلاة من الصلى بالقصر وهي النار من صليت العصا إذا قومتها بالنار فالمصلي كأمنما يسعى لتعديل باطنه
_________________
(١) ١ تهذيب اللغة (١٢/ ٢٣٧) . ٢ المنهاج (٢/ ١٣٣) . ٣ كتاب العين (٧/ ١٥٤) . ٤ معجم مقاييس اللغة (٣/ ٣٠٠) . ٥ محمد بن يعقوب بن محمد بن الفيروز أبادي، من أئمة اللغة والأدب وكان مرجع عصره في اللغة والحديث والتفسير، توفي سنة ٨١٧ هـ في زبيد باليمن وأشهر مؤلفاته القاموس المحيط. الأعلام (٧/ ١٤٦- ١٤٧) .
[ ٢ / ٥٠١ ]
وظاهره كمن يحاول تقويم العود بالنار"١.
٣- "الصلاة" الملازمة:
قال الأزهري: "قال الزجاج الأصل في الصلاة اللزوم يقال: قد صلى واصطلى إذا لزم، ومن هذا من يصلى في النار: أي يلزم النار فالصلاة لزوم ما فرض الله، والصلاة من أعظم الفرض الذي أمر بلزومه"٢.
وقال الفيروز أبادي "وقيل الصلاة الملازمة، ومنه قوله ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ ٣ ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ ٤ ومنه سمي ثاني أفراس الحلبة مصليا"٥.
٤- «الصلاة» الدعاء:
حاء في معجم مقاييس اللغة "صلى: الصاد واللام والحرف المعتل أصلان: أحدهما: النار وما أشبهها من الحمى- وقد تقدم ذكره- والآخر جنس من العبادة
وأما الثاني: فالصلاة وهي الدعاء، وقال رسول الله ﷺ: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل" ٦ أي فليدع لهم بالخير والبركة.
_________________
(١) ١ الصلات والبشر (ص ٥- ٦) ٢ تهذيب اللغة (٢ ١/ ٢٣٨) . ٣ الآية (٤) من سورة الغاشية. ٤ الآية (٣) من سورة المسد. ٥ الصلاة والبشر (ص ٦) . ٦ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة (٤/١٥٣) .
[ ٢ / ٥٠٢ ]
قال الأعشى١:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا يارب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوما فإن لجنب المرء مضطجعا٢
وقال في صفة الخمر:
وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسم٣٤
"أي دعا لها ألا تحمض وتفسد"٥.
وأورد هذا المعنى أيضا الأزهري في تهذيب اللغة٦.
وقال ابن القيم "وأصل هذه اللفظة يرجع إلى معنيين: أحدهما: الدعاء والتبريك. والثاني: العبادة. فمن الأول قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ ٧. وقوله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ ٨ وقول النبي صلى الله عليه وسم: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان
_________________
(١) ١ اسمه ميمون بن قيس بن جندل من بني قيس بن ثعلبة الوائلي من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية وأحد أصحاب المعلقات أدرك الإسلام ورحل إلى الرسول ﷺ ليؤمن به، ولكن قريشا صرفته بمئة من الإبل. الأعلام (٧/ ٣٤١) . ٢ ديوان الأعشى (٧٣) . ٣ المصدر السابق (٢٩) . ٤ معجم مقاييس اللغة (٣/ ٣٠٠) . ٥ تهذيب اللغة (١٢/ ٢٣٧) . (١٢/ ١٣٦) . ٧ الآية (١٠٣) من سورة التوبة. ٨ الآية (٨٤) من سورة التوبة.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
صائما فليصل" فسر بهما. قيل: فليدع لهم بالبركة. وقيل: يصلي عندهم بدل أكله. وقيل إن الصلاة في اللغة معناها الدعاء.
والدعاء نوعان: دعاء عبادة. ودعاء مسألة. والعابد داع كما أن السائل داع، وبهما فسر قوله تعالى ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ١. قيل: أطيعوني أثبكم. وقيل: سلوني أعطكم. وفسر بهما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ٢".
ثم قال رحمه الله تعالى: "والصواب: أن الدعاء يعم النوعين، وهذا لفظ متواطئ لا اشتراك فيه٣، فمن استعماله في دعاء العبادة قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ
_________________
(١) ١ الآية (٦٠) من سورة غافر. ٢ الآية (١٨٦) من سورة البقرة. ٣ الألفاظ على أربعة أقسام: ا- الألفاظ المترادفة: وهي ما اختلفت ألفاظها واتحدت معانيها مثل: الليث، الأسد، الغضنفر ألفاظ مختلفة ولكنها جميعها دلت على معنى واحد وهو الحيوان المعروف.
(٢) الألفاظ المشتركة: وهي ما اتحدت ألفاظها واحتلفت معانيها مثل: العين: تطلق على العين الباصرة، والعين الجارية، والجاسوس.
(٣) الألفاظ المتباينة: ما اختلفت ألفاظها ومعانيها. مثل: السماء والأرض- الجدار والسقف.
(٤) الألفاظ المتواطئة: ما اتفقت ألفاظها ومعانيها. فإذا كان المعنى متساويا في الجميع فهو التواطؤ المطلق ومثاله: "الرجل": لزيد وعمرو. وإذا كان المعنى متفاضلا فهو التواطؤ المشكك ومثاله "النور"، للشمس والسراج. التحفة المهدية (١/ ٢٠٩) . ٤ الآية (٢٢) من سورة سبأ.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ ٢ والصحيح من القولين لولا أنكم تدعونه وتعبدونه أي: شيء يعبأه بكم لولا عبادتكم إياه فيكون المصدر مضافا إلى الفاعل. وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ٣، وقال تعالى إخبارا عن أنبيائه ورسله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ ٤.
وهذه الطريقة أحسن من الطريقة الأولى، ودعوى الخلاف في مسمى الدعاء.
وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاة الشرعية، هل هو منقول عن موضعه في اللغة فيكون حقيقة شرعية أو مجازا شرعيا.
فعلى هذا تكون الصلاة باقية على مسماها في اللغة وهو الدعاء، والدعاء، دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والمصلي من حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة ودعاء المسألة فهو في صلاة حقيقة لا مجازا ولا منقولة، لكن خص اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة كسائر الألفاظ التي يخصها أهل اللغة والعرف ببعض مسماها كالدابة والرأس ونحوهما، فهذا غاية تخصيص اللفظ وقصره على بعض موضوعه، ولهذا لا يوجب نقلا ولا خروجا عن موضوعه الأصلي والله أعلم. انتهي٥.
_________________
(١) ١ الآية (٢٠) من سورة النحل. ٢ الآية (٧٧) من سورة الفرقان. ٣ الآيتان (٥٥، ٥٦) من سورة الأعراف. ٤ الآية (٩٠) من سورة الأنبياء. ٥ جلاء الأفهام (ص ٧٣- ٧٤) .
[ ٢ / ٥٠٥ ]