تمهيد:
تقدم في المبحث السابق الحديث عن وجوب الإيمان بأن النبي ﷺ قد بلغ الرسالة وأكملها، وأشرت إلى أن هذا البلاغ قد اقترن بعصمة الله لنبيه ﷺ في كل ما يبلغه عن ربه ﷿.
ولقد رأيت أن أفرد هذا المبحث في الحديث عن عصمته ﷺ في هذا الجانب وفي الجوانب الأخرى التي عصم فيها باعتبار أن أمر الإيمان بعصمته من الأمور الداخلة في الحقوق الواجبة له والتي يجب على الأمة الإيمان له بها.
وقد ضمنت هذا المبحث ثلاثة مطالب:
[ ١٢٧ ]
المطلب الأول: تعريف العصمة
المعنى اللغوي:
العصمة وردت في اللغة لعدة معان منها:
ا- المنع:
قال صاحب اللسان: "العصمة في كلام العرب: المنع، وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه. عَصَمه، يَعْصِمه، عَصْما: منعه ووقاه"١.
٢- الحفظ:
قال صاحب اللسان: "والعصمة الحفظ، يقال: عصمته فانعصم، واعتصمت بالله إذا امتنعت بلطفه من المعصية"٢
٣- القلادة:
قال صاحب اللسان: "العصمة القلادة"٣، وكذا في القاموس المحيط٤.
٤- الحبل:
قال الزجّاج٥: "أصل العصمة: الحبل وكل ما أمسك شيئا فقد
_________________
(١) ١ لسان العرب (١٢/ ٤٠٣) مادة عصم. ٢ لسان العرب (١٢/ ٤٠٤) . ٣ المصدر السابق (١٢/ ٤٠٥) . (٤/١٥٢، ١٥٣) . ٥ الزجّاج - بفتح الزاي والجيم المشددة - أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج النحوي كان عالما أديبا ديِّنا صنف كتابا في معاني القرآن، روى عن المبرد وثعلب وغيرهما، توفي في بغداد سنة ٣١١ هـ. وفيات الأعيان (١/ ٣٢) .
[ ١٢٨ ]
عصمه"١.
٥- السبب:
قال الطبري: "وللسبب الذي يتسبب به الرجل إلى حاجته: عاصم ومنه قول الشاعر:
إلى المرء قيس أطيل السرى وآخذ من كل حي عصم٢
يعنى بالعصم: الأسباب، أسباب الذمة والأمان"٣.
قلت: إذا أمعنت النظر في هذه المعاني وجدتها جميعا ترجع إلى المعنى الأول الذي هو "المنع" فالحفظ منع للشيء من الوقوع في المكروه أو المحظور، والقلادة تمنع سقوط الخرز منها، والحبل يمنع من السقوط والتردي، والسبب يمنع صاحبه عما يكره.
المعنى الشرعي:
أما عصمة النبي ﷺ فقد عرفت بعدة تعريفات ولعل من أحسنها وأسلمها ما ذكره صاحب كتاب نسيم الرياض بأنها "لطف من الله تعالى يحمل النبي على فعل الخير ويزجره عن الشر مع بقاء الاختيار تحقيقا للابتلاء"٤
_________________
(١) ١ لسان العرب (١٢/ ٤٠٥) . ٢ ديوان الأعشى (ص ٣٧) بشرح الدكتور محمد حسين. ٣ تفسير الطبري (٤/ ٢٦) . ٤ نسيم الرياض في شرح الشفا للقاضي عياض (٤/ ٣٩) .
[ ١٢٩ ]