يؤمن المسلم أنه بفعله للطاعات وسائر العبادات يفعل ذلك كله ابتغاء مرضاة الله ورجاء ما عنده من الثواب العاجل في الدنيا والآجل في الآخرة.
ذلك لأن كل عمل صالح مشروع له ثمرة، فالله سبحانه كريم يجود على أهل طاعته وعبادته، ويمن عليهم بفضله في فيضاعف لهم درجات أعمالهم. قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ ٣.
والمحبة من أفضل أعمال العباد وأحبها إلى الله ﷿، فبها يذوق العبد حلاوة الإيمان كما في الحديث "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار"٤.
وبها يستكمل الإيمان كما في الحديث: "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" ٥.
وهي من أفضل الإيمان كما في حديث معاذ بن جبل ﵁ أنه سئل
_________________
(١) ١ الآية (٣٨) من سورة النور. ٢ الآية (٢٤) من سورة التوبة. ٣ الآية (٨٤) من سورة القصص. ٤ تقدم تخريجه ص ٤٣. ٥ تقدم تخريجه ص ٣١١.
[ ٣٧١ ]
رسول الله ﷺ عن أفضل الإيمان؟
قال: "أفضل الإيمان أن تحب لله وتبغض لله في الله وتعمل لسانك في ذكر الله " ١. فهذه الأحاديث تبين اكتساب المحبة لهذه الدرجة الرفيعة من الدين فمن أعظم الواجبات على المؤمن محبة الله ومحبة ما يحبه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة وما يحبه من الأشخاص كالأنبياء والملائكة وصالحي بني آدم وموالاتهم، وبغض ما يبغضه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. مع وجوب تقديم محبة الله تعالى على جميع المحاب وإيثار مرضاته على حظوظ النفس.
ولقد دلت النصوص على عظم ثواب المحبة ومدى نفع ثمرتها.
والحديث هنا عن ثمرة المحبة يتناول محبة الله ومحبة رسوله ﷺ وذلك لما بين الأمرين من التلازم.
فمحبة الله لا تتم إلا بمحبة ما يحبه الله وكراهة ما يكرهه.
ولا طريق إلى معرفة ما يحبه وما يكرهه إلا بإتباع ما أمر به واجتناب ما نهي عنه، فصار من لوازم محبته ﷾ محبة رسوله ﷺ وتصديقه ومتابعته، ولهذا قرن الله محبته ومحبة رسوله ﷺ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٢.
وورد مثل ذلك في كلام النبي ﷺ كما في حديث: "ثلاث من كن فيه وجد
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٢٤٧) . ٢ الآية (٢٤) من سورة التوبة.
[ ٣٧٢ ]
بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ٠٠٠" الحديث. ومما تجدر الإشارة إليه كذلك أن كلا من الحب، والإيمان والتصديق هي حقوق مشتركة بين الله ورسوله. فالله ﷾ كما أوجب الإيمان به على خلقه أوجب كذلك عليهم الإيمان برسوله ﷺ قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ .
تال تعالى: ﴿ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
وكذا الحال بالنسبة للتصديق قال تعالى: ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ١
وقد نظم ابن القيم ﵀ هذا في نونيته حيث قال:
والحب والإيمان والتصديق لا يختص بل حقان مشتركان٢
وثمار محبة الله ورسوله منها ما هو دنيوي، ومنها ما هو أخروي. وسنعرض لكلا النوعين ليعلم المسلم عظم فضل الله على عباده المحبين له ولرسوله.
_________________
(١) ١ الآية (٢٢) من سورة الأحزاب. ٢ شرح النونية لابن عيسى (٢/ ٣٤٧) وتكميلا للفائدة: فإن الحق الذي يختص الله به على عباده دون سواه هو: عبادته بأمره لا بهوى النفس، وذلك كالحج والصلاة والذبح والنذر واليمين والتوبة والتوكل والإنابة والرجاء ونحوها من العبادات فهي حق لله لا يشاركه فيه غيره. وأما الحق الذي يختص بالرسول ﷺ فهو التعزير والتوقير كما في قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ الآية (٩) من سورة الفتح. انظر: شرح النونية لابن عيسى (٢/ ٣٤٨) .
[ ٣٧٣ ]
المطلب الأول: ثمار المحبة في الحياة الدنيا
من أعظم ثمار المحبة في هذه الحياة الدنيا هو ما تورثه في الجوارح من فعل للطاعات والقربات مما يرضي الله ﷿ ويكسب محبته.
فمتى ما تمكنت المحبة من القلب واستغرق بها واستولت عليه لم تنبعث الجوارح إلا إلى رضا الرب وطاعته، وصارت النفس مطمئنة حينئذ بإيرادة مولاها عن مرادها وهواها، فمن أحب الله لم يكن شيء عنده آثر من رضاه.
وهذا هو معنى الحديث الإلهي "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها "الحديث١.
فالمحبة الصادقة شجرة في القلب عروقها الذل للمحبوب، وساقها معرفته، وأغصانها خشيته، وورقها الحياء منه، وثمرتها طاعته، ومادتها التي تسقيها ذكره٢.
فالمحبة تملأ القلب ذلا لله وتكسبه معرفة وخشية وخوفا وحياء من الله ﵎، لتثمر بذلك طاعته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه وخشيته في السر والعلانية، وثمار الطاعة لا تعد ولا تحصى وأعظمها: محبة الله للعبد وهذا أشرف مقصود وأرفع درجة وأعظم مقام يناله العبد. ثوابا وثمرة لمحبته لله ﷿.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب التواضع. فتح الباري (١١/ ٣٤٠- ٣٤١) ح ٦٥٠٢. ٢ روضة المحبين (ص ٤٠٩) .
[ ٣٧٤ ]
وقد يظن البعض أن الغاية هي أن تحب لله، ولكن الأمر خلاف ذلك، فالغاية أن يحبك الله ﷿ وليست الغاية أن تحب الله ﷿، فالمؤمن يسعى لهذه الغاية ويتمنى تحققها والفوز بها قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ١.
فالآية هنا إشارة إلى ثمرة المحبة ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ قال ابن القيم عند هذه الآية "فجعل سبحانه متابعة رسوله سببا لمحبتهم له، وكون العبد محبوبا لله أعلى من كونه محبا لله، فليس الشأن أن تحب الله ولكن الشأن أن يحبك الله"٢.
وقد وصف الله سبحانه نفسه في كتابه العزيز بأنه يحب عباده المؤمنين، ويحبونه، وأخبر أنهم أشد حبا لله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ٣. ووصف نفسه بأنه الودود ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ ٤ والودود هو الحبيب، والود خالص الحب، فهو يود عباده المؤمنين ويودونه٥.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ ٦ قال بعض السلف في تفسيرها يحبهم ويحببهم إلى عباده٧.
فالفوز بمحبة الله فيه الخير كله فعن أنس بين مالك ﵁ قال: قال
_________________
(١) ١ الآية (٩) من سورة آل عمران. ٢ روضة المحبين ص (٢٦٦) . ٣ الآية (١٦٥) من صورة البقرة. ٤ الآية (١٤) من سورة البروج. ٥ روضة المحبين (٤٠٩) . ٦ الآية (٩٦) من سورة مريم. ٧ روضة المحبين ص (٤١٢) .
[ ٣٧٥ ]
رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿ أنه قال: "من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترقا عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشى، ولئن سألني لأعطنه ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه"١.
فتأمل كمال الموافقة في الكراهة كيف اقتضى كراهة الرب تعالى لمساءة عبده بالموت لما كره العبد مساخط ربه، وكمال الموافقة كيف اقتضى موافقته في قضاء حوائجه وإجابة طلباته وإعاذته مما استعاذ به، كما قالت عائشة ﵂ للنبي ﷺ: "ما أرى ربك إلا يسارع في هواك"٢.
وتأمل "الباء" في قوله "فبي يسمع وبي، يبصر وبي يبطش وبي يمشي" كيف تجدها مبينة لمعنى قوله "كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به الخ " فإن سمع سمع بالله، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش بطش به، وإن مشى مشى به، وهذا تحقيق قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٤ وقوله تعالى:
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه (ص ٣٧٤) ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، تفسير سورة الأحزاب باب (٧) . فتح الباري (٨/ ٥٢٤- ٥٢٥) ح ٤٧٨٨، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب القسم بين الزوجات (٤/ ١٧٤) . ٣ الآية (١٢٨) من سورة النحل. ٤ الآية (٦٩) من سورة العنكبوت.
[ ٣٧٦ ]
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١
وتأمل كذلك كيف جعل محبته لعبده متعلقة بأداء فرائضه، والتقرب إليه بالنوافل بعدها لا غير، وفي هذا تعزية لمدعي محبته بدون ذلك أنه ليس من أهلها، وإنما معه الأماني الباطلة والدعاوي الكاذبة٢.
ومما يناله العبد كذلك من محبة الله له محبة من في السماء له ووضع القبول له في أهل الأرض.
فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: "إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض " ٣.
وفي لفظ لمسلم: "إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه " قال: فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء. قال: ثم يوضع له القبول في الأرض " الحديث٤.
وفي لفظ آخر لمسلم عن سهيل بن أبي صالح قال: كنا بعرفة فمر عمر بن عبد العزيز وهو على الموسم فقام الناس ينظرون إليه. فقلت لأبي: يا أبت إني أرى الله يحب عمر بن عبد العزيز.
قال: وما ذاك؟
_________________
(١) ١ الآية (١٩) من سورة الأنفال. ٢ روضة المحبين (ص ٤١١) . ٣ أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب المقة (المحبة) من الله تعالى. انظر: فتح الباري (١٠/ ٤٦١) ح ٦٠٤٠ ٤ أخرجه مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده (٨/ ٤٠، ٤١) .
[ ٣٧٧ ]
قلت: لما له من الحب في قلوب الناس.
فقال: إني سمعت أبا هريرة ﵁ يحدث عن رسول الله ﷺ ثم ذكر الحديث١
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده (٨/ ٤١) .
[ ٣٧٨ ]