المطلب الأول: منهجهم في الاتباع.
بعث الله ﵎ رسوله ﷺ بالرسالة الجامعة الخاتمة ألا وهي رسالة الإسلام التي ارتضاها ﷿ لتكون دينا ومنهاجا، يسير عليه الجن والإنس في حياتهم الدنيا حتى يتم لهم صلاح معاشهم الذي هم فيه، ومعادهم الذي سيصيرون إليه.
ولقد شاء ﵎ أن يجعل لهذه الرسالة مصدرين للتلقي هما:
١- القرآن الكريم، ٢- السنة النبوية.
فالقرآن الكريم هو المصدر التشريعي الأول في الإسلام وهو كلام الله المنزل على رسوله ﷺ بواسطة جبريل ﵇.
والسنة هي المصدر الثاني لأنها مبينة لأحكامه موضحة لإبهامه ومخصصة لعمومه ومقيدة لإطلاقه وشارحة لأحكامه وأهدافه.
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
فالرسول ﷺ كما خص بالوحي المتلو وهو القرآن الكريم كذلك خص بالوحي غير المتلو وهو السنة التي لا مندوحة عن اتباعها.
_________________
(١) ١ الآية (٤٤) من سورة النحل. ٢ الآية (٦٤) من سورة النحل.
[ ٢١٨ ]
قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ . وقال ﷺ: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" ١. وبناء على ذلك فإن القرآن والسنة هما المنهلان العظيمان اللذان تستقي منهما الأمة المسلمة عقيدتها وشريعتها وكل ما فيه صلاح شؤونها في دنياها وآخرتها وهما المنهاج والنبراس الذي سار عليه السلف من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، في طاعتهم واتباعهم للنبي ﷺ، وذلك لاعتقادهم أن النبي ﷺ قد جاء بهذين الأصلين وحيا من عند الله ﷿، كما أنه أمر باتباعهما والأخذ بما فيهما اعتقادا وقولا وعملا. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، فهم من هذا المنطلق التزموا وتمسكوا بالقرآن والسنة وتلقوهما بالقبول والتسليم والإيمان والتعظيم فأحلوا حلالهما وحرموا حرامهما واتخذوا منهما منهجا لجميع شؤونهم وأحوالهم يرجعون إليه امتثالا لنداء الله حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .
قال ابن القيم: "إن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته"٢.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة: باب في لزوم السنة (٥/ ١٠) ح ٤٦٠٤ وأخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٢٤٣) . ٢ إعلام الموقعين (١/ ٤٩، ٥٥) .
[ ٢١٩ ]
ومن هذين الأصلين - الكتاب والسنة - استقى السلف المسلك القويم والمنهج السليم الذي ساروا عليه في طاعتهم واتباعهم لرسولهم ونبيهم محمد ﷺ وهذا المنهج يمكن تلخيصه في النقاط الرئيسية التالية:
أولا: اتباع القرآن الكريم:
فالقرآن الكريم هو كلام الله المنزل على نبيه محمد ﷺ وحيا بواسطة جبريل ﵇، والذي تولى الله ﷾ حفظه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
كما جعله نظاما ومنهجا يهتدي به عباده المؤمنون كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
ولقد اعتنى السلف بكتاب الله ﷿ فحفظوه في صدورهم ومصاحفهم وصاروا يتلونه آناء الليل وأطراف النهار، وينفذون أحكامه وشرائعه جيلا بعد جيل في جميع جوانب حياتهم الفردية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها من الأمور الدنيوية والأخروية.
كما تفرغ عبر القرون ثلة من خيارهم لدراسته وتفسيره واستنباط أحكامه ومعرفة ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، والاعتبار بدعوته وقصصه، ووعظه وإرشاداته وأمثاله.
وهذا الموقف من السلف الصالح يمثل مظهرا من مظاهر التأسي والاقتداء بما كان عليه النبي ﷺ، كما يعد تطبيقا عمليا لما أوصى به ﵊ أمته
_________________
(١) ١ الآية (٩) من سورة الحجر. ٢ الآية (٢) من سورة البقرة.
[ ٢٢٠ ]
حيث قال: "تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله " ١
ثانيا: اتباع سنته ﷺ والعمل بها:
فلقد أوجب الله على العباد طاعة رسوله ﷺ واتباعه وقد تقدم إيراد الأدلة على ذلك٢.
ولقد عمل السلف بما أوجبه الله تعالى فأخذوا بسنة نبيهم ﷺ وعملوا بها أمرا ونهيا وخبرا، فكانت أقواله وأفعاله وتقريراته هي المصدر الثاني بعد كتاب الله ﷿ الذي تستقي منه الأمة أحكامها وتشريعاتها في شتى شؤون حياتها. ويعتقد السلف أن للسنة استقلاليتها في تشريع الأحكام وهي كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام، فالأحكام التي سكت القرآن عن بيان حكمها وورد في السنة بيانها، فإن السلف يعملون بهذه الأحكام ويأخذون بها، ولا يرون أن هناك تعارضا البتة بين الأصلين.
كما يعتقد السلف أن علاقة السنة بالمصدر الأول الذي هو القرآن تسير وفق الأوجه الثلاثة التالية:
١- أن تكون السنة موافقة للقرآن من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها وذلك مثل الأحاديث التي تفيد وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم من غير تعرض لشرائطها وأركانها.
٢- أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له، وذلك مثل الأحاديث التي فصلت أحكام وهيئات الصلاة والصيام والحج والبيوع والمعاملات التي وردت مجملة في القرآن، وهذا القسم هو أغلب ما في السنة وأكثرها ورودا.
_________________
(١) ١ تفدم تخريجه ص ١٢٠ ٢ انظر: المبحث الأول من هذا الفصل.
[ ٢٢١ ]
٣- أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن على إيجابه، أو محرمة لما سكت عن تحريمه، كالأحاديث التي أثبتت حرمة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وأحكام الشفعة وغير ذلك.
فالسنة الصحيحة لا تخرج عن هذه الضوابط، كما أنها لا تعارض القرآن بوجه ما، فما كان منها زائدا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي ﷺ تجب طاعته فيه ولا تحل معصيته، وليس هذا تقديما لها على كتاب الله، بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله التي أمر الله بها على جهة الاستقلال فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ فهذه الطاعة المأمورون بها هي طاعة مختصة به صلى الله عليه وسلم١، ويجب علينا العمل بها.
فالسلف يؤمنون "بأن الله سبحانه نصَّب رسول الله ﷺ منصب المبلغ المبين عنه، فكل ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن الله أن هذا شرعه ودينه، ولا فرق يين ما يبلغه عنه من كلامه المتلو ومن وحيه الذي هو نظير كلامه في وجوب الاتباع، ومخالفة هذا كمخالفة هذا.
فعلى سبيل المثال فإن الله أمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان، ثم جاء البيان عن رسوله ﷺ بمقادير ذلك وصفاته وشروطه، فوجب على الأمة قبوله، إذ هو تفصيل لما أمر الله به، كما يجب علينا قبول الأصل المفصل، وهكذا أمر الله سبحانه بطاعته وطاعة رسوله، فإذا أمر الرسول بأمر، كان تفصيلا وبيانا للطاعة المأمور بها، وكان فرض قبوله
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين (٢/ ٣٠٧، ٣٠٨) .
[ ٢٢٢ ]
كفرض قبول الأصل المفصل، ولا فرق بينهما، والبيان من النبي ﷺ على أقسام:
أحدها: بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيا.
الثاني: بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك كما بين أن الظلم المذكور في قوله ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ١ هو الشرك وأن الحساب اليسير هو العرض وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض الليل وسواد النهار.
الثالث: بيانه بالفعل كما بين أوقات الصلاة للسائل بفعله.
الرابع: بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن فنزل القرآن ببيانها، كما سئل عن قذف الزوجة فجاء القرآن باللعان ونظائره.
الخامس: بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنا، كما سئل عن رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بالخلوق فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبة ويغسل أثر الخلوق.
السادس: بيانه للأحكام بالسنة ابتداءً من غير سؤال، كما حرم عليهم لحوم الحمر، والمتعة، وصيد المدينة، ونكاح المرأة على عمتها وخالتها وأمثال ذلك.
السابع: بيانه للأمة جواز الشيء بفعله هو له، وعدم نهيهم عن التأسي به.
الثامن: بيان جواز الشيء بإقراره لهم على فعله وهو يشاهده، أو يعلمهم يفعلونه.
التاسع: بيانه إباحة الشيء عفوا بالسكوت عن تحريمه وإن لم يأذن فيه نطقا.
العاشر: أن يحكم القرآن بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته ويكون لذلك الحكم شروط وموانع وقيود وأوقات مخصوصة وأحوال وأوصاف، فيحيل الرب ﷾ على رسوله في بيانها كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا
_________________
(١) ١ الآية (٨٢) من سورة الأنعام.
[ ٢٢٣ ]
وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ١ فالحل موقوف على شروط النكاح وانتفاء موانعه وحضور وقته وأهلية المحل"٢.
ومن هذا المفهوم والتصور الواضح لأهمية السنة ومكانتها ودورها في التشريع انطلقت أفعال السلف مترجمة لهذا التصور فكان من تلك الأفعال أن اعتنى السلف بالسنة فتضافرت جهود العلماء من لدن الصحابة والتابعين على حفظ السنة والعناية بها وصيانتها فحظيت منذ ذلك الحين بسياج من الحماية منقطع النظير، وقد اتبع الصحابة في ذلك كل سبيل يحفظ للسنة نورها وصفاءها، وكان من ذلك التحري والتثبت في روايتها خشية الوقوع في الخطأ وخوفا من أن يتسرب إليها التصحيف والتحريف، بل إن بعضهم فضل الإقلال من الرواية. قال ابن قتيبة٣: "كان عمر شديد الإنكار على من أكثر الرواية أو أتى بخبر الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم بأن يقلوا من الرواية يريد بذلك أن لا يتسمع الناس فيها ويدخلها الشوب ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي. وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله ﷺ كأبي بكر والزبير٤ وأبي عبيدة٥ والعباس بن عبد المطلب يقلون الرواية عنه بل كان
_________________
(١) ١ الآية (٢٤) من سورة النساء. ٢ أعلام الموقعين (٢/ ٣١٤، ٣١٥) . ٣ عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، صاحب التصانيف، صدوق قليل الرواية، توفي سنة ٢٧٦ هـ. لسان الميزان (٣/ ٣٥٧- ٣٥٩) . ٤ الزبير بن العوام: من أول من أسلم بمكة، كان يسميه رسول الله ﷺ "حواريه" لمحبته له، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، قتل سنة ٣٦ هـ. الإصابة (١/ ٥٢٦- ٥٢٨) . ٥ أبو عبيدة عامر بن عبد الله الجراح، أمين هذه الأمة، وأحد العشرة السابقين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين وشهد بدرا وما بعدها، توفي سنة ١٨ هـ. الإصابة (٢/ ٢٤٣- ٢٤٥) .
[ ٢٢٤ ]
بعضهم لا يكاد يروي شيئا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل١ وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة"٢.
ولقد تبعهم من بعدهم من التابعين ومن بعدهم على ذلك.
وكما احتاط السلف في التحديث احتاطوا وتثبتوا كذلك في قبول الأخبار عن رسول الله ﷺ، قال الذهبى: "كان أبو بكر ﵁ أول من احتاط في قبول الأخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب٣ أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث فقال: لا أجد لك في كتاب الله شيئا وما علمت أن رسول الله ﷺ ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس فقام المغيرة وقال: سمعت رسول الله ﷺ يعطيها السدس. فقال: هل معك غيرك؟، فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر ﵁".
واستشار عمر بن الخطاب ﵁ الناس في إملاص المرأة٤، فقال المغيرة بن شعبة٥: شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة عبد أو أمة.
_________________
(١) ١ سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، شهد أحدا والمشاهد بعدها وكان من فضلاء الصحابة، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة توفي بالمدينة سنة خمسين وقيل بعد ذلك. الإصابة (٢/ ٤٤) . ٢ كتاب تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة الدينورى (ص ٣٠) . ٣ قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعي، تابعي ثقة، ولد عام الفتح، وكان من فقهاء أهل المدينة وصالحيهم، مات سنة ٨٦ هـ وقيل غير ذلك. تهذيب التهذيب (٨/ ٣٤٦، ٣٤٧) . ٤ هو أن تزلق الجنين قبل وقت الولادة. النهاية (٤/ ٣٥٦) . ٥ المغيرة بن شعبة بن أبي عامر الثقفي، صحابي جليل، أسلم قبل عمرة الحديبية، وشهدها وبيعة الرضوان، وكان من دهاة العرب. مات سنة خمسين عند الأكثر. الإصابة (٣/ ٤٣٣، ٤٣٤) .
[ ٢٢٥ ]
فقال عمر: ائتني بمن يشهد معك. قال فشهد له محمد بن مسلمة١.
وحدث لعمر مثل هذه الحادثة مع كثير من الصحابة منهم أبي بن كعب وأبو موسى وفي رواية: قال عمر لأبي موسى: "أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ"٢.
وعن علي ﵁ قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا نفعني الله بما شاء منه وإذا حدثني عنه غيري استحلفته فإذا حلف لي صدقته "٣
وهذا التثبت من الصحابة رضوان الله عليهم كان الحامل لهم عليه هو ألا يسترسل الناس في رواية الحديث ويتساهلوا فيه من غير تحر وتثبت كاف فيقعوا في الكذب على رسول الله ﷺ من حيث شعروا أو لم يشعروا، ويدلك على ذلك قول عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعرى: "أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ".
وهذه الشواهد عن ثلاثة من الخلفاء الراشدين تترجم حرصهم وجهودهم في المحافظة على السنة بأن لا يشوبها ما ليس منها.
وقد تتابعت الجهود من الصحابة ومن جاء بعدهم على حفظ السنة وحمايتها إلى أن قعدت القواعد ووضعت الضوابط التي يعرف بها قوة الحديث أو وهنه وكان من تلك الضوابط علم إسناد الحديث فقد اعتني بهذا الجانب منذ وقت
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القسامة، باب دية الجنين (٥/ ١١١، ١١٢) . ٢ أخرجه الإمام مالك في الموطأ (٢/ ٩٦٤) . ٣ أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٢)، وأخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب ما جاء في أن الصلاة كفارة (١/ ٤٤٦) ح ١٣٩٥.
[ ٢٢٦ ]
مبكر، واهتم به العلماء حتى جعلوه من الدين قال عبد الله بن المبارك١: "الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"، وقال: "بيننا وبين القوم قوائم" يعني الإسناد٢.
ولقد اشتغل علماء الحديث بنقد الرواة وبيان حالهم ومن تقبل روايته ومن لا تقبل من خلال دراسة الراوي سيرة وتاريخا ومعتقدا وسلوكا، ولم تأخذهم في ذلك لومة لائم، وقد قيل ليحي بن سعيد القطان٣: " أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله يوم القيامة؟، فقال: لأن يكون هؤلاء خصمي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ يقول: لِمَ لَمْ تذُبَّ الكذب عن حديثي"٤.
وهذه لمحة وإشارة لما بذله السلف من جهود في حفظ السنة والذب عنها لتبقى منهلا صافيا تستقي منه الأمة أمور دينها ودنياها وآخرتها حتى يتحقق لها اتباع رسولها محمد ﷺ الذي أمر الله بالاقتداء به والسير على نهجه والطاعة له في كل ماجاء به ﷺ.
ثالثا: ثم يلي الكتاب والسنة: فيما يجب التسليم له من أصول ما كان في معناهما بدليل جامع والمراد بذلك الإجماع والقياس الجلي الذي لا يصادم النص الشرعي.
_________________
(١) ١ عبد الله بن المبارك المروزي، الإمام الحافظ، شيخ الإسلام، كان ثقة، مأمونا، حجة، كثير الحديث، مات سنة ١٨١ هـ. تهذيب التهذيب (٥/ ٣٨٢- ٣٨٩) . ٢ السنة ومكانتها في التشريع الإ سلامي للدكتور مصطفى السباعي (ص ٩٢) . ٣ يحي بن سعيد بن فروخ القطان، من حفاظ الحديث، ثقة حجة من أقران مالك وشعبة، مات سنة ١٩٨هـ. تهذيب التهذيب (١١/ ٢١٦- ٥ ٢٢) . ٤ السنة ومكانتها (ص ٩٣) .
[ ٢٢٧ ]
قال الشافعي: "الحجة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واتفاق الأئمة".
وقال أيضا: "والعلم طبقات، الأولى: الكتاب والسنة الثابتة ثم الإجماع فيما ليس في كتاب ولا سنة.
الثالثة: أن يقول الصحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة.
الرابعة: اختلاف الصحابة.
الخامسة: القياس"١.
_________________
(١) ١ أعلام الموقعين (٢/ ٢٤٨) .
[ ٢٢٨ ]