تقدم ذكر الأمور التي عصم فيها ﷺ وبقي أن نعلم هل يقع الخطأ منه في غير ما تقدم؟، والجواب على هذا: أن القول الذي عليه أكثر علماء الإسلام١ والذي دلت عليه نصوص القرآن والسنة أن الخطأ يقع منه ﷺ في غير ما تقدم ذكره ولكنهم يعتقدون الأمور التالية:
ا- أن الله لا يقره على هذا الخطأ الذي وقع منه ﷺ بل يوجهه الله للحق وقد يحصل له العتاب على ذلك.
٢- أن الخطأ يقع منه ﷺ على سبيل الاجتهاد من غيرأن يتعمده ولذلك لا تسمى "معصية" فهذه العبارة تعد إساءة أدب معه ﷺ ولا يصح إطلاقها في حقه ﷺ.
٣- أن ما يقع منه من هذا القبيل ليس مما يقدح في حقه أو ينقص من منزلته وقدره، ولقد سبق بيان الأمور التي عصم فيها ﷺ وتلك الأمور هي التي في حالة وقوعها تقدح في حقه ومنزلته، وقد عصم فيها.
٤- أن التوبة حاصلة منه عن هذا الخطأ، وهذا مما يرفع من قدره ويعلي منزلته٢ كما أن الله قد وعده بالمغفرة بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ ٣.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٩) . ٢ المرجع السابق (١٠/ ٢٩٣) . ٣ الآية (٢) من سورة الفتح.
[ ١٥٥ ]
وأما النصوص التي يستدل بها على هذا القول فمنها:
قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ ١. فهذه الآيات نزلت عتابا من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم٢ فقد ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله ﷺ كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش وقد طمع في إسلامه فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم٣ وكان ممن أسلم قديما فجعل يسأل رسول الله ﷺ من شيء ويلح عليه وود النبي ﷺ أن لو كف ساعته ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ ٤.
وكذلك قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٥.
وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآيات (١، ٢، ٣) من سورة عبس. ٢ تفسيرالقرطبي (١٩/ ٢١٢) . ٣ ابن أم مكتوم اختلف في اسمه فقيل: عمرو وقيل: عبد الله، وعمرو أكثر، وهو ابن قيس بن زائدة القرشي، أسلم قديما بمكة وكان من المهاجرين الأولين، قيل: استشهد بالقادسية وقيل مات بالمدينة. الإصابة (٢/ ٥١٦- ٥١٧) . ٤ تفسير ابن كثير (٤/ ٤٧٠) . ٥ الآيتان (٦٧، ٦٨) من سورة الأنفال. ٦ الآية (٤٣) من سورة التوبة.
[ ١٥٦ ]
قال قتادة: "ثنتان فعلهما النبي ﷺ ولم يؤمر بهما، إذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه ولم يكن له أن يمضي شيئا إلا بوحي، وأخذه من الأسارى الفدية، فعاتبه الله كما تسمعون"١.
وأما ما يقع من الخطأ منه في جانب الأمور الدنيوية فمن الأدلة على ذلك حديث رافع بن خديج٢ ﵁ قال: "قدم نبي الله ﷺ المدينة وهم يؤبرون النخل، يقولون: يلقحون النخل، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا. فتركوه، فنقصت قال: فذكروا ذلك له، فقال: "إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر" ٣.
وفى رواية أنس: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" ٤، وفى رواية طلحة: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لا أكذب على الله ﷿" ٥، وكما حكى ابن اسحاق٦ أنه ﷺ لما نزل بأدنى مياه بدر قال له الحباب بن
_________________
(١) ١ تفسير القرطبي (٨/ ١٥٤، ١٥٥) . ٢ رافع بن خديج بن رانع الأنصاري الأوسي، عرض على النبي ﷺ يوم بدر فاستصغره وأجازه يوم أحد فخرج بها وشهد ما بعدها، مات في زمن معاوية. الإصابة (١/ ٤٨٣، ٤٨٤) . ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره ﷺ من معايش الدنيا على سبيل الرأي (٧/ ٩٥) . ٤ أخرجه مسلم في صحيحه (٧/ ٩٥) . ٥ أخرجه مسلم في صحيحه (٧/ ٩٥) . ٦ محمد بن إسحاق بن يسار المدني المطلبي، مولاهم، نزيل العراق، إمام المغازي، مات سنة ١٥٠ هـ. تهذيب التهذيب (٩/ ٣٨) .
[ ١٥٧ ]
المنذر١: أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: "لا بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، قال: فإنه ليس بمنزل، انهض حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب، فنشرب ولا يشربون، فقال: "أشرت بالرأي"، وفعل ما قاله٢.
قال القاضي عياض: "فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها بعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها، يجوز عليه فيه ما ذكرنا٣ إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة، وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها من جربها، وجعلها همه وشغل نفسه بها، والنبي ﷺ مشحون القلب بمعرفة الربوبية ملآن الجوانح بعلوم الشريعة، مقيد البال بمصالح الأمة الدينية والدنيوية، ولكن هذا٤ إنما يكون في بعض الأمور، ويجوز في النادر فيما سبيله التدقيق في حراسة الدنيا واستثمارها، لا في الكثير المؤذن بالبله والغفلة"٥.
وكذلك الأمر بالنسبة لأحكام البشر الجارية على يديه وقضاياهم، ومعرفة المحق من المبطل، وعلم المصلح من المفسد، فهذه أمور اجتهادية يجتهد فيها برأيه فقد قال ﷺ: "إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن
_________________
(١) ١ الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري الخزرجي، شهد بدرا، مات في خلافة عمر. الإصابة (١/٣٠٢) . ٢ الشفا للقاضي عياض (٢/ ٨٧١، ٨٧٢) وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٣١- ٣٥)، وعزاه السيوطي في مناهل الصفا (ص ٨٠) لابن اسحاق والبيهقي عن عروة والزهري وجماعة. ٣ أي من وقوع الخطأ. ٤ أي الخطأ. ٥ الشفا (٢/ ٨٧٢، ٨٧٣) .
[ ١٥٨ ]
بحجته من بعض فأقضي له على نحوما أسمع منه فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له به قطعة من النار" ١.
قال القاضي عياض: "وتجرى أحكامه ﷺ على الظاهر وموجب غلبات الظن بشهادة الشاهد، ويمين الحالف، ومراعاة الأشبه، ومعرفة العفاص والوكاء مع مقتضى حكمة الله في ذلك"٢.
فاقتضت حكمته تعالى أن لا يكون معصوما في هذا الجانب وذلك حتى تقتدي به الأمة من بعده في النظر في القضايا والأحكام على ما كان يقضي به بين الناس، لأنه قد استوى في ذلك هو وغيره من الناس.
وكذا الأمور بالنسبة لما يقع عليه من الأسقام والأمراض فهو ﷺ بشر من البشر يقع عليه مثل ما يقع على غيره من البشر.
وهذا هو الحق الذي دلت وأرشدت عليه النصوص الثابتة في القرآن والسنة. وهذا هو القول الوسط يين أهل الإفراط وأهل التفريط في هذه المسألة. فمن فال بالعصمة المطلقة وهم الرافضة٣ وبعض المعتزلة٤ وبعض
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الشهادات، باب من أقام البينة مع اليمين. انظر: فتح الباري (٥/ ٢٨٨) ح ٢٦٨٠. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية: باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، واللفظ له (٥/ ١٢٨، ١٢٩) . ٢ الشفا (٢/ ٨٧٥) . ٣ الرافضة: عبارة تطلق على الشيعة الغلاة وهم عدة فرق من أشهرها الإمامية الاثنا عشرية، ولهم مخالفات كثيرة في الاعتقاد من أشهرها: مسائل الإمامة، والصحابة، والغلو في آل البيت وأصل تسميتهم بالرافضة مأخوذ من قول زيد بن علي بن الحسين عندما سُئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما، فرفضه جماعة من أتباعه فقال: رفضتموني فسموا رافضة. مقالات الإسلاميين (١/ ٨٨، ٨٩، ١٤٤)، والملل والنحل، (١/ ١٧٣- ١٧٤) . ٤ أتباع واصل بن العطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري، ولهم مخالفات كثيرة في مسائل الاعتقاد، منها أنهم يقولون بنفي الصفات، والمنزلة بين المنزلتين. ميزان الاعتدال (٣/ ٢٧٤) والفرق بين الفرق (٢٠، ٢١)، والملل والنحل (١/ ٤٩) .٠
[ ١٥٩ ]
المتأخرين١ فهؤلاء قد خالفوا نصوص القرآن والسنة وتعسفوا في دفعها وتأويلها بتأويلات هي من جنس تأويلات الجهمية٢ والباطنية٣ ومن تدبر تلك التأويلات تبين له فسادها وعرف أنها من باب تحريف الكلم عن مواضعه٤.
وأما من نفى عنه العصمة من الذنوب وأجاز عليه الإقدام على الكبائر والصغائر وهم الكرامية٥ والأزارقة٦ والفضيلية٧ وغيرهم٨ فهؤلاء قوم فرطوا في حق النبي ﷺ، فذكروا عنه ما دل القرآن والسنة على براءته منه، وأضافوا إليه ذنوبا نزهه الله منها فقولهم هذا مخالف للقرآن والسنة وواضح البطلان.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٤/ ٣٢٠) . ٢ الجهمية فرقة من الفرق التي ظهرت في بداية القرن الثاني وانتحلت مذهب الجهم بن صفوان في مسائله المدونة في كتب المقالات ومن أشهرها نفي الأسماء والصفات والقول بالجبر، وفناء الجنة والنار. الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد (ص ٦٥) . تاريخ الجهمية والمعتزلة (ص ٥٩، ٦٠) . ٣ عبارة تطلق على عدة فرق من أشهرها: الإسماعيلية، القرامطة، والنصيرية، وهم الذين يجعلون لكل ظاهر من الكتاب باطنا ولكل تنزيل تأويلا. الملل والنحل (١/ ٤٢٦- ٤٤٧) والفرق بين الفرق (ص ١٦٩) . ٤ مجموع الفتاوى (١٠/ ٣١١- ٣١٤) بتصرف. ٥ أتباع محمد بن كرام السجستاني المتوفى سنة ٢٥٥ هـ، لهم عدد من المخالفات في مسائل العقيدة، منها: التشبيه في الصفات، والإرجاء في الإيمان. الملل والنحل (١/ ١٨٠، ١٩٣)، والفرق بين الفرق (٣٠، ١٣٧) . ٦ إحدى فرق الخوارج، وهم أتباع نافع بن الأزرق، كانت أكثر فرق الخوارج عددا وأشدهم شوكة. الفرق بين الفرق (ص ٨٣) . ٧ من الخوارج، ذكرهم الأشعري في المقالات (ص ١١٨) . ٨ الفصل (٤/ ٢)، وعصمة الأنبياء للرازي (ص ١٨)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ١٢٨) .
[ ١٦٠ ]