أ- معناها:
"معنى شهادة أن محمدا رسول الله: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع"١.
وهذه الشهادة هي الشطر الثاني من الركن الأول من أركان الإسلام الخمسة، كما أن الإيمان بالنبي ﷺ داخل في الركن الرابع من أركان الإيمان الستة، ويشهد لذلك حديث جبريل المشهور. ويلاحظ أننا عرّفنا الشهادة والإيمان به بتعريف واحد، وهذا الأمر يصح في حالة الإفراد كما سبق وأن ذكرت في لفظ الإسلام والإيمان، أما في حالة الاقتران فالإيمان به يختص بتصديق القلب وإقراره، والشهادة يراد بها نطق اللسان واعترافه، ويجب تحقيق هذه الشهادة معرفة وإقرارا وانقيادا وطاعة٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الإيمان بالرسول فهو المهم، إذ لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان به، ولا تحصل النجاة والسعادة بدونه، إذ هو الطريق إلى الله سبحانه، ولهذا كان ركنا الإسلام: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله"٣.
ب- شروط الشهادتين:
بعد ذكر معنى "شهادة أن محمدا رسول الله " ناسب المقام أن نشير ههنا
_________________
(١) ١ الأصول الثلاثة للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٩) ضمن مجموعة الرسائل المفيدة. ٢ زاد المعاد (١/ ٣٤) . ٣ مجموع الفتاوى (٨/ ٦٣٨، ٦٣٩) .
[ ٣٧ ]
إلى شروط هذه الشهادة بشقيها، لأننا في زمان يجهل فيه كثير من الناس هذه الشروط، إذ يعتقد كثير منهم لجهلهم أن التلفظ وحده يكفي لتحقيق الشهادة ويستغنون بهذا عن العمل بالمقتضى المترتب على هذه الشهادة.
وتصويبا لهذا الخطأ وإزالة لهذا الجهل أقول: إنه من المعلوم أن العبد لا يدخل في دين الإسلام إلا بعد الإتيان بالشهادتين "شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله".
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١
وقال ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" ٢.
ومن المعلوم كذلك أن جميع الدين داخل في الشهادتين إذ مضمونهما أن لا نعبد إلا الله وأن نعبده بما شرع على لسان رسوله ﷺ ونطيعه فيما جاء به عن ربه ﷾، والدين كله داخل في هذا.
ولهاتين الشهادتين شروط لا بد من توفرها فيهما، إذ لا يمكن لقائلهما أن ينتفع بهما إلا بعد اجتماعها فيهما، وهذه الشروط مطلوبة في كلا الشهادتين، وذلك لما بينهما من التلازم، فالعبد لا يدخل في الدين إلا بهما معا.
وهي سبعة شروط:
الشرط الأول: العلم:
_________________
(١) ١ الآية (١٥) من سورة الحجرات. ٢ أخرجه البخارى في صحيحه، كناب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن الرسول ﷺ. انظر: فتح الباري (١٣/٢٥٠)، ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله (١/ ٣٨) .
[ ٣٨ ]
إذ العلم بالشيء شرط عند الشهادة به ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
ومن الأدلة على وجوب العلم بالشهادة قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٢، وقول النبي ﷺ: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة" ٣. والعلم المراد به هنا هو معرفة معنى الشهادتين ومقتضاهما واللوازم المترتبة على ذلك.
فلا إله إلا الله معناها: لا معبود بحق إلا الله.
ومقتضاها ولازمها: نفي الشرك وإثبات الوحدانية لله تعالى وإفراده بالعبادة مع الاعتقاد الجازم لما تضمنته من ذلك والعمل به٤.
ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله: الإقرار والاعتراف للرسول ﷺ أنه عبد الله ورسوله إلى الناس كافة٥.
ومقتضاها ولازمها: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر وألا يعبد الله إلا بما شرع.
الشرط الثاني: اليقين:
أي استيقان القلب بالشهادتين، وذلك بأن يعتقدهما اعتقادا جازما لا
_________________
(١) ١ الآية (٨٦) من سورة الزخرف. ٢ الآية (١٩) من سورة محمد. ٣ أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار. انظر (١/ ٤١) . ٤ تيسير العزيز الحميد (ص ٥٨) . ٥ دليل المسلم في الاعتقاد للشيخ عبد الله خياط (ص ٤٥) .
[ ٣٩ ]
يصاحبه شك أو ارتياب، لأن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ١. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: "من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستقينا بها قلبه فبشره بالجنة" الحديث٢. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة" ٣.
الشرط الثالث: الإخلاص:
"وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك"٤.
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية٥. وقال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ٦ "أي لا يقبل الله من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له".
وقال قتادة٧ في قوله ﵎: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ شهادة أن لا
_________________
(١) ١ الآية (١٥) من سورة الحجرات. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار (١/ ٤٤) . ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار (١/ ٤١- ٤٢) . ٤ معارج القبول للشيخ حافظ بن أحمد حكمي (١/ ٣٨٢) . ٥ الآية (٥) من سورة البينة. ٦ الآية (٣) من سورة الزمر. ٧ قتادة بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري، ولد سنة ٦١ هـ وتوفي سنة ١١٨ هـ ثقة ثبت، مفسر حافظ ضرير أكمه. قال عنه الإمام أحمد: قتادة أحفظ أهل البصرة. انظر: تهذيب التهذيب (٨/ ٣٥١) وتذكرة الحفاظ (١/١١٥)
[ ٤٠ ]
إله إلا الله " ١.
وعن عتبان بن مالك٢ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" ٣.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" ٤.
الشرط الرابع: "الصدق فيها المنافي للكذب.
وهو أن يقولها صدقا من قلبه يواطىء قلبه لسانه"٥.
قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ٦، "أي الذين صدقوا في دعوى الإيمان ممن هو كاذب في قوله ودعواه، والله ﷾ يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون،
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٤/ ٤٥) . ٢ عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان الأنصاري الخزرجي السالمي، صحابي من البدريين آخى النبي ﷺ بينه وبين عمر، مات في خلافة معاوية وقد كبر. الإصابة (٢/ ٤٤٥) رقم ٥٣١٨. ٣ أخرجه البخارى في صحيحه، كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت، انظر: فتح الباري (١/ ٥١٩) ح ٤٢٥، ومسلم في صحيحه كتاب الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر (٢/ ١٢٦) . ٤ أخرجه البخارى في صحيحه، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، انظر: فتح الباري (١١/ ٤١٨) ح ٦٥٧٠. ٥ معارج القبول (١/ ٣٨١) . ٦ الآيات (١/ ٣) من سورة العنكبوت.
[ ٤١ ]
وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة"١.
وعن أنس بن مالك٢ ﵁ أن النبي ﷺ - ومعاذ٣ رديفه على الرحل- قال: "يا معاذ بن جبل" قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: "يا معاذ" قال لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا. قال: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار" الحديث٤.
الشرط الخامس: المحبة:
"لهذه الكلمة ولما اقتضته ودلت علييه ولأهلها والعاملين بها الملتزمين لشروطها وبغض ما ناقض ذلك"٥.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٣/ ٤٠٤) . ٢ أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم النجاري الخزرجي الأنصاري أبو حمزة، صاحب رسول الله ﷺ وخادمه، وأحد المكثرين من الرواية عنه، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة توفي سنة ٩٣ هـ. ٣ معاذ بن جبل الأنصاري: أحد السبعين الذين شهدوا العقبة من الأنصار، وقد شهد بعد ذلك المشاهد كلها، كان من أعلم الصحابة بالحلال والحرام، توفي سنة ١٧ هـ في طاعون عمواس بالشام. الإصابة (٣/ ٤٠٦، ٤٠٧) رقم ٨٠٣٩. ٤ أخرجه البخاري في صحيحها واللفظ له، كتاب العلم باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا. انظر فتح الباري (١/ ٢٢٦) ح ١٢٨. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار (١/٤٣) . ٥ معارج القبول (١/ ٣٨٣) .
[ ٤٢ ]
اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ١، ففي الآية دليل على وجوب محبة الله ورسوله ولا خلاف في ذلك بين الأمة وأن ذلك مقدم على كل محبوب٢.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ الآية٣.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه﴾ الآية٤.
وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" ٥.
الشرط السادس: الانقياد:
أي الانقياد والاستسلام ظاهرا وباطنا لأوامر الله وما أنزله من الشرع على لسان نبيه ﷺ
_________________
(١) ١ الآية (٢٣٤) من سورة التوبة. ٢ تفسير القرطبي (٨/٩٥) ٣ الآية (١٦٥) من سورة البقرة. ٤ الآية (٥٤) من سورة المائدة. ٥ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان. انظر: فتح الباري (١/ ٧٢) ح ٢١. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، واللفظ له. انظر: (١/ ٤٨) .
[ ٤٣ ]
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ١
ففي هذه الآية: "يقول تعالى مخبرا عمن أسلم وجهه لله أي أخلص له العمل وانقاد لأمره واتبع شرعه، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، أي في عمله: باتباع ما به أمر، وترك ما عنه زجر ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي فقد أخذ موثقا من الله متينا أنه لا يعذبه ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ "٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ٣. والآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد هنا ولا رأي ولا قول كما قال ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا٤﴾ ٥
الشرط السابع: القبول:
أي قبول الشهادتين والالتزام بمقتضياتها ولوازمها.
قال تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا
_________________
(١) ١ الآية (٢٢) من سورة لقمان. ٢ تفسير ابن كثير (٣/ ٤٥٠) . ٣ الآية (٣٦) من سورة الأحزاب. ٤ الآية (٦٥) من سورة النساء. ٥ تفسير ابن كثير (٣/ ٤٩٠) .
[ ٤٤ ]
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ١، وقال تعالى في شأن من لم يقبلها: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ٢.
وعن أبي موسى الأشعري٣ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية ٤ قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب ٥ أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان ٦ لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلِم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" ٧.
فهذه هي شروط الشهادتين يجب على المسلم تحقيقها والإتيان بها على الوجه المطلوب حتى يكون من أهلها.
_________________
(١) ١ الآية (٢٨٥) من سورة البقرة. ٢ الآيات (٣٥- ٣٦) من سورة الصافات. ٣ واسم أبي موسى: عبد الله بن قيس بن سليم من بني الأشعر من قحطان، صحابي أسلم بمكة ثم رجع إلى اليمن وقدم مع الأشعريين وكان حسن الصوت بالقرآن، وكان من الشجعان الولاة الفاتحين، توفى بالكوفة سنة ٤٤ هـ، وقيل غير ذلك. الإصابة (٢/ ٣٥١) رقم ٤٨٩٩. ٤ هي مستنقع الماء في الجبال والصخور. فتح الباري (١/ ١٧٦) . ٥ هي الأرض الصلبة التي لا ينضب منها الماء. فتح الباري (١/ ١٧٦) . ٦ بكسر القاف جمع قاع وهو الأرض المستوية اللمساء التي لا تنبت. فتح الباري (١/ ١٧٧) . ٧ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم: باب فضل من علِم وعلَّم واللفظ له. انظر فتح الباري (١/ ١٧٥) ح ٧٩. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب بيان مثل ما بعث النبي ﷺ من الهدى والعلم. انظر: (٧/ ٦٣) .
[ ٤٥ ]
ج- مراتب الشهادة:
إذا علم العبد معنى الشهادتين وشروطهما فينبغي له أن يكون على علم بأن للشهادة مراتب يتدرج عليها الشاهد مرتبة بعد مرتبة حتى يتم له تحقيق الشهادة على الوجه المطلوب.
ومراتب الشهادة أربع هي١:
المرتبة الأولى: العلم والمعرفة والاعتقاد لصحة المشهود به وثبوته، فلا بد للشاهد أن يعلم ويعرف معنى الشهادتين وإلا كان الشاهد شاهدا بما لا علم له به قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
المرتبة الثانية: تكلمه بالشهادتين وإن لم يُعلِم بها غيره، بل يتكلم بها مع نفسه ويتذكرها وينطق بها أو يكتبها.
والله ﷾ يقول في كتابه العزيز: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ ٣ فجعل ذلك منهم شهادة وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم.
المرتبة الثالثة: أن يُعلِم غيره بما شهد به ويخبره به ويبينه له ومرتبة الإعلام والإخبار نوعان: إعلام بالقول، وإعلام بالفعل.
وهذا شأن كل مُعلِم لغيره بأمر، تارة يعلمه به بالقول وتارة بفعل ومما يدل
_________________
(١) ١ انظر: كتاب الكواشف الجلية عن معاني الواسطية للشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان من (ص ٣٨ إلى ص ٤٠) بتصرف. ٢ الآية (٨٦) من سورة الزخرف. ٣ الآية (١٩) من سورة الزخرف.
[ ٤٦ ]
على أن الشهادة تكون بالفعل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ الآية١ فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلونه٢.
المرتبة الرابعة: أن يلتزم بمضمونها ويأتمر به.
ومجرد الشهادة لا يستلزم هذه المرتبة، لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه، فإنه ﷾ شهد به شهادة من حكم به وقضى وأمر وألزم عباده كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ الآية٤.
والقرآن كله شاهد بذلك.
وقد شهد الله لنفسه بالوحدانية فقال تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٥ فشهادته سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع وهي: علمه بذلك، وتكلمه، وإخباره لخلقه، وإلزامهم وأمرهم به٦.
_________________
(١) ١ الآية (١٧) من سورة التوبة. ٢ الكواشف الجلية (٣٩- ٤٠) بتصرف. ٣ الآية (٢٣) من سورة الاسراء. ٤ الآية (٣١) من سورة التوبة. ٥ الآية (١٨) من سورة آل عمران. ٦ الكواشف الجلية (ص ٤٠) بتصرف.
[ ٤٧ ]