تتأكد الصلاة على النبي ﷺ في مواطن إما وجوبا وإما استحبابا مؤكدا١ ومن هذه المواطن ما يلي:
الموطن الأول: في الصلاة في آخر التشهد:
وهو أهمها وآكدها، وقد أجمع المسلمون على مشروعيته٢ (٢) واختلفوا في وجوبه فيها.
فقالت طائفة: ليس بواجب فيها وهذا قول أبي حنيفة ومالك ورواية عن الإمام أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم٣.
وقالت طائفة: بوجوب ذلك وهو قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد والظاهر أنها آخر قوليه٤ وهي المعتمدة في المذهب٥ وبهذا القول قال جمع من الصحابة والتابعين وأرباب المذاهب، وبه قال ابن مسعود، وابن عمر، وأبو مسعود، والشعبي، ومقاتل بن حيان، وأبو جعفر محمد بن على بن الحسين٦ واسحاق بن راهويه٧.
ولكل واحد من الفريقين أدلته، وهي مبسوطة في كتب الفقه.
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام ص (٢٥١) . ٢ جلاء الأفهام ص (٢٥١) . ٣ مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٠٨) والمغني (١/ ٥٤٢) وجلاء الأفهام ص (٢٥١) ٤ مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٠٨) والمغني (١/ ٥٤٢) وجلاء الأفهام ص (٢٥١) ٥ المغني (١/٥٤١) . ٦ محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، من فقهاء أهل المدينة من التابعين، توفي سنة أربع عشرة ومائة. تهذيب التهذيب (٩/٣٥٠-٣٥٢) . ٧ المغني (١/ ٥٤٢) جلاء الأفهام (٢٥٣- ٢٥٥) والقول البديع (١٨٠- ١٨٣) .
[ ٢ / ٥٢٣ ]
وقد جمعها ابن القيم في كتابه القيم جلاء الأفهام١ فمن أراد الاستزادة في هذا الشأن فليرجع إليه٢.
وأما ما يتعلق بأدلة مشروعيتها في هذا الموطن فهي بعينها الأدلة التي تقدم ذكرها في المطلب السابق عند الحديث عن كيفية الصلاة على النبي ﷺ.
الموطن الثاني: الصلاة عليه ﷺ في التشهد الأول:
قال ابن القيم: "وهذا قد اختلف فيه
القول الأول: قال الشافعي في "الأم": "يصلي على النبي ﷺ في التشهد الأول٣ وهذا هو المشهور من مذهبه وهو الجديد، ولكنه يستحب وليس بواجب.
القول الثاني: قال الشافعي في القديم: " لا يزيد على التشهد" وهذه رواية المزني٤ عنه، وبهذا قال أحمد وأبو حنيفة ومالك وغيرهم.
واحتج لقول الشافعي بما رواه الدارقطني بسنده عن ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد التحيات الطيبات الزاكيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن
_________________
(١) ١ انظر جلاء الأفهام (ص ٢٥١- ٢٧٦) . ٢ صرفت النظر عن إيراد أدلة كل فريق نظرا: ا- كثرة الأدلة والاعتراضات الواردة في هذه المسألة.
(٢) كون المسألة تتعلق بالنواحي الفقهية فهذا مما يتعارض مع منهجية البحث الذي يتناول النواحي العقدية. ٣ الأم للشافعي (١/ ١١٧) . ٤ إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل، أبو إبراهيم المزني، صاحب الإمام الشافعي، كان زاهدا عالما مجتهدا قوي الحجة، توفي سنة ٢٦٤ هـ. الأعلام (١/ ٣٢٩) .
[ ٢ / ٥٢٤ ]
لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ثم يصلي على النبي ﷺ " ١.
وروى الدارقطني أيضا من حديث عمرو بن شمر عن جابر عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "يا بريدة إذا صليت في صلاتك فلا تتركن الصلاة علي فيها، فإنها زكاة الصلاة" ٢.
قالوا: وهذا يعم الجلوس الأول والآخر.
واحتج له أيضا بأن الله تعالى أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على رسوله ﷺ فدل على أنه حيث شرع التسليم عليه شرعت الصلاة عليه، ولهذا سأله أصحابه عن كيفية الصلاة عليه، وقالوا "قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ " فدل على أن الصلاة عليه مقرونة بالسلام عليه ﷺ، ومعلوم أن المصلي يسلم على النبي ﷺ فيشرع له أن يصلي عليه.
قالوا: ولأنه مكان شرع فيه التشهد والتسليم على النبي ﷺ فشرع فيه الصلاة عليه كالتشهد الأخير.
قالوا: ولأن التشهد الأول محل يستحب فيه ذكر الرسول ﷺ فاستحب فيه الصلاة عليه، لأنه أكمل في ذكره.
قالوا: ولأن في حديث محمد بن إسحاق: كيف نصلي عليك إذا نحن
_________________
(١) ١ أخرجه الدارقطنى فى السنن، كتاب الصلاة، باب صفة التشهد ووجوبه واختلاف الروايات فيه (١/ ٣٥١) وإسناده ضعيف جدا لأن فيه خارجة بن مصعب: متروك، وموسى بن عبيدة: ضعيف. ٢ أخرجه الدارقطنى في السنن، كتاب الصلاة، باب ذكر وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد (١/ ٣٥٥) وإسناده ضعيف فيه عبد المهيمن بن عباس لا يحتج به.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
جلسنا في صلاتنا؟ ١.
وقال الآخرون: ليس التشهد الأول بمحل لذلك، وهو القديم من قولي الشافعي رحمه الله تعالى، وهو الذي صححه كثير من أصحابه لم لأن التشهد الأول تخفيفه مشروع، وكان النبي ﷺ إذا جلس فيه كأنه على الرضف٢٣. ولم يثبت عنه أنه كان يفعل ذلك فيه، ولا علّمه للأمة، ولا يعرف أن أحدا من الصحابة استحبه، ولأن مشروعية ذلك لو كانت كما ذكرتم من الأمر لكانت واجبة في المحل كما في الأخير، لتناول الأمر لهما، ولأنه لو كانت الصلاة مستحبة في هذا الموضع، لاستحب فيه الصلاة على آله ﷺ لأن النبي ﷺ لم يفرد نفسه دون آله بالأمر بالصلاة عليه، بل أمرهم بالصلاة عليه وعلى آله في الصلاة وغيرها.
ولأنه لو كانت الصلاة عليه في هذه المواضع مشروعة لشرع فيها ذكر إبراهيم وآل إبراهيم، لأنها هي صفة الصلاة المأمور بها، ولأنها لو شرعت في هذه المواضع لشرع فيها الدعاء بعدها لحديث فضالة، ولم يكن فرق بين التشهد الأول والأخير.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المسند (٤/١١٩) والحاكم في المستدرك (١/ ٢٦٨) . ٢ الرضف: الحجارة المحماة على النار، واحدتها: رضفة. النهاية (٢/ ٢٣١) ٣ أخرجه أحمد في المسند (١/٣٨٦، ٤١٠، ٤٢٨، ٤٣٦، ٤٦٠) .وأخرجه أبو داود فى السنن، كتاب الصلاة، باب تخفيف القعود (١/ ٦٠٦) .ح ٩٩٥ وأخرجه الترمذي في السنن، أبواب الصلاة، باب ما جاء في مقدار القعود في الركعتين الأوليين (٢/٢٠٢) ح ٣٦٦. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. والعمل على هذا عند أهل العلم يختارون أن لا يطيل الرجل القعود في الركعتين الأوليين ولا يزيد على الثشهد شيئا" انتهى كلامه.
[ ٢ / ٥٢٦ ]
قالوا: وأما ما استدللتم به من الأحاديث فمع ضعفها لا تدل، لأن المراد بالتشهد فيها هو الأخير دون الأول بما ذكرناه من الأدلة١ (١) .
الموطن الثالث من مواطن الصلاة عليه ﷺ: آخر القنوت
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "استحبه الشافعي ومن وافقه واحتج لذلك بما رواه النسائي بسنده عن الحسن بن علي٢ قال علمني رسول الله ﷺ هؤلاء الكلمات في الوتر قال: "قل اللهم اهدني فيمن هديت، وبارك لي فيما أعطت، وتولني فيمن توليت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت٣ وصلى الله على النبي"٤ وهذا إنما هو في قنوت الوتر، وإنما نقل إلى قنوت الفجر قياسا كما نقل أصل هذا الدعاء إلى قنوت الفجر.
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام (ص ٢٧٧- ٢٧٩) . ٢ الحسن بن علي بن أب ي طالب، سبط رسول الله ﷺ وريحانته في الدنيا، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، وكان أشبه الناس برسول الله ﷺ بويع بالخلافة بعد مقتل أبيه ثم تنازل عنها لمعاوية حقنا لدماء المسلمين، ومات سنة تسع وأربعين وقيل بعدها. الإصابة (١/ ٣٢٧- ٣٣٠) . ٣ الحديث إلى قوله "وتعاليت"، أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب القنوت في الوتر (٢/ ١٣٣-١٣٤) . وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب أبواب الصلاة، باب ما جاء في قنوت الوتر (١/ ٣٢٨) ح ٤٦٤. وأخرجه ابن ماجه في السنن، أبواب إقامة الصلاة، باب ما جاء في قنوت الوتر (١/ ٢١٣) ح ١١٦٧، وقال الحافظ ابن حجر: الحديث-حسن صحيح. التلخيص (ص ٩٤- ٩٥) . ٤ أخرجه النسائي في السنن (٣/ ٢٤٨) وقد انفرد النسائي بهذه الزيادة "وصلى الله على النبي"، وروايته ضعيفة، قال الحافظ ابن حجر هذه الزيادة في هذا السند غريبة لا تثبت وإن سنده لا يخلو إما من راو مجهول، أو انقطاع في السند.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
وهو مستحب في قنوت رمضان فعن عروة بن الزبير١ أن عبد الرحمن بن عبد القاري٢ وكان في عهد عمر بن الخطاب مع عبد الله بن الأرقم٣ على بيت المال، قال: إن عمر خرج ليلة في رمضان، فخرج معه عبد الرحمن بن عبد القارى فطاف في المسجد، وأهل المسجد أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر ﵁، والله إني لأظن لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد يكون أمثل، ثم عزم عمر على ذلك وأمر أبي بن كعب أن يقوم بهم في رمضان، فخرج عليهم والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر ﵁ نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله، وقال: كانوا يلعنون الكفرة في النصف يقولون: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالف بين كلمتهم، وألق في قلوبهم الرعب، وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق. ثم يصلي على النبي ﷺ، ثم يدعو للمسلمين ما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين، قال: فكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفار، وصلاته على
_________________
(١) ١ عروة بن الزبير بن العوام الأسدي أبو عبد الله المدني، تابعي ثقة فقيه مشهور، ولد في أوائل خلافة الفاروق، وتوفي سنة أربع وتسعين على الصحيح. تهذيب التهذيب (٨/ ١٨٠- ١٨٥) . ٢ عبد الرحمن بن عبد من غير إضافة القارئ بتشديد الياء من ولد القارة ابن الديش، ذكره العجلي في ثقات التابعين واختلف قول الواقدي فيه قال تارة له صحبة، وتارة تابعي، مات سنة ثمان وثمانين تقريب التهذيب (٢٠٦) . ٣ عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوق بن وهب القرشي الزهري، صحابي أسلم يوم الفتح، وكتب للنبي ﷺ ولأبي بكر وعمر وكان على بيت المال أيام عمر، وتوفي في خلافة عثمان. الإصابة (٢/ ٢٦٥) .
[ ٢ / ٥٢٨ ]
النبي ﷺ واستغفاره للمؤمنين، ومسألته: اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد١ ونرجو رحمتك، ونخاف عذابك إن عذابك الجد لمن عاديت ملحق، ثم يكبر ويهوي ساجدا٢.
وروى إسماعيل بن إسحاق بسنده عن قتادة، عن عبد الله بن الحارث٣أن أبا حليمة- معاذا-٤ كان يصلى على النبي ﷺ في القنوت٥٦.
الموطن الرابع من مواطن الصلاة عليه ﷺ: في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثانية:
لا خلاف في مشروعيتها فيها، واختلف في توقف صحة الصلاة عليها. فقال الشافعي، وأحمد في المشهور من مذهبهما: إنها واجبة في الصلاة،
_________________
(١) ١ وإليك نسعى ونحفد أي نسرع في العمل والخدمة. النهاية (١/ ٤٠٦) . ٢ أخرجه الشافعي في الأم (١/ ٢٣٩- ٢٤٠) والبيهقي في السنن (٤/ ٣٩) ورجاله كلهم ثقات. ٣ عبد الله بن الحارث الأنصاري أبو الوليد البصري، ثقة من رجال الشيخين. تهذيب التهذيب (٥/ ١٨١- ١٨٢) . ٤ معاذ بن الحارث الأنصاري النجاري أبو حليمة ويقال أبو الحارث المدني القاري، قال ابن عبد البر شهد الخندق، ويقال لم يدرك من حياة رسول الله ﷺ إلا ست سنين، وهو الذي أقامه عمر فيمن أقام في رمضان ليصلي التراويح، يقال إنه قتل يوم الحرة. تهذيب التهذيب (١٠/ ١٨٨- ١٨٩) . ٥ فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٤٥) رقم ١٠٧، قال الألباني: "إسناده موقوف صحيح، وأبو حليمة معاذ هو أبن الحارث الأنصاري القاري قال ابن أبي حاتم: (٤/ ١/ ٢٤٦) "وهو الذي أقامه عمر يصلي بهم في. شهر رمضان صلاة التراويح وعبد الله بن الحارث هو أبو الوليد البصري ثقة من رجال الشيخين،. ورواه ابن نصر في "قيام الليل" (ص ١٣٦) بلفظ "كان يقوم في القنوت في رمضان يدعو ويصلي على النبي ﷺ ويستسقي الغيث". ٦ جلاء الأفهام (ص ٢٧٩- ٢٨١) .
[ ٢ / ٥٢٩ ]
لا تصح إلا بها، ورواه البيهقي عن عبادة بن الصامت وغيره من الصحابة. وقال مالك وأبو حنيفة: تستحب وليست بواجبة، وهو وجه لأصحاب الشافعي. والدليل على مشروعيتها في صلاة الجنازة، ما روى الشافعي بسنده عن الزهري، قال أخبرني أمامة بن سهل، أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلي على النبي ﷺ، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات لا يقرأ في شيء منهن ثم يسلم سرا في نفسه١. وروى إسماعيل بن إسحاق في كتاب "الصلاة على النبي ﷺ" بسنده عن الزهري قال سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف٢ يحدث سعيد بن المسيب٣ قال: إن السنة في صلاة الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب، ويصلي على النبي ﷺ ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ، ولا يقرأ إلا مرة واحدة، ئم يسلم في نفسه٤
_________________
(١) ١ الأم (١/ ٢٣٩- ٢٤٠) والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٣٩) . ٢ أبو أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري، ولد في حياة النبي علما وسمي باسم جده لأمه أسعد بن زرارة وكني بكنيته، وكان من أكابر الأنصار وعلمائهم، توفي سنة مائة للهجرة. تهذبب التهذيب (١/ ٢٦٣- ٢٦٤) . ٣ سعيد بن المسيب بن حزن الخزومي القرشي، وسيد التابعين وأحد فقهاء المدينة السبعة، وكان زاهدا ورعا يعيش من كسب يده توفي سنة ٩٤ هـ. تهذيب التهذيب (٤/ ٨٤- ٨٨) . ٤ فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٣٩) رقم ٩٤. وقال الألباني في تعليقه على هذا الكتاب: اسناده صحيح، وأبو أمامة هذا صحابي صغير كما قال ابن القيم، وقد رواه عن جماعة من الصحابة، فقال يونس عن ابن شهاب، قال أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف- وكان من كبراء الأنصار وعلمائهم، وأبناء الذين شهدوا بدرا مع رسول الله ﷺ - أخبره رجال من أصحاب رسول الله في الصلاة على الجنازة أن يكبر الامام ثم يصلي على النبي ﷺ الحديث نحوه وزاد: قال الزهري: حدثنا بذلك أبو أمامة وابن المسيب يسمع فلم ينكر ذلك عليه. قال ابن شهاب: فذكرت الذي أخبرني أبو أمامة من السنة في الصلاة على الميت لمحمد بن سويد فقال وأنا سمعت الضحاك بن قيمة يحدث عن حبيب بن مسلمة في صلاة صلاها على الميت مثل الذي حدثنا أبو امامة. أخرجه الحاكم (١/ ٣٦٠) وعنه البيهقي (٤/ ٣٩، ٤٠) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، ورواه النسائي (١/ ٢٨١) من طريق الليث عن ابن شهاب به مختصرا " انتهي.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
وأبو أمامة هذا صحابي صغير، وقد رواه عن صحابي آخر كما ذكره الشافعي.
وقال صاحب "المغني"١ يروى عن ابن عباس أنه صلى على جنازة بمكة فكبر، ثم قرأ وجهر وصلى على النبي ﷺ، ثم دعا لصاحبه فأحسن ثم انصرف، وقال: هكذا ينبغي أن تكون الصلاة على الجنازة.
وفي الموطأ برواية يحى بن يحى الليثي٢ حدثنا مالك بن أنس عن سعيد بن أبي سعيد المقبري٣ عن أبيه٤ أنه سأل أبا هريرة كيف نصلي على الجنازة؟ فقال أبو هريرة ﵁: أنا لعمر الله أخبرك، أتبعها من أهلها، فإذا وضعت كبرت وحمدت الله تعالى، وصليت على النبي ﷺ ثم أقول:
_________________
(١) (٢/ ٤٨٦) . ٢ يحى بن يحى بن أبي عيسى كثير بن وسلاس الليثي بالولاء، أبو محمد عالم الأندلس في عصره بربري الأصل، سمع الموطأ من مالك قال عنه الإمام مالك هذا عاقل أهل الأندلس، توفي بقرطبة سنة ٢٣٤ هـ. الأعلام (٨/ ١٧٦) . ٣سعيد بن كيسان المقبري أبو سعد المدني، ثقة جليل تغير قبل موته بأربع سنين، مات في حدود العشرين ومائة وقيل قبلها وقيل بعدها. تهذيب التهذيب (٤/ ٣٨- ٤٠) . ٤ كيسان أبو سعيد المقبري مولى أم شريك، تابعي ثقة كثير الحديث توفي سنة مائة للهجرة. تهذيب التهذيب (٨/ ٤٥٣- ٤٥٤)
[ ٢ / ٥٣١ ]
"اللهم إنه عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده"١.
إذا تقرر هذا فالمستحب أن يصلى عليه ﷺ في الجنازة كما يصلى عليه في التشهد، لأن النبي ﷺ علم ذلك أصحابه لما سألوه عن كيفية الصلاة عليه. وفي مسائل " عبد الله بن أحمد "عن أبيه قال: يصلى على النبي ﷺ ويصلى على الملائكة المقربين.
قال القاضي: يقول: اللهم صل على ملائكتك المقربين وأنبيائك والمرسلين، وأهل طاعتك أجمعين من أهل السموات والأرضين، إنك على كل شيء قدير٢.
الموطن الخامس من مواطن الصلاة عليه ﷺ: في الخطب كخطبة الجمعة والعيدين، والإستسقاء، وغيرها:
وقد اختلف في اشتراطها لصحة الخطة
قال الشافعي وأحمد في المشمهور من مذهبهما: لا تصح الخطة إلا بالصلاة عليه ﷺ.
وقال أبو حنيفة ومالك: تصح بدونها، وهو وجه في مذهب أحمد واحتج لوجوبها في الخطة بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ
_________________
(١) ١ الموطأ (ص ١٥١- ١٥٢) ح ٥٣٥، وأخرجه إسماعيل القاضي في كتابه فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٣٩) ح ٩٣. وقال الألباني المحقق عند تعليقه عليه: إسناده موقوف صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه البيهقي في السق (٤/ ٤٠) . ٢ جلاء الأفهام (ص ٢٨١- ٢٨٤) .
[ ٢ / ٥٣٢ ]
وِزْرَكَ صَدْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ١
قال ابن عباس ﵄: "رفع الله ذكره، فلا يذكر إلا ذكر معه. وفي هذا الدليل نظر، لأن ذكره ﷺ مع ذكر ربه هو الشهادة له بالرسالة إذا شهد لمرسله بالوحدانية، وهذا هو الواجب في الخطبة قطعا بل هو ركنها الأعظم، وقد روى أبو داود، وأحمد وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "كل خطة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء" ٢ واليد الجذماء: المقطوعة، فمن أوجب الصلاة على النبي ﷺ في الخطة دون التشهد فقوله في غاية الضعف.
وقد روى ابن جرير في تفسيره بسنده عن قتادة ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطب ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادى بها: أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله٣.
وعن الضحاك ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال إذا ذكرت ذكرت معي ولا يجوز خطبة ولا نكاح إلا بذكرك٤ معي.
وعن مجاهد ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد
_________________
(١) ١ الآيات (١- ٤) من سورة الشرح. ٢ أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٠٢، ٣٤٣) . وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في الخطبة (٥/ ١٧٣) ح ٤٨٤١ وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب النكاح، باب ما جاء في خطبة النكاح (٣/ ٤١٤) ح ١١٠٦ وقال هذا حديث حسن صحيح غريب. ٣ تفسيرالطبري (٣٠/ ٢٣٥) . ٤ أورده السيوطي في الدر المنثور وعزاه لعبد بن حميد (٦/ ٣٦٣)
[ ٢ / ٥٣٣ ]
أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الل هـ١.
فهذا هو المراد من الآية، وكيف لا يجب التشهد الذي هو عقد الإسلام في الخطبة، وهو أفضل كلماتها وتجب الصلاة على النبي ﷺ فيها.
والدليل على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة ما رواه الإمام أحمد في المسند بسنده عن عون بن أبي جحيفة٢ قال: كان أبي٣ من شرط علي، وكان تحت المنبر، فحدثني: أنه صعد المنبر- يعني عليا﵁ فحمد الله وأثني عليه وصلى على النبي ﷺ وقال خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر والثاني عمر، وقال يجعل الله الخير حيث شاء٤.
قال ابن القيم: "وقد كانت الصلاة على النبي ﷺ في الخطب أمرا مشهورا معروفا عند الصحابة ﵃ أجمعين.
أما وجوبها فيعتمد دليلا يجب المصير إليه وإلى مثله٥.
الموطن السادس من مواطن الصلاة عليه ﷺ: الصلاة عليه بعد إجابة المؤذن وعند الإقامة
لما روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله
_________________
(١) ١ أخرجه ابن جرير في تفسيره (٣٠/ ٢٣٥) . ٢ عون بن أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي الكوفي، ثقة من الرابعة، مات سنة ست عشرة ومائة. تهذبب التهذيب (٨/١٧٠) . ٣ واسمه وهب بن عبد الله السرائي (بضم المهملة) ويقال اسم أبيه وهب أيضا، أبو جحيفة مشهور بكنيته، ويقال له وهب الخير، قدم على النبي ﷺ في أواخر عمره وحفظ عنه ثم صحب عليا بعده وولاه شرطة الكوفة. مات سنة أربع رستين. الإصابة (٣/ ٦٠٦) . ٤ المسند (١/١٠٦) . ٥ جلاء الأفهام (ص ٢٨٦) .
[ ٢ / ٥٣٤ ]
ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي، فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله تعالى، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي" ١.
الموطن السابع من مواطن الصلاة عليه ﷺ: عند الدعاء:
والدليل على ذلك حديث فضالة بن عبيد٢ ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلا يدعو في صلاة لم يحمد الله ولم يصل على النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "عجل هذا" ثم دعاه، فقال له أو لغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه ثم يصلي على النبي ﷺ، ثم يدعو بما شاء" ٣.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عند قال: "إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك ﷺ"٤.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٣٢٦ ٢ فضالة بن عبيد بن نافذ بن قيس الأنصاري الأوسي، صحابي جليل أسلم قديما ولم يشهد بدرا، وشهد أحدا فما بعدها وشهد فتح مصر والشام قبلها، مات في خلافة معاوية. الأصابة (٣/ ٢٥١) . ٣ أخرجه الامام أحمد في المسند (٦/ ١٧) .، وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب الدعاء (٢/ ١٦٢) ح ٤٨١ ١، وأخرجه الترمذي في سننه كتاب الدعوات، باب ادع تجب (٥/ ٥١٧) ح ٣٤٧٣، ٣٤٧٥ وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي في سننه (٣/ ٤٤) باب التمجيد والصلاة على النبي ﷺ. والحاكم في المستدرك (١/ ٢٣٢) وصححه ووافقه الذهبي. ٤ أخرجه الترمذي في سننه، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي ﷺ (٢/ ٣٥٦) . وقال أحمد شاكر بهامشه: "هذا موقوف بحكم المرفوع" وذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي (١/ ١٥٠، ١٥١) . وقال: حسن- الصحيحة ٢٠٣٥.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
الموطن الثامن من مواطن الصلاة على النبي ﷺ: عند دخول المسجد وعند الحروج منه
لما في الحديث عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله لمج! اقال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ، وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم أجرني من الشيطان الرجيم" ١.
وعن فاطمة بنت الحسين٢ عن جدتها فاطمة الكبرى٣ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، وقال: "رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال: "رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك" ٤.
_________________
(١) ١ صحيح ابن خزيمة (٤٥٢) وابن حبان (٣٢١) موارد. ٢ فاطمة بنت الحسين بن على بن أبي طالب الهاشمية المدنية روت عن أبيها وأخيها زين العابدين وغيرهم، وزوجها هو ابن عمها الحسن بن الحسن بن على، وتزوجها بعده عبد الله بن عمرو بن عثمان. وذكرها ابن حبان في الثقات، وقال: ماتت وقد قاربت التسعين. تهذيب التهذيب (١٢/ ٤٤٢- ٤٤٣) . ٣ فاطمة الزهراء بنت رسرل الله ﷺ، أم الحسنين سيدة نساء هذه الأمة، تزوجها علي بن أبي طالب ﵄ في السنة الثانية للهجرة، وماتت بعد النبي ﷺ بستة أشهر وقد جاوزت العشرين بقليل. تقريب التهذيب (ص ٤٧١) . ٤ أخرجه بهذا اللفظ: الإمام أحمد في المسند (٦/ ٢٧٢) . والترمذي في السنن أبواب الصلاة باب ما جاء ما يقول عند دخول المسجد (٢/ ١٢٧، ١٢٨) ح ٣١٤، وقال الترمذي: "وفي الباب عن أبي حميد، وأبي أسيد، وأبي هريرة، وقال: "حديث فاطمة حديث حسن، وليس إسناده بمتصل وفاطمة بنت الحسين لم تدرك فاطمة الكبرى، وإنما عاشت فاطمة بعد النبي ﷺ أشهرا". وأخرجه بلفظ: "إذا دخل المسجد يقول "بسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال "بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفم لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك". الإمام أحمد في المسند (٦/ ٢٨٣) . وابن ماجه في السنن، أبواب المساجد، الدعاء عند دخول المسجد (١/ ١٣٩) ح ٧٥٥ وله شاهد من حديث أبي حميد وأبي أسيد الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي اصلى الله عليه وسلم ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك. أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب فيما يقوله الرجل عند دخوله المسجد (١/ ٣١٧، ٣١٨) ح ٤٦٥ وهو عند مسلم في صحيحه كتاب صلاة المسافرين باب ما يقول إذا دخل المسجد (٢/ ١٥٥) بلفظ إذا دخل المسجد فليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل: اللهم افتح لي أبواب فضلك وهو عند أحمد بهذا اللفظ (٥/ ٤٢٥) . وهو عند النسائي بهذا اللفظ أيضا، انظر السنن كتاب المساجد باب القول عند دخول المسجد والخروج منه (٢/ ٥٣) وفي سنن ابن ماجه، أبواب المساجد، باب الدعاء عند دخول المسجد (١/ ١٣٩) ح ٧٥٦، قال رسول ﷺ: إذا دخل أحدكم المسحد فليسلم ثم ليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك. وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ وليقل اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم" أخرجه ابن ماجة في سننه، أبواب المساجد، باب الدعاء عند دخول المسجد (١/ ١٣١) ح ٧٥٧، وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، باب ما يقول إذا دخل المسجدح ٩٠ وفيه: فليقل: اللهم باعدني من الشيطان بدل قوله: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم. وأخرجه من طريق آخر عن أبي هريرة ولم يذكر فيه السلام ح ٩١، ٩٢ وتعرض النسائي هنا لاختلاف ألفاظ الحديث فليراجع. والحديث أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٤٥٢) . وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٠٧) كتاب الصلاة ولفظه عند الحاكم إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي ﷺ وليقل: اللهم أجرني من الشيطان الرجيم وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع (٥٢٨) .
[ ٢ / ٥٣٦ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية "والصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد
[ ٢ / ٥٣٧ ]
مأثور عنه ﷺ وعن غير واحد من الصحابة والتابعين"١.
وقال القاضي عياض: "ومن مواطن الصلاة والسلام عند دخول المسجد" وذكرا عددا من الآثار عن بعض الأئمة٢.
الموطن التاسع: من مواطن الصلاة عليه ﷺ: على الصفا والمروة
لما روى إسماعيل بن إسحاق القاضي بسنده عن نافع٣ أن عمر ﵁ كان يكبر على الصفا ثلاثا، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدر، ثم يصلي على النبي ﷺ، ثم يدعو ويطل القيام والدعاء، ثم يفعل على المروة نحو ذلك٤.
وعن وهب بن الأجدع٥ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يخطب الناس بمكة يقول إذا قدم الرجل منكم حاجا فليطف بالبيت سبعا وليصل عند المقام ركعتين ثم يستلم الحجر الأسود، ثم يبدأ بالصفا، فيقوم عليها ويستقبل البيت فيكبر سبع تكبيرات يين كل تكبيرتين حمد الله ﷿
_________________
(١) ١ الرد على الأخنائي (ص ١٤٧) . ٢ الشفا (٢/ ٦٣٧) . ٣ نافع الفقيه مولى ابن عمر أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور قال البخاري: أصح الأسانبد مالك عن نافع عن ابن عمره مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك. تهذيب التهذيب (١٠/ ٤١٢- ٤١٤) . ٤ كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٣٦- ٣٧) ح ٨٧. وقال الألباني في تعليقه عليه: "إسناده موقوف منقطع فإن نافعا لم يدرك عمر، ولكن في إجلاء الأفهام نقلا عن المصنف أن ابن عمر فإن صح هذا فيكون قد سقط من نسختنا لفظة (ابن) ويكون السند حينئذ متصلا صحيحا، وهذا مما أستبعده، والله أعلم، انثهي كلامه. ٥ وهب بن الأجدع الهمداني الخارفي الكرفي، تابعي ثقة، روي عن عمر وعلي وعنه هلال بن سياف والشعبي، وكان قليل الحديث. تهذيب التهذيب (١/ ١٥٨) .
[ ٢ / ٥٣٨ ]
وثناء عليه عزوجل، وصلاة على النبي ﷺ، ومسألة لنفسه وعلى المروة مثل ذلك١.
الموطن العاشر من مواطن الصلاة عليه ﷺ: عند اجتماع القوم قبل تفرقهم:
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما جلس قوم مجلسا فلم يذكروا الله ولم يصلوا على نبيه ﷺ إلا كان مجلسهم عليهم ترة٢ يوم القيامة، إن شاء عفا عنهم، وإن شاء أخذهم" ٣.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "ما جلس قوم مجلسا لم يصل فيه على النبي ﷺ إلا كانت عليهم حسرة وإن دخلوا الجنة" ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه إسماعيل بن اسحاق القاضي في كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٣٤) ح ٨١ وأورده ابن القيم في جلاء الأفهام (ص ٢٩٢- ٢٩٣) وعزاه لجعفر بن عون وأبي ذر الهروي. وأورده السخاوي في القول البديع (ص ٢٠٩) وعزاه للبيهقي وإسماعيل القاضي وأبي ذر الهروي وقال- أي السخاوي- اسناده قوي ٢ "ترة": النقص، وقيل التبعة. النهاية (١/ ١٨٩) ٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٤٤٦، ٤٥٣، ٤٨١، ٤٨٤) وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب الدعاء، باب في القوم يجلسون لا يذكرون الله (٥/ ١ ٤٦) ح ٠ ٣٣٨ وقال حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ١٥٩) ح ٤٤٩ وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٩٦) وقال هذا حديث صحيح الأسناد ولم يخرجاه وصالح ليس بالساقط وتعقبه الذهبي بقوله صالح ضعيف. وأخرجه ابن حبان في صحيحه. انظر موارد الظمآن (٢٣٢٢) . ٤ أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص ٣١٤) ح ٤١٠ وأخرجه إسماعيل بن إسحاق في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٢٢) ح ٥٥ وقال الألباني في تعليقه عليه: إسناده صحيح موقوف ولكنه في حكم المرفرع.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
وعن جابرأن رسول الله ﷺ قال: ما جلس قوم مجلسا ثم تفرقوا من غير صلاة على النبي ﷺ إلا تفرقوا على أنتن من ريح جيفة"١.
الموطن الحادي عشرمن مواطن الصلاة عليه ﷺ عند ذكره
قال ابن القيم: "وقد اختلفت في وجوبها كلما ذكر اسمه ﷺ فقال أبو جعفر الطحاوي٢ وأبو عبيد الله الحليمي: تجب الصلاة عليه ﷺ كلما ذكر اسمه. وقال غيرهما إن ذلك مستحب، وليس بفرض يأثم تاركه. ثم اختلفوا: فقالت فرقة: تجب الصلاة عليه في العمر مرة واحدة، لأن الأمر مطلق لا يقتضي تكرارا، والماهية تحصل بمرة، وهذا محكي عن أبي حنيفة ومالك، والثوري، والأوزاعي٣.
قال القاضي عياض وابن عبد البر: وهو قول جمهور الأمة.
وقالت فرقة: بل تجب في كل صلاة في تشهدها الأخير كما تقدم، وهو قول الشافعي وأحمد في آخر الروايتين عنه، وغيرهما.
وقالت فرقة: الأمر بالصلاة عليه أمر استحباب لا أمر إيجاب، وهذا قول ابن جرير وطائفة، وادعى ابن جرير فيه الإجماع، وهذا على أصله فإنه إذا رأي الأكثرين على قول، جعله إجماعا يجب اتباعه.
_________________
(١) ١ أخرجه النساثي في عمل اليوم والليلة (ص ٣١٤) ح ٤١١. ٢ أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، أبو جعفر، فقيه انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر، وهو أحد الثقات الأثبات الحفاظ، توفي سنة ٣٢١ ص. الأعلام (١/ ٢٠٦) . ٣ عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، أهله من سبي السند استقر بدمشق وهو من شيوخ الإسلام كان عابدا مجاهدا، قال عنه الحاكم: الأوزاعي إمام عصره عموما وإمام أهل الشام خصوصا، توفي ببيروت عام ١٥٧ ص. البداية والنهاية (١٠/ ١١٥- ١٢٠) .
[ ٢ / ٥٤٠ ]
واحتج الموجبون بحجج:
الحجة الأولى: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة" ١.
ورغم أنفه: دعاء عليه وذم له، وتارك المستحب لا يذم ولا يدعى عليهز.
الحجة الثانية: حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، أنه صعد المنبر فقال: "آمين، آمين، آمين، فقيل له يارسول الله، ما كنت تصنع هذا؟ فقال: "قال لي جبريل رغم أنف عبد دخل عليه رمضان ولم يغفر له، فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنفه عبد أدرك أبويه أو أحدهما الكبر لم يدخل الجنة، فقلت: آمين ثم قال: رغم أنف عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت: آمين" ٢
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الدعوات، باب قول النبي ﷺ: رغم أنف رجل" (٥/ ٥٥٠) ح ٣٥٤٥ وقال: "وهذا حديث حسن غريب من هذا الرجه. وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٩) وصححه ووافقه الذهبي. وأخرجه إسماعيل بن اسحاق القاضي في كتابه فضل الصلاة على النبي على (ص ٩) ح ١٦ وقال الألباني في تعليقه عليه إسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح. ٢ أخرجه إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتابه فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٩) ح ١٨ وقال الألباني في تعليقه عليه إسناده حسن. وأخرجه ابن حبان في صحيحه. انظر موارد الظمآن (٢٣٨٧) والحديث روي كذلك من طرق أخرى عن كل من: ا- كعب بن عجرة ﵁: أخرجه إسماعيل بن إسحاق في كتابه فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ١٥) ح ١٩. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ١٥٣، ١٥٤) وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) أنس بن مالك ﵁: قال السخاوي في القول البديع (ص ١٤٨) أخرجه ابن أبي شيبة والبزار في مسنديهما.
(٣) مالك بن الحويرث ﵁: أخرجه ابن حبان في صحيحه (٢٣٨٦) موارد، وقال السخاوي (ص ١٤٨) أخرجه ابن حبان في صحيحه وثقاته معا، والطبراني ورجاله ثقات لكن فيهم عمران بن أبان الراسطي وهو وإن وثقه ابن حبان وأخرج حديثه هذا في صحيحه فقد ضعفه غير واحد.
(٤) جابر بن عبد الله ﵁: أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص ٩٥) . وقال السخاري في كتابه القول البديع (ص ١٤٨): رواه البخاري في الأدب المفرد والطبري في تهذيبه والدارقطي في الأفراد وهو حديث حسن ونحوه من وجه آخر عند الطبراني في الأوسط وابن السني في عمل اليوم والليلة، وأشار إليه الترمذي في جامعه بقوله وفي الباب عن جابر وقد أخرجه النسائي وساقه الضياء في المختارة من طريق الطيالسي وقال هذا عندي على شرط مسلم. انتهي وفي ذلك نظر والله أعلم. ٥- جابر بن سمرة: قال السخاوي: أخرجه الدارقطني في الأفراد والبزار في مسنده، والطبراني في الكبير والدقيقي في أماليه. وللحديث طرق أخرى ذكرها السخاوي في القول البديع (ص ١٤٧- ١٥١) ولا يتسع المجال هنا لذكرها. قال ابن القيم (ولا ريب أن الحديث بتلك الطرق المتعددة تفيد الصحة، جلاء الأفهام (ص ٢٩٥) .
[ ٢ / ٥٤١ ]
الحجة الثالثة: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من ذكرت عنده فليصل علي، فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا" ١. وهذا إسناد صحيح والأمر ظاهره الوجوب.
الحجة الرابعة: حديث الحسين بن علي٢ ﵄ عن النبي ﷺ
_________________
(١) ١ أخرجه النسائبي في اليوم والليلة رقم (٦١) وابن السني (٣٨٣) وإسناده صحيح. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦٤٣) . ٢ الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو عبد الله المدني سبط رسول الله ﷺ وريحانته من الدنيا، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، استشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وله ست وخمسرن سنة. الاصابة (١/ ١ ٣٣- ٣٣٤) .
[ ٢ / ٥٤٢ ]
أنه قال: "إن البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي" ١.
وعن عوف بن مالك الأشجعي أن رسول الله ﷺ قعد أو قعد أبو ذر- فذكر حديثا طويلا- وفيه قال رسول الله ﷺ "إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل علي" ٢.
قالوا: فإذا ثبت أنه بخيل فوجه الدلالة به من وجهين:
أحدها: أن البخل اسم ذم، وتارك المستحب لا يستحق اسم الذم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ ٣ فقرن البخل بالاختيال والفخر، والآمر بالبخل، وذم على المجموع، فدل على أن البخل صفة ذم، وقال النبي ﷺ: "وأي داء أدوأ من البخل" ٤.
الثاني: أن البخيل هو مانع ما وجب عليه، فمن أدى الواجب عليه كله لم يسم بخيلا، وإنما البخيل مانع ما يستحق عليه إعطاؤه وبذله.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٠١) . والترمذي في سننه، كتاب الدعوات، باب قول رسول الله ﷺ رغم أنف رجل (٥/ ٥٥١) ح ٣٥٤٦ وقال: حديث حسن صحيح غريب والنسائي في اليوم والليلة (٥٥) . وابن حبان في صحيحه (٢٣٨٨) مرارد. والحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٩) وصححه ووافقه الذهبي. وأخرجه إسماعيل بن اسحاق القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ١٥) ح ٣٣. ٢ أخرجه إسماعيل بن إسحاق القاضي (ص ١٦) رقم ٣٧ وقال الألباني في تعليقه عليه: حديث صحيح بشاهده المتقدم والآتي بعده، ورجال إسناده ثقات لولا الرجل الذي لم يسم. وقد رواه ابن أبي عاصم في "كتاب الصلاة" من طريتى أخرى عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي ذر، فأحد الطريقين يقوى الآخر. ٣ الآيتان (٢٣- ٢٤) من سورة الحديد. ٤ أخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم (٢٩٦) عن جابر رضي الذ عنه والإمام أحمد في المسند (٣/٣٠٧) .
[ ٢ / ٥٤٣ ]
الحجة الخامسة: أن الله ﷾ أمر بالصلاة والتسليم عليه، والأمر المطلق للتكرار، ولا يمكن أن يقال: التكرار هو كل وقت، فإن الأوامر المكررة إنما تتكرر في أوقات خاصة، أو عند شروط وأسباب تقتضي تكرارها، وليس وقت أولى من وقت، فتكرار المأمور بتكرار ذكر النبي ﷺ أولى لما تقدم من النصوص، فهنا ثلاث مقدمات:
الأولى: أن الصلاة مأمور بها أمرا مطلقا، وهذه معلومة.
المقدمة الثانية: أن الأمر المطلق يقتضي التكرار، وهذا مختلف فيه فنفاه طائفة من الفقهاء والأصوليين. وأثبته طائفة. وفرقت طائفة يين الأمر المطلق والمعلق على شرط أو وقت، فأثبتت التكرار في المعلق دون المطلق. والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد والشافعي، وغيرهما.
ورجحت هذه الطائفة التكرار بأن عامة أوامر الشرع على التكرار كقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١ وقوله ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ٤ وقوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٥ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ٦ وقوله تعالى: ﴿وَخَافُونِ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ الآية (٧) من سورة الحديد. ٢ الآية (٢٠٨) من سورة البقرة. ٣ الآية (٥٩) من سررة النساء. ٤ الآية (١٩٤) من سورة البقرة. ٥ الآية (٤٣) من سورة البقرة. ٦ الآية (٢٠٠) من سورة آل عمران. ٧ الآية (١٧٥) من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
وقوله: ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ ١، وقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ ٣.
وذلك في القرآن أكثر من أن يحصر، وإذا كات أوامر الله ورسوله على التكرار حيث وردت إلا في النادر، علم أن هذا عرف خطاب الله ورسوله للأمة، والأمر وإن لم يكن في لفظه المجرد ما يؤذن بتكرار ولا فور فلا ريب أنه في عرف خطاب الشارع للتكرار، فلا يحمل كلامه إلا على عرفه والمألوف من خطابه، وإن لم يكن ذلك مفهوما من أصل الوضع في اللغة، وهذا كما قلنا: ان الأمر يقتضي الوجوب، والنهي يقتضي الفساد، فإن هذا معلوم من خطاب الشارع وإن كان لا تعرض لصحة المنهي ولا لفساده في أصل موضوع اللغة، وكذا خطاب الشارع لواحد من الأمة يقتضي معرفة الخاص أن يكون اللفظ متناولا له ولأمثاله، وإن كان موضوع اللفظ لغة لا يقتضي ذلك، فإن هذا لغة صاحب الشرع وعرفه في مصادر كلامه وموارده، وهذا معلوم بالاضطرار من دينه قبل أن يعلم صحة القياس واعتباره وشروطه، وهكذا الفرق يين اقتضاء اللفظ وعدم اقتضائه لغة، ويين اقتضائه في عرف الشارع وعادة خطابه.
المقدمة الثالثة: أنه إذا تكرر المأمور به، فإنه لا يتكرر إلا بسبب أو وقت، وأولى الأسباب المقتضية لتكراره ذكر اسمه ﷺ، لإخباره برغم أوف من ذكر عنده فلم يصل عليه، وللإسجال عليه بالبخل وإعطائه اسمه.
_________________
(١) ١ الآية (١٥٠) من سورة البقرة. ٢ الآية (٧٨) من سورة الحج. ٣ الآية (١٠٣) من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
قالوا: ومما يؤيد ذلك أن الله سبحانه أمر عباده المؤمنين بالصلاة عليه عقب إخباره لهم بأنه وملائكته يصلون عليه، لم يكن مرة وانقطعت. بل في صلاة متكررة، ولهذا ذكرها مبينا بها فضله وشرفه وعلو منزلته عنده، ثم أمر المؤمنين بها، فتكرارها في حقهم أحق وآكد لأجل الأمر.
قالوا: ولأن الله أكد السلام بالمصدر الذي هو التسليم، وهذا يقتضي المبالغة والزيادة في كميته، وذلك بالتكرار.
قالوا: ولأن لفظ الفعل المأمور به يدل على التكثير وهو "صلى وسلم" فإن "فعَّل" المشدد، يدل على تكرار الفعل، كقولك كسّر الخبرز وقطَّع اللحم، وعلّم الخير، وشدّد في كذا، ونحوه.
قالوا: ولأن الأمر بالصلاة عليه في مقابل إحسانه إلى الأمة، وتعليمهم وإرشادهم وهدايتهم، وما حصل لهم ببركته من سعادة الدنيا والآخرة، ومعلوم أن مقابلة مثل هذا النفع العظيم لا يحصل بالصلاة عليه مرة واحدة في العمر، بل لو صلى العبد عليه بعدد أنفاسه لم يكن موفيا لحقه ولا مؤديا لنعمته، فجعل ضابط شكر هذه النعمة بالصلاة عليه عند ذكر اسمه ﷺ.
قالوا: ولهذا أشار النبي ﷺ إلى ذلك بتسميته من لم يصل عليه عند ذكره بخيلا، لأن من أحسن إلى العبد الإحسان العظيم، وحصل له به هذا الخير الجسيم، ثم يذكر عنده ولا يثني عليه ولا يبالغ في حمده ومدحه وتمجيده، ويبدي ذلك ويعيده، ويعتذر من التقصير في القياع بشكره وحقه، عده الناس بخيلا لئيما كفورا فكيف بمن أدنى إحسانه إلى العبد يزيد على أعظم إحسان المخلوقين بعضهم لبعض الذي بإحسانه حصل للعبد خير الدنيا والآخرة، ونجا من شر الدنيا والآخرة، الذي لا تتصور القلوب حقيقة نعمته وإحسانه، فضلا
[ ٢ / ٥٤٦ ]
عن أن تقوم بشكره، أليس هذا المنعم المحسن أحق بأن يعظم ويثنى عليه، ويستفرغ الوسع في حمده ومدحه إذا ذكر بين الملأ، فلا أقل من أن يصلى عليه مرة إذا ذكر اسمه ﷺ.
قالوا: ولهذا دعا عليه النبي ﷺ برغم أنفه، وهو أن يلصق أنفه بالرغام وهو التراب، لأنه لما ذكر عنده فلم يصل عليه استحق أن يذله الله ويلصق أنفه بالتراب.
قالوا: ولأن الله سبحانه نهى الأمة أن يجعلوا دعاء الرسول بينهم كدعاء بعضهم بعضا، فلا يسمونه إذا خاطبوه باسمه، كما يسمى بعضهم بعضا بل يدعونه برسول الله ونبي الله، وهذا من تمام تعزيره وتوقيره وتعظيمه، فهكذا ينبغي أن يخص باقتران اسمه بالصلاة عليه، ليكون ذلك فرقا بينه وبين ذكر غيره، كما كان الأمر بدعائه بالرسول والنبي فرقا بينه ويين خطاب غيره، فلو كان عند ذكره لا تجب الصلاة عليه كان ذكره كذكر غيره في ذلك، هذا على أحد التفسيرين في الآية، وأما على التفسير الآخر وهو أن المعنى لا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء بعضكم بعضا فتؤخروا الإجابة بالاعتذار والعلل التي يؤخر بها بعضكم إجابة بعض ولكن بادروا إليه إذا دعاكم بسرعة الإجابة ومعاجلة الطاعة حتى لم يجعل اشتغالهم بالصلاة عذرا لهم في التخلف عن إجابته والمبادرة إلى طاعته فإذا لم تكن الصلاة التي فيها شغل عذرا يستباح بها تأخير إجابته فكيف ما دونها من الأسباب والأعذار؟ فعلى هذا يكون المصدر مضافا إلى الفاعل، وعلى القول الأول يكون مضافا إلى المفعول.
وقد يقال- وهو أحسن من القولين- إن المصدر هنا لم يضف إضافته إلى فاعل ولا مفعول، وإنما أضيف إضافة الأسماء المحضة، ويكون المعنى: لا
[ ٢ / ٥٤٧ ]
تجعلوا الدعاء المتعلق بالرسول المضاف إليه كدعاء بعضكم بعضا، وعلى هذا فيعم الأمرين معا، ويكون النهي عن دعائهم له باسمه كما يدعو بعضهم بعضا، وعن تأخير إجابته ﷺ، وعلى كل تقدير فكما أمر الله سبحانه أن يميز في خطابه ودعائهم إياه قياما للأمة بما يجب عليه من تعظيمه وإجلاله فتمييزه بالصلاة عليه عند ذكر اسمه من تمام هذا المقصود.
قالوا: وقد أخبرالنبي ﷺ "أن من ذكر عنده فلم يصل عليه خطىء طريق الجنة" ١ فلولا أن الصلاة عليه واجبة عند ذكره لم يكن تاركها مخطئا لطريق الجنة. قالوا: وأيضا فمن ذكر النبي ﷺ أو ذكر عنده فلم يصل عليه فقد جفاه، ولا يجوز لمسلم جفاؤه ﷺ.
فالدليل على المقدمة الأولى: ما روي عن قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من الجفاء أن أذكر عند الرجل فلا يصلي علي" ٢
_________________
(١) ١ أخرجه ابن ماجة في السنن، أبواب إقامة الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ (١/ ١٦٤) ح ٨٩٥ وقال الألباني حسن صحيح (صحيح ابن ماجة ١/ ١٥٠) . وأخرجه إسماعيل بن إسحاق في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ١٧- ١٨) ح ٤١- ٤٢- ٤٣- ٤٤. وقال الألباني في تعليقه عليه: "إسناده مرسل صحيح، والحديث له طرق وإن كانت لا تخلو من ضعف فبعضها يقوي بعضا فالحديث وتقي بها إلى درجة الحسن على أقل الدرجات" انتهي كلامه. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٤١٨) مرسلا عن محمد بن الحنفية. وأخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ١٣٨) رقم ٢٨٨٧ موصولا عن الحسين بن علي من طريق بشر بن محمد الكندي وهو ضعيف. انظر: مجمع الزوئد (١٠/ ١٦٤) . وأخرجه البيهقي في الشعب (١/ ٤١٩) عن أبي هريرة. ٢ أورده ابن القيم وعزاه لسعيد بن الأعرابي " جلاء الأفهام (ص ٣٠١) وأورده السخاوي في القول البديع (ص ١٥٢) وقال أخرجه النميري من وجهين من طريق عبد الرزاق وهو في جامعه ورواته ثقات.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
ولو تركنا وهذا المرسل وحده لم نحتج به، ولكن له أصول وشواهد قد تقدمت من تسمية تارك الصلاة عليه عند ذكره بخيلا وشحيحا، والدعاء عليه بالرغم، وهذا من مرجبات جفائه.
والدليل على المقدمة الثانية: أن جفاءه مناف لكمال حبه، وتقديم محبته على النفس والأهل والمال، وأنه أولى بالمؤمن من نفسه فإن العبد لا يؤمن حتى يكون رسول الله ﷺ أحب إليه من نفسه ومن ولده ووالده والناس أجمعين، كما ثبت عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: يارسول الله، والله لأنت أحب ألي من كل شيء إلا من نفسي، قال: " لا ياعمر حتى أكون أحب إليك من نفسك" قال: فوالله لأنت الآن أحب إلي من نفسي، قال: "الآن ياعمر" ١ وثبت عنه في الصحيح أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" ٢ فذكر هذا الحديث أنواع المحبة الثلاثة فإن المحبة إما محبة إجلال وتعظيم، كمحبة الوالد، وإما محبة تحنن وود ولطف كمحبة الولد، وإما محبة لأجل الإحسان وصفات الكمال، كمحبة الناس بعضهم بعضا، ولا يؤمن العبد حتى يكون حب الرسول ﷺ عنده أشد من هذه المحاب كلها.
ومعلوم أن جفاءه ﷺ ينافي ذلك
قالوا: فلما كانت محبته فرضا، وكانت توابعها من الإجلال والتعظيم والتوقير والطاعة والتقديم على النفس، وإيثاره بنفسه بحيث يقي نفسه
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٣٠٧ ٢ تقدم تخريجه ص ٣٠٨
[ ٢ / ٥٤٩ ]
فرضا، كانت الصلاة عليه ﷺ إذا ذكر من لوازم هذه الأحبية وتمامها.
قالوا: وإذا ثبت بهذه الوجوه وغيوها وجوب الصلاة عليه ﷺ على من ذكر عنده، فوجوبها على الذاكر نفسه أولى، ونظير هذا أن سامع السجدة إذا أمر بالسجود إما وجوبا أو استحبابا، فوجوبها على التالي أولى، والله أعلم.
قال نفاة الوجوب: الدليل على قولنا من وجوه:
أحدها: أن من المعلوم الذي لا ريب فيه أن السلف الصالح الذين هم القدوة لم يكن أحدهم كلما ذكر النبي ﷺ يقرن الصلاة عليه باسمه، وهذا في خطابهم للنبي ﷺ أكثر من أن يذكر فإنهم كانوا يقولون يارسول الله، مقتصرين على ذلك وربما كان يقول أحدهم "صلى الله عليك" وهذا في الأحاديث ظاهر كثير، فلو كانت الصلاة عليه واجبة عند ذكره لأنكر عليهم تركها.
الثاني: أن الصلاة عليه لو كانت واجبة كلما ذكر لكان هذا من أظهر الواجبات، ولبينه النبي ﷺ لأمته بيانا يقطع العذر وتقوم به الحجة.
الثالث: أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم هذا القول، ولا يعرف أحد منهم قال به، وأكثر الفقهاء – بل قد حكى الإجماع - على أن الصلاة عليه ﷺ ليست من فروض الصلاة، وقد نسب القول بوجوبها إلى الشذوذ ومخالفة الإجماع السابق، فكيف تحب خارج الصلاة.
الرابع: أنه لو وجبت الصلاة عليه عند ذكره دائما، لوجب على المؤذن أن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله، وهذا لا يشرع له في الأذان على أن يجب عليه.
الخامس: أنه كان يجب على من سمع النداء وأجابه أن يصلي عليه ﷺ، وقد أمر ﷺ السامع أن يقول كما يقول المؤذ، وهذا يدل على جواز
[ ٢ / ٥٥٠ ]
اقتصاره على قوله "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله" فإن هذا مثل ما قال المؤذن.
السادس: أن التشهد الأول ينتهي عند قوله "وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" اتفاقا، واختلف هل يشرع أن يصلي على النبي ﷺ وعلى آله فيه، على ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يشرع ذلك إلا في الأخير.
والثاني: يشرع.
والثالث: تشرع الصلاة عليه خاصة دون آله، ولم يقل أحد بوجوبها في الأول عند ذكر النبي ﷺ.
السابع: أن المسلم إذا دخل في الإسلام بتلفظه بالشهادتين لم يحتج أن يقول أشهد أن محمدا رسول الله ﷺ.
الثامن: أن الخطب في الجمع والأعياد وغيرهما لا يحتاج أن يصلي على النبي ﷺ في نفس الشهد، ولو كانت الصلاة واجبة عليه عند ذكره لوجب عليه أن يقرنها بالشهادة، ولا يقال تكفي الصلاة عليه في الخطبة فإن تلك الصلاة لا تنعطف على ذكر اسمه عند الشهادة، ولا سيما مع طول الفصل، والموجبون يقولون: تجب الصلاة عليه كلما ذكر ومعلوم أن ذكره ثانيا غير ذكره أولا.
التاسع: أنه لو وجبت الصلاة عليه كلما ذكر لوجب على القارئ كلما مر ذكر اسمه أن يصلي عليه، ويقطع لذلك قراءته ليؤدي هذا الواجب، وسواء كان في الصلاة أو خارجها، فإن الصلاة عليه ﷺ لا تبطل الصلاة، وهي واجب قد تعين فلزم أداؤه، ومعلوم أن ذلك لو كان واجبا لكان
[ ٢ / ٥٥١ ]
الصحابة والتابعون أقوم به وأسرع إلى أدائه وترك إهماله.
العاشر: أنه لو وجبت الصلاة عليه كلما ذكر لوجب الثناء على الله ﷿ كلما ذكر اسمه، فكان يجب على من ذكر اسم الله أن يقرنه بقوله: "﷾" أو "﷿" أو "﵎" أو "جلت عظمته" أو "تعالى جده" ونحو ذلك، بل كان ذلك أولى وأحرى فإن تعظيم الرسول وإجلاله ومحبته وطاعته تابع لتعظيم مرسله سبحانه وإجلاله ومحبته وطاعته، فمحال أن تثبت المحبة والطاعة والتعظيم والإجلال للرسول ﷺ دون مرسله، بل انما يثبت ذلك له تبعا لمحبة الله وتعظيمه وإجلاله، ولهذا كانت طاعة الرسول طاعة لله، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومبايعته مبايعة لله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ١ ومحبته محبة لله قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٢، وتعظيمه تعظيم للهه، ونصرته نصرة لله، فإنه رسوله وعبده الداعي إليه وإلى طاعته ومحبته وإجلاله، وتعظيمه وعبادته وحده لا شريك له، فكيف يقال تجب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه، وهي ثناء وتعظيم كما تقدم، ولا يجب الثناء والتعظيم للخالق ﷾ كلما ذكر اسمه؟ هذا محال من القول.
الحادي عشرة: لو جلس إنسان ليس له هجيرى٣ إلا قوله: محمد رسول الله، أو اللهم صل على محمد، وبشر كثير يسمعونه، فإن قلتم تجب على كل أولئك السامعين أن يكون هجيراهم الصلاة عليه ﷺ، ولو طال المجلس
_________________
(١) ١ الآية (١٠) من سورة الفتح. ٢ الآية (٣١) من سورة آل عمران. ٣ هجيرى: الدأب والشأن.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
ما طال، كان ذلك حرجا ومشقة وتركا لقراءة قارئهم، ودراسة دارسهم، وكلام صاحب الحاجة منهم، ومذاكرته في العلم، وتعليمه القرآن وغيره، وإن قلتم لا تحب عليهم الصلاة عليه في هذه الحال، نقضتم مذهبكم، وإن قلتم: تجب عليه مرة أو أكثر، كان تحكما بلا دليل مع أنه مبطل لقولكم.
الثاني عشر: أن الشهادة له بالرسالة أفرض وأوجب من الصلاة عليه بلا ريب، ومعلوم أنه لا يدخل في الإسلام إلا بها، فإذا كانت لا تجب كلما ذكر اسمه، فكيف تحب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه، وليصر من الواجبات بعد كلمة الاخلاص أفرض من الشهادة له بالرسالة، فمتى أقر له بوجوبها عند ذكر اسمه تذكر العبد الإيمان وموجبات هذه الشهادة فكان يجب على كل من ذكر اسمه أن يقول محمد رسول الله، ووجوب ذلك أظهر بكثير من وجوب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه.
ولكل فرقة من هاتين الفرقتين أجوبة عن حجج الفرقة المنازعة لها، بعضها ضعيف جدا وبعضها محتمل، وبعضها قوي، ويظهر ذلك لمن تأمل حجج الفريقين، والله ﷾ أعلم بالصواب"١.
الموطن الثاني عشر من مواطن الصلاة عليه ﷺ يوم الجمعة
فعن أوس بن أوس٢ قال: قال رسول الله ﷺ "من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة وفيه الصعقة، فاكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي".
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام (ص ٢٩٤ الى ٣٠٥) . ٢ أوس بن أوس الثقفي، صحابي، سكن الشام ومات بها. الأصابة (١/ ٩٢) وتهذيب التهذيب (١/ ٣٨١) .
[ ٢ / ٥٥٣ ]
قالوا: يارسول الله كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ - يعني وقد بليت- فقال: "إن الله ﷿ حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" ١
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٨) وأخرجه اسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي (ص ١١) رقم ٢٢. وأخرجه أبو داود في سننه (١/ ٦٣٥) كتاب الصلاة، باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة ح ١٠٤٧. وأخرجه النسائي في السنن (٣/ ٩١) كتاب الجمعة، باب ذكر فضل الجمعة. وأخرجه ابن ماجة في سننه (١/ ١٩٥) أبواب إقامة الصلاة، باب فضل الجمعة ح ١٠٧١ وفي أبواب ما جاء في الجنائز باب ذكر وفاته ودفنه ﷺ (١/ ٣٠٠) ح ١٦٣٧. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٦٠) وصححه ووافقه الذهبي. ورواه ابن حبان في صحيحه. انظر الورارد (٥٥٠) . قال ابن القيم: "وقد أعله بعض الحفاظ بأن حسينا الجعفي حدث به عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعت الصنعاني، عن أوس بن أوس، قال ومن تأمل هذا الإسناد لم يشك في صحته، لثقة رواته وشهرتهم وقبول الأئمة أحاديثهم وعلته: أن حسينا الجعفي لم يسمع من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وإنما سمع من عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وعبد الرحمن بن يزيد ابن تميم لا يحتج به، فلما حدث به حبن الجعفي غلط في اسم الجد، فقال ابن جابر، وقد بين ذلك الحفاظ ونبهوا عليه. فقال البخاري في التاريخ الكبير " (٥/ ١٣٦٥) عبد الرحمن بن يزيد بن تميم السلمي الشامى عن مكحول، سمع منه الوليد بن مسلم، عنده مناكير، ويقال: هو الذي روى عنه أبو أسامة وحسين الجعفي، وقالا: هو يزيد بن جابر، وغلطا في نسبه ونريد بن تميم أصح، وهو ضعيف الحديث. وقال الخطيب: روى الكوفيون أحاديث عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ووهموا في ذلك، والحمل عليهم في تلك الأحاديث. وقال موسى بن هارون الحافظ: روى أبو أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وكان ذلك وهنا منه، وهو لم يلق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وإنما لقي عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، فظن أنه ابن جابر نفسه، وابن تميم ضعيف. وقد أشار غير واحد من الحفاظ إلى ما ذكره هؤلاء الأئمة. وجواب هذا التعليل من وجوه: أحدها: أن حسينا الجعفي قد صرح بسماعه له من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. قال ابن حبان في صحيحه: حدثنا ابن خزيمة، حدثنا أبو كريب، حدثنا حسين بن علي حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فصرح بالسماع منه. وفولهم: إنه ظن أنه ابن جابر وإنما هو ابن تميم، فغلط في اسم جده بعيد، فإنه لم يكن يشببه على حسين هذا بهذا، مع نقده وعلمه بهما وسماعه منهما. فإن قيل: فقد قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب "العلل" سمعت أبي يقول عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر، لا أعلم أحدا من أهل العراق يحدث عنه، والذي عندي أن الذي يروي عنه أبو أسامة وحسين الجعفي واحد، وهو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم لأن أبا أسامة روى عن عبد الرحمن بن يزيد، عن القاسم عن أبي أمامة خمسة أحاديث أو ستة أحاديث منكرة، لا يحتمل أن يحدث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بمثله، ولا أعلم أحدا من أهل الشام روى عن ابن جابر من هذه الأحاديث شيئا. وأما حسين الجعفي فإنه يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأشعث، عن أوس بن أوس عن النبي ﷺ في يوم الجمعة أنه قال: "أفضل الأيام يوم الجمعة، فيه الصعقة وفيه النفخة، وفيه كذا" وهو حديث منكر لا أعلم أحدا رواه غير حسين الجعفي، وأما عبد الرحمن بن-نريد بن تميم فهو ضعيف الحديث، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثقة، تم كلامه. قيل: وقد تكلم في سماع حسين الجعفي، وأبي أسامة من ابن جابر فأكثر أهل الحديث أنكروا سماع أبي أسامة منه. قال شيخنا (أبو الحجاج المزي) في التهذيب: قال ابن نمير- وذكر أبا أسامة- فقال: الذي-يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر يرى أنه ليس بابن جابر المعروف، ذكر لي أنه رجل يسمى باسم ابن جابر، قال يعقوب: صدق، هو عبد الرحمن ابن فلان بن تميم، فدخل عليه أبو أسامة فكتب عنه هذه الأحاديث فروى عنه، وإنما هو إنسان يسمى بابن جابر. قال يعقوب: وكأني رأيت ابن نمير يتهم أبا أسامة أنه علم ذلك وعرف ولكن تغافل عن ذلك قال: وقال لي ابن نمير أما ترى روايته لا تشبه سائر حديثه الصحاح الذي روى عنه أهل الشام وأصحابه؟ وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سكت محمد بن عبد الرحمن ابن أخي حسين الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فقال قدم الكوفة عبد الرحمن بن يزيد بن تميم وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثم قدم عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بعد ذلك بدهر والذي يحدث عنه أبو أسامة ليس هو ابن جابر، بل هو ابن تميم وقال ابن داود سمع أبو أسامة من ابن المبارك عن ابن جابر وجميعا يحدثان عن مكحول، وابن جابر أيضا دمشقي، فلما قدم هذا قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد الدمشقي، وحدث عن مكحول، فظن أبو أسامة أنه ابن يزيد ابن جابر الذي روى عنه ابن المبارك وابن جابر ثقة مأمون يجمع حديثه، وابن تميم ضعيف. وقال أبو داود: متروك الحديث، حدث عنه أبو أسامة وغلط في اسمه، وقال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الشامي وكل ما جاء عن أبي أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد، فإنما هو ابن تميم. وأما رواية حسين الجعفي عن ابن جابر، فقد ذكر شيخنا في التهذيب وقال: روى عنه حسين بن علي الحعفي، وأبو أسامة حماد بن أسامة إن كان محفوظا فجزم برواية حسين عن ابن جابر، وشك في رواية حماد فهذا ما ظهر في جواب هذا التعليل. ثم بعد أن كتبت ذلك رأيت الدارقطني قد ذكر ذلك نصا فقال في كلامه على كتاب أبي حاتم في "الضعفاء" قوله: حسين الجعفي روى عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وأبو أسامة- وي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم. فيغلط في اسم جده، تم كلامه. وللحديث علة أخرى: وهي أن عبد الرحمن بن يزيد لم يذكر سماعه من أبي الأشعث. قال علي بن المديني،: حدثنا الحسين بن علي بن الجعفي، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر سمعته يذكر عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس فذكره. وقال إسماعيل بن إسحاق في كتابه (ص ١١) رقم ٢٢ حدثنا على بن عبد الله فذكره. وليست هذه بعلة قادحة فإن للحديث شواهد من حديث أبي هريرة وأبي الدرداء، وأبي أمامة، وأبي مسعود الأنصاري، وأنس بن مالك والحسن عن النبي ﷺ انتهى كلام ابن القيم جلاء الأفهام (ص ٦٩- ٧١)
[ ٢ / ٥٥٤ ]
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "خير يوم طلعت
[ ٢ / ٥٥٥ ]
فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا هي مصيخة١ يوم الجمعة، من حين تصبح حتى تطلع الشمس، شفقا من الساعة، إلا الجن والانس، وفيها ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي، يسأل الله شيئا إلا أعطاه الله إياه"٢.
_________________
(١) ١ مصيخة: أي مستمعة، مصغية. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب فضل يوم الجمعة (٣/ ٦) وأخرجه الترمذي في سننه، أبواب الجمعة، باب ما جاء في فضل يوم الجمعة (٢/ ٣٥٩) ح ٤٨٨. وأخرجه النسائي في سننه، كتاب الجمعة، باب ذكر فضل يوم الجمعة (٣/ ٨٩) . وأخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٠٨) .
[ ٢ / ٥٥٦ ]
قال ابن القيم: "فهذا الحديث الصحيح مؤيد لحديث أوس بن أوس، دال على مثل معناه"١.
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: "قال رسول ﷺ: "أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة، فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدا لا يصلي عليّ إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها" قال: قلت بعد الموت؟ قال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" فنبي الله حي يرزق" ٢.
وعن أبي أمامة٣ قال: قال رسول الله ﷺ: "أكثروا علي من الصلاة في كل يوم جمعة، فإن صلاة أمتى تعرض علي في كل يوم جمعة، فمن كان أكثرهم صلاة كان أقربهم مني منزلة" ٤.
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام (ص ٧١) . ٢ أخرجه ابن ماجة في سننه، أبواب ما جاء في الجنائز، باب ذكر وفاته ودفنه ﷺ (١/ ٣٠٠) ١٦٣٨، وقال في الزوائد: هذا حديث صحيح، إلا أنه منقطع في موضعين لأن عبادة روايته عن أبي الدرداء مرسلة، قاله العلاء، وزيد بن أيمن عن عبادة مرسلة قاله البخاري. وقال السخاوي: أخرجه ابن ماجه ورجاله ثقات لكنه منقطع. وأخرجه الطبراني في الكبير بلفظ: "أكثروا الصلاة يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة ليس من عبد يصلي علي إلا بلغتني صلاته حيث كان" قلنا وبعد وفاتك قال: "وبعد وفاتي إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". وقال العراقي إن إسناده لا يصح. القول البديع (ص ١٦٤) . ٣ صدي (بالتصغير) ابن عجلان بن الحارث الباهلي، أبو أمامة صحابي مشهور يكنيه، سكن الشام ومات بها سنة ست وثمانين. الأصابة (٢/ ١٧٥- ١٧٦) . ٤ أخرجه البيهقي في السنن (٣/ ٢٤٩) . وقال السخاوي: رواه البيهقي بسند حسن لا بأس به، إلا أن مكحولا قيل إنه لم يسمع من أبي أمامة في قول الجمهور. وقد رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس له فأسقط منه ذكر مكحول وسنده ضعيف القول البديع (ص ١٦٤) . وقال ابن القيم: ولكن لهذا الحديث علتان: إحداهما: أن برد بن سنان قد تكلم فيه، وقد وثقه يحى بن معين وغيره. العلة الثانية: أن مكحولا قد قيل إنه لم يسمع من أبي أمامة والله أعلم. جلاء الأفهام (ص ٧٢- ٧٣) .
[ ٢ / ٥٥٧ ]
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أكثروا الصلاة على يوم الجمعة، فإنه أتاني جبريل آنفا من ربه ﷿ فقال: ما على الأرض من مسلم يصلي عليك مرة واحدة إلا صليت أنا وملائكتي عليه عشرا" ١. وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإن صلاتكم تعرض علي" ٢.
قال ابن القيم: "هذان وإن كانا ضعيفين فيصلحان للاستشهاد"٣
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ: "أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة" ٤ وكان الصحابة ﵃ يستحبون إكثار الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة. وعن زيد بن وهب٥ قال: قال لي ابن مسعود ﵁: "يا زيد بن وهب لا تدع- إذا كان يوم الجمعة- أن تصلي على النبي ﷺ ألف مرة تقول: اللهم صل على محمد النبي الأمي"٦.
وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أكثروا
_________________
(١) ١ قال السخاوي: رواه الطبراني بسند لا بأس به في المتابعات، القول البديع (ص ١٦٢) . ٢ أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ١٤٤) وسنده ضعيف، كما ذكر السخاوي فيه ثلاثة رواة ضعفاء هم: جبارة بن مغلس، وأبو إسحاق خازم، ويزيد الرقاشي. القول البديع (ص ١٦٢) . ٣ جلاء الأفهام (ص ٧٣) . ٤ الكامل لابن عدي (٣/ ١٠٣٩) . ٥ زيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي، رحل إلى النبي ﷺ فقبض وهو في الطريق، ثقة جليل، كثير الحديث، توفي سنة ست وتسعين وقيل قبلها. تهذيب التهذيب (٣/٤٢٧) . ٦ جلاء الأفهام (ص ٧٣، ٧٤) والقول البديع (ص ١٥٩) .
[ ٢ / ٥٥٨ ]
علي من الصلاة يوم الجمعة، فإنه ليس أحد يصلي علي يوم الجمعة إلا عرضت علي صلاته"١.
وفي مراسيل الحسن٢ عن النبي ﷺ قال: "أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنها تعرض علي" ٣.
وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: "أن انشروا العلم يوم الجمعة فإن غائلة العلم النسيان، وأكثروا الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة"٤.
وهناك مواطن أخرى غير ما ذكرنا ذكرها ابن القيم في كتابه جلاء الأفهام٥
_________________
(١) ١ أورده السخاوي في القول البديع وقال: رواه الحاكم، وقال صحيح الإسناد والبيهقي في شعب الإيمان وحياة الأنبياء في قبورهم له، وابن أبي عاصم في فضل الصلاة له، وفي سنده أبو رافع وهو إسماعيل بن رافع وثقه البخاري وقال يعقوب بن سفيان يصلح حديثه للشواهد والمتابعات لكن قد ضعفه النسائي ويحي بن معين وقيل إنه منكر الحديث (ص ١٦٤) . وأورده ابن القيم في جلاء الأفهام (ص ٣١٠) وقال: وفيه إسماعيل بن رافع قال يعقوب بن سفيان: يصلح حديثه للشواهد والمتابعات. ٢ الحسن البصري وقد تقدم ترجمته ص ٢٦٩ ٣ أخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ من وجهين انظر (ص ١٣) ح ٢٨، ح ٢٩، قال الألباني: حديث صحيح بشاهده عن أوس بن أوس. ٤ أورده ابن القيم في جلاء الأفهام (ص ٣١١) وعزاه لابن وضاح، والسخاوي في القول البديع (ص ١٩٩- ٢٠٠) وعزاه لابن وضاح وابن بشكوال. ٥ من المواطن التي ذكرها ابن القيم غير ما تقدم ما يلي:
(٢) الصلاة عليه ﷺ عند استلام الحجر الاسود.
(٣) الصلاة عليه ﷺ عند قبره.
(٤) الصلاة عليه ﷺ إذا خرج إلى السوق أو إلى دعوة أو غيرها.
(٥) الصلاة عليه ﷺ إذا قام الرجل من نوم الليل.
(٦) الصلاة عليه ﷺ عقب ختم القرآن.
(٧) الصلاة عليه ﷺ عند القيام من المجلس.
(٨) الصلاة عليه ﷺ عند المرور على المساجد ورؤيتها.
(٩) الصلاة عليه ﷺ عند الهم، والشدائد وطلب المغفرة.
(١٠) الصلاة عليه ﷺ عند كتابة اسمه ﷺ
(١١) الصلاة عليه في عند تبليغ العلم إلى الناس، والتذكير والقصص.
(١٢) الصلاة عليه ﷺ في أول النهار وآخره.
(١٣) الصلاة عليه ﷺ عقب الذنب إذا أراد أن يكفر عنه.
(١٤) الصلإة عليه ﷺ عند العطاس.
(١٥) الصلاة عليه ﷺ بعد الفراغ من الوضوء.
(١٦) - الصلاة عليه ﷺ عند دخول المنزل.
(١٧) الصلاة عليه ﷺ في كل موطن يجتمع فيه لذكر الله ﷾.
(١٨) الصلاة عليه ﷺ عقب الصلوات.
(١٩) الصلاة عليه ﷺ عند النوم.
(٢٠) الصلاة عليه ﷺ في أثناء صلاة العيد.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
وكذلك السخاوي في كتابه القول البديع، والفيروز أبادي في الصلات والبشر ممن أراد الاستزادة فليرجع إليها، وحسبي أني أشرت لأشهرها.
[ ٢ / ٥٦٠ ]