إن من علامات محبة النبي فالزهد في الدنيا والصبر على شدائدها، وعدم الركون إلى زخرفها وملذاتها. وذلك افتداء بالنبي ﷺ واتباعا لما كان عليه. فلقد كان من صفاته ﷺ زهده في أمور الدنيا وحبه للكفاف من العيش وإيثاره الآخرة على الأولى.
فهو القائل ﷺ: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" ١.
وهو القائل: "مالي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب سار في يوم صائف ٢ فاستظل تحت شجرة ثم راح وتركها" ٣.
والزهد المقصود هنا هو الزهد الشرعي لا الزهد البدعي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الزهد: هو عما لا ينفع. إما لانتفاء نفعه. أو لكونه مرجوحا، لأنه مفوت لما هو أنفع منه، أو محصل لما يربو ضرره على نفعه. فالزهد من باب عدم الرغبة والإرادة في المزهود فيه. فالواجبات
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب قول النبي ﷺ "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل". فتح الباري (١١/٢٣٣) ح ٦٤١٦. ٢ يوم صائف: أي حار. القاموس (٣/١٧٠) . ٣ أخرجه وكيع بن الجراح في الزهد (١/ ٢٨٦- ٢٨٨) ح ٦٤، وأخرجه عنه الإمام أحمد في المسند (١/ ٤٤١) وفي الزهد (٨) والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٠٩- ٣١٠) وصححه ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/٣٢٦) بعد عزوه لأحمد رجاله رجال الصحيح، غير هلال بن خباب وهو ثقة. وقال محقق كتاب الزهد لوكيع: "والحديث مع ماله من الشواهد يرتقي إلى درجة الصحة". الزهد لوكيع (١/٢٨٨) .
[ ٣٦٢ ]
والمستحبات لا يصلح فيها الزهد. وكذا المنافع الخالصة أو الراجحة فالزهد فيها حمق. أما المحرمات والمكروهات فيصلح فيها الزهد وكذا المباحات "١. " والفرق بين الزهد والورع: أن الزهد: ترك مالا ينفع في الآخرة.
وأما الورع: فهو ترك ما يخشى ضرره في الآخرة"٢
"والقلب المعلق بالشهوات لا يصلح له زهد ولا ورع"٣
والزهد أنواع:
١- زهد في الحرام وهو فرض عين.
٢- زهد في الشبهات، وهو بحسب مراتب الشبهة.
فإن قويت التحق بالواجب.
وإن ضعفت كان مستحبا.
٣- زهد في الفضول: وهو الزهد فيما لا يغني من الكلام والنظر والسؤال واللقاء وغيره.
٤- زهد في الناس أي فيما عندهم.
٥- زهد في النفس بحيث تهون عليه تفسه في الله، وهذا أصعب الأنواع وأشقها.
٦- زهد جامع لذلك كله وهو الزهد فيما سوى الله وفي كل ما شغلك عنه.
وأفضل الزهد: إخفاء الزهد، وأصعبه الزهد في الحظوظ٤.
والزهد الشرعي ينقسم باعتبار حكمه إلى قسمين:
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٠/ ٦١٥) بتصرف. ٢ الفوائد لابن القيم (١١٨) . ٣ الفوائد لابن القيم (١١٨) . ٤ الفرائد لابن القيم (ص ١١٨) .
[ ٣٦٣ ]
القسم الأول منه: ما هو فرض على كل مسلم وهو الزهد في الحرام. القسم الثاني منه: ما هو مستحب وهو الزهد في المكروه وفضول المباحات والتفنن في الشهوات المباحة، وهو على درجات في الاستحباب بحسب المزهود فيه.
مفهوم الزهد في الدنيا:
ليس المراد بالزهد في الدنيا تخليتها من اليد وإخراجها، وقعوده صفرا. وإنما المراد إخراجها من القلب بالكلية بحيث لا يلتفت الزاهد إليها ولا يدعها تساكن قلبه وإن كانا في يده.
فليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك وهي في قلبك، وإنما الزهد أن تتركها من قلبك وهي في يدك.
وهذا كحال سيد ولد آدم لا حين فتح الله عليه من الدنيا ما فتح، فلم يزده ذاك إلا زهدا فيها.
وكحال الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز الذي يضرب بزهدهم المثل مع أن خزائن الأموال تحت أيديهم.
والذي يصحح هذا الزهد ثلاثة أشياء:
١- أحدها: علم العبد أنها ظل زائل، وخيال زائر، وأنها كما قال تعالى فيها: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ ١ ونحوها من الآيات.
_________________
(١) ١ الآية (٢٠) من سورة الحديد.
[ ٣٦٤ ]
وسماها سبحانه ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ١ ونهي عن الاغترار بها وأخبرنا عن سوء عاقبة المغترين بها، وحذرنا مثل مصارعهم وذم من رضي بها واطمأن إليها.
٢- الثاني: علمه أن وراءها دارا أعظم منها قدرا وأجل خطرا، وهي دار البقاء، فالزهد فيها لكمال الرغبة فيما هو أعظم منها.
٣- الثالث: معرفته بأن زهده فيها لا يمنعه شيئا كتب له منها.
وأن حرصه عليها لا يجلب له ما لم يقض له منها.
فمتى تيقن ذلك ثلج له صدره، وعلم أن مضمونه منها سيأتيه، وبقي حرصه وتعبه وكده ضائعا والعاقل لا يرضى، لنفسه بذلك.
فهذه الأمور الثلاثة تسهل على العبد الزهد فيها ويثبت قدمه في مقامه"٢.
الزهد البدعي:
وهو الذي عليه حال كثير من المتصوفة الذين تركوا الكسب والاكتساب ولم يأخذوا بالأسباب، وانقطعوا انقطاعا تاما عن الوسائل المشروعة لتحصيل الرزق. فأصبحوا بذلك عالة على الناس يتكففونهم ويعيشون على صدقاتهم وزكاتهم وأوقافهم، وصاروا عضوا أشل في مجتمعاتهم، فأوقعوا أنفسهم في محاذير كثيرة منها:
١- دخولهم في الرهبانية التي نهى الشارع الحكيم عنها.
٢- مخالفتهم لأوامر الله لعباده بالسعي في الأرض وطلب الرزق الحلال
٣- وقوعهم في مسألة الناس مع قدرتهم على طلب الرزق فاستحقوا بذلك الوعيد الشديد الوارد في هذا الشأن.
_________________
(١) ١ الآية (١٨٥) من سورة آل عمران. ٢ طريق الهجرتين (٤٥٣- ٤٥٦) بتصرف.
[ ٣٦٥ ]
فالواجب على المسلم الحذر من مشابهة هؤلاء في أحوالهم فالزهد المشروع إنما هو قلة الرغبة في الموجود لا قلة الرغبة في المفقود. وعلامة قلة الرغبة في الموجود إنفاقه في سبيل الله. فخلاصة القول: إنه من المعلوم أن كل دعوى لابد لها من دليل عليها، ليثبت صدقها ويؤكدها ويبرهن عليها.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٣
وكذا الحال في دعوى محبة الرسول ﷺ لابد لمدعي هذه المحبة من علامات وأدلة تؤكد دعواه وتبرهن صدق ما قاله. وما تقدم من علامات وأدلة تعد أبرز وأهم العلامات التي تدلل وتبرهن على صحة تلك الدعوى.
وعلى العموم فكل عمل يعمله المسلم مما حث الشارع على فعله يعد ذلك دليلا على محبة الرسول ﷺ، شريطة تحري الإخلاص في ذلك العمل وإرادة وجه الله تعالى به.
وعلى هذا الأساس فإنه بقدر التزام المسلم بعلامات المحبة وحرصه على تطبيقها تتحدد درجة محبته للنبي ﷺ ودرجة إيمانه كذلك.
فمحبته همسا هي جزء من أجزاء الإيمان، والإيمان كما هو معلوم يزداد بالطاعات وينقص بالمعاصي. فتزداد المحبة بمقدار الالتزام بتلك العلامات. وتنقص بمقدار البعد عنها.
_________________
(١) ٣ الآية (١١١) من سورة البقرة.
[ ٣٦٦ ]