جاءت السنة بمثل ما جاء به القرآن الكريم، فالأحاديث متوافرة، ومتعددة في هذا الشأن، فقد حذر النبي ﷺ من الإعراض عن سنته والبعد عنها أو الانتقاص من قدرها ومكانتها أو مخالفتها.
وهذا التحذير منه ﷺ والوارد في عبارات متنوعة وأساليب متعددة - كما سيمر عليك - يصور مدى حرصه ﷺ على حماية أمته وصيانتهم من الوقوع في هذا المزلق الخطير، ولا غرابة في ذلك فهو الموصوف بقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
ومما ورد في تصوير مدى حرصه ﷺ على أمته وتحذيره لهم من الوقوع في مخالفته قوله ﷺ في الحديث الذي يرويه عنه أبو هريرة ﵁ "مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب اللائي يقعن في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها – قال - فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار فتغلبوني وتقتحمون فيها".
وهذا الحديث إضافة إلى كونه يصور مدى حرصه ﷺ على أمته فهو يبين كذلك أن سبيل النجاة والفلاح إنما هو باتباع سنة النبي ﷺ والأخذ بها، وأن كل مخالف ومجانب لهذه السنة فهو يلقي بنفسه إلى التهلكة وذلك بسبب
[ ٢٥٦ ]
بعده ومخالفته لشرع المصطفى ونهجه الذي جاء به.
ومن المعلوم أن النبي ﷺ قد بين لأمته سبيل النجاة والفلاح وحثهم على سلوكه والسير عليه، كما حذرهم من سبل الهلاك والضلال وبين لهم ماضيها من الخسران والتعاسة الدنيوية والأخروية قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وهذه الوصية عامة لكل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقد ختم الله الآية بقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . والتقوى حقيقتها: "العمل بطاعة الله إيمانا واحتسابا، أمرا ونهيا فالمتقي يفعل ما أمره الله به إيمانا بالأمر وتصديقا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيمانا بالنهي وخوفا من وعيده".
وقال طلق بن حبيب١: "التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله"٢. وطاعة الله تتحقق بطاعة رسوله والسير على نهجه وسلوك سبيله قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ .
وفي الحديث: "فمن أطاع محمدا ﷺ فقد أطاع الله ومن عصى محمدا ﷺ فقد عصى الله".
_________________
(١) ١ الآية (١٥٣) مى سورة الأنعام. ٢ طلق بن حبيب العنزي البصري، تابعي ثقة كان أعبد أهل زمانه قتله الحجاج مع سعيد بن جبير. تهذيب التهذيب (٥/ ٣١- ٣٢) .
[ ٢٥٧ ]
ولذلك فإنه لم يبق للإنسان إلا أن يختار أي الطريقين يسلك قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ١ وليتحمل بعد ذلك مسؤولية ما قدم من عمل كما قال تعالى: ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأِوْفَى﴾ ٣
وإن المسلم الواعي العارف لأمور دينه يعلم أن الخير كل الخير في اتباع النبي ﷺ والتمسك بسنته والسير على هديه، وأن الشر كل الشر في البعد عن سنته ومخالفته. ولذا تراه حريصا على سنة المصطفى متمسكا بها في كل أحواله وفي الوقت نفسه يحذر أشد الحذر من مخالفة الرسول ﷺ والبعد عن سبيله ومنهجه. ومثل هذا الاعتقاد يجب على كل مسلم أن يعتقده ويطبقه في أقواله وأعماله ليسعد وينجو في دنياه وآخرته.
ومما يؤسف له أن كثيرا من المسلمين لا يولي هذا الجانب اهتمامه وعنايته بل تراه على النقيض من ذلك حتى إن بعضهم ليس له من الإسلام إلا اسمه فقط ذلك لأن أقواله وأفعاله مناقضة للشرع ولا تمت إليه بصلة، وتراه كذلك راغبا عن سنة المصطفي متحاكما في أكثر شؤونه وأحواله إلى غير الكتاب والسنة. ومن كانت هذه صفاته فالإسلام منه براء وهو بريء من الإسلام فقد قال ﷺ: "من رغب عن سنتي فليس مني"
_________________
(١) ١ الآية (٣) من سورة الإنسان. ٢ الآيتان (١٤، ١٥) من سورة القيامة. ٣ الآيات (٣٩، ٤٠، ٤١) من سورة النجم.
[ ٢٥٨ ]
ولقد ذم النبي ﷺ هذا الصنف من الناس وحذر منهم فعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الضر مخافة أن يدركني، فقلت: يارسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟، قال: "نعم". قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟، قال: "نعم وفيه دخن"، قلت: وما دخنه؟، قال: "قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر.." الحديث. فالشاهد من الحديث قوله ﷺ: "قوم يهدون بغير هديي" فالنبي ﷺ ذم من جعل للدين أصلا خلاف الكتاب والسنة أو جعلهما فرعا لذلك الأصل الذي ابتدعه وأمثال هؤلاء كثيرون فكم من شخص ينتمي للإسلام جعل من الفلاسفة حكما على كل شيء حتى على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وكم من شخص نبذ شرع الله وراء ظهره وتحاكم إلى القوانين الوضعية المستوردة من بلاد الكفر والإلحاد. وكم من شخص جعل الهوى وشهوات النفس دينا يدين به فإذا جاءه أمر الشارع أخذ منه ما وافق هواه ورأيه وأعرض عما عداه. وكم من فئة وطائفة في زماننا الحاضر ينطق عليها قول النبي ﷺ هذا. والذي ينبغي على كل أحد أن يعلمه هو أنه بمقدار اتباع المرء لسنة المصطفي ﷺ، يكون فلاحه ونجاته، فالأقوال والأعمال يتوقف قبولها أو ردها على حسب موافقتها لما جاء به النبي ﷺ، فما وافق سنة النبي ﷺ قبل، وما خالفها فهو مردود على قائله وفاعله كائنا من كان وفي ذلك يقول ﷺ:
[ ٢٥٩ ]
"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".
وإن المعرض عن سنة المصطفى ﷺ والمخالف لها معرض للعقوبة في الدنيا والآخرة وذلك بحسب ما يقع منه من إعراض.
فعن سلمة بن الأكوع١ ﵁ أن رجلا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله. فقال: "كل بيمينك"، قال: "لا أستطيع"، قال: "لا استطعت" ما منعه إلا الكبر، قال فما رفعها إلى فيه"٢، فهذه عقوبة دنيوية لهذا الشخص الذي عصى أمر النبي ﷺ.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "قرأ النبي ﷺ "النجم" فسجد، فما بقي أحد إلا سجد، إلا رجل رأيته أخذ كفا من حصى فرفعه فسجد عليه وقال: "هذا يكفيني، فلقد رأيته بعد قتل كافرا بالله"٣ وهذا الرجل هو أمية بن خلف٤ وقد قتل ببدر كافرا.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو
_________________
(١) ١ سلمة بن عمرو بن الأكوع، صحابي جليل أول مشاهده الحديبية، وكان من الشجعان ويسبق الفرس عدوا، مات بالمدينة سنة أربع وسبعين على الصحيح. الإصابة (٢/ ٦٥) . ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأشربة باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما (٦/ ١٠٩) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار: باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة. انظر فتح الباري (٧/ ١٦٥) . وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد، باب سجود التلاوة (٢/ ٨٨) . ٤ فتح الباري (٨/ ٦١٤) .
[ ٢٦٠ ]
منهم" ١.
والشاهد من الحديث قوله ﷺ: "وجعلت الذلة والصغارعلى من خالف أمري"، وعنه ﵁ قال: "أقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: "يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم" ٢. فهذا بعض ما ورد في السنة في العقوبات الدنيوية.
أما على صعيد العقوبات الأخروية فالأمر أشد وأعظم فالآخرة هي دار الجزاء والثواب والعقاب.
فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا. فقالوا: أوَلسنا إخوانك يارسول الله؟، قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم ٣ على
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٥٠/ ٩٢) وقد جود إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٣٩)، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢٣) . ٢ أخرجه ابن ماجة في السنن، كتاب الفتن، باب العقوبات (٢/ ١٣٣٢، ١٣٣٣) ح ٤٠١٩ ٣ فرطهم: أي متقدمهم إليه. يقال فرط يفرط، فهو فارط وفرط إذا تقدم وسبق القوم ليرتاد لهم الماء، ويهيئ لهم الدلاء والأرشية. النهاية (٣/ ٤٣٤) .
[ ٢٦١ ]
الحوض. فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يارسول الله؟، فقال: أرأيت لو أن رجلا له خيل غر١ محجلة٢ بين ظهري خيل دُهُم بُهُم٣ ألا يعرف خيله؟. قالوا: بلى يارسول الله، قال: فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض ألا ليذادن رجال عن حوضى كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك فأقول سحقا سحقا" ٤.
فتلك عقوبة من حاد عن شرع المصطفى ﷺ ومال عنه واستبدل به غيره. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " هلك المتنطعون" قالها ثلاثا٥.
قال النووي: " أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم" ٦، فالنبي ﷺ أخبر بهلاك كل من بالغ في التعمق في أمور الشرع وغلا فيها وتكلف في أمور لم ترد عن الشارع الكريم ولم تكن من مقصوده.
وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: "لست تاركا شيئا كان رسول الله
_________________
(١) ١ الغر: جمع الأغر، من الغرة بياض الوجه، يريد بياض وجوههم بنور الوضوء يوم القيامة. النهاية (٣/ ٣٥٤) . ٢ الحجل في صفة الخيل هو الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد، ويجاوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين. النهاية (١/ ٣٤٦) . ٣ دُهُم: أي سود. النهاية (٢/ ١٤٥، ١٤٦)، بُهُم: جمع بهيم وهو الذي لا يخالط لونه لون سواه. النهاية (١/ ١٦٧) . ٤ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارةك باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء (١/ ١٥٠، ١٥١) . ٥ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم: باب هلك المتنطعون (٨/ ٥٩) . ٦ شرح النووي لمسلم (١٦/ ٢٢٠) .
[ ٢٦٢ ]
ﷺ يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ". والشواهد من القرآن والسنة وكلام السلف الصالح في هذا الشأن كثيرة ولا تكاد تحصى.
والقصد هنا بيان أن التولي عما جاء به النبي ﷺ من أمور الشرع من أكبر الذنوب، وهو سبب لانصباب المصائب وتتابع النوائب، فإن الجزاء من جنس العمل ومن تولى عن حكم الله وحكم رسوله تولى الله ورسوله عنه، ومن تولى الله ورسوله عنه فهيهات أن يفلح ويعز بل يتركه الله أذل وأحقر ما يكون قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ ١. وليحذرالمسلم من مخالفة الشريعة التي جاء بها محمد ﷺ من عند ربه ﷿، فإن في المخالفة عين الهلاك والخسران كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآية (٢٠) من سورة المجادلة. ٢ الآية (١٢٤) من سورة طه.
[ ٢٦٣ ]