أ- العصمة في التبليغ ودعوى الرسالة:
وهذه العصمة هي التي عليها المناط، فبها يحصل المقصود من البعثة فتبليغ شرع الله إلى الخلق هي مهمة الرسل من أولهم إلى آخرهم فهم الواسطة بين الله وبين خلقه الذين أرسلوا إليهم، فبطريقهم يهتدي البشر ويرشدون إلى دين الله إذ هم المبلغون عن الله أمره ونهيه وشرعه.
ولذلك فقد أوجب الله العصمة لأنبيائه ورسله في هذا الجانب حتى تصل الرسالة إلى العباد كاملة تامة غير منقوصة ولا محرفة، وبذلك تقوم الحجة على العباد.
ولقد دلت نصوص القرآن والسنة على عصمة نبينا محمد ﷺ في هذا الجانب، وانعقد إجماع الأمة على ذلك.
فمن القرآن:
ا- قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾، فالآية نص في عصمة لسانه ﷺ من كل هوى وغرض فهو لا ينطق إلا بما يوحى إليه من ربه ولا يقول إلا ما أمر به فيبلغه إلى الناس كاملا موفورا من غير زيادة ولا نقصان.
وهذه الآية شهادة وتزكية من الله لنبيه ورسوله محمد ﷺ في كل ما بلغه للناس من شرع الله.
٢- وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ، لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ
[ ١٣٠ ]
لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ١، فالآيات نصت على أن الله ﷾ لا يؤيد من يكذب عليه بل لابد أن يظهر كذبه وأن ينتقم منه.
ولو كان محمد ﷺ من هذا الجنس كما يزعم الكافرون فيما حكاه الله عنهم ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ٢ - وحاشاه ﷺ من ذلك- لأنزل الله به من العقوبة ما ذكره في هذه الآيات، وحيث إن الرسول ﷺ لم يقع له شيء من ذلك فلم يهلكه الله ولم يعذبه، فهو على هذا لم يتقول على الله ما لم يقله ولم يفتر شيئا من عند نفسه، وبهذا تثبت عصمته في كل ما بلغه عن ربه ﷿.
قال ابن كثير بعد أن فسر هذه الآيات: "والمعنى في هذا بل هو صادق راشد لأن الله ﷿ مقر له ما يبلغه عنه ومؤيد له بالمعجزات الباهرات والدلالات القاطعات"٣.
٣- وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ ٤. وهذه الآيات دالة على عصمة الله وتثبيته لنبيه ﷺ في تبليغ ما أوحى إليه، ومعناها مقارب لمعنى الآيات التي ذكرناها قبلها "فقد أخبر تعالى عن تأييده
_________________
(١) ١ الآيات (٤٤ إلى ٤٧) من سورة الحاقة. ٢ الآية (٢٤) من سورة الشورى. ٣ تفسير ابن كثير (٤/ ٤١٧) . ٤ الآيات (٧٣، ٧٤، ٧٥) من سورة الإسراء.
[ ١٣١ ]
لرسوله صلوات الله عليه وسلامه وتثبيته وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه بل هو وليه وحافظه وناصره ومؤيده ومظفره ومظهر دينه على من عاداه وخالفه في مشارق الأرض ومغاربها"١.
وأما الأدلة من السنة على ذلك فمنها:
أ- حديث طلحة بن عبيد الله٢ وجاء فيه قوله ﷺ:
"ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله" ٣ والحديث نص على عصمته ﷺ من الكذب فيما يخبر به عن الله.
٢- حديث عبد الله بن عمرو٤ ﵄ قال: "كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق" ٥.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣) . ٢ طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي أبو محمد، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الثمانية السابقين للإسلام، توفي سنة ست وثلاثين من الهجرة. الإصابة (٢/ ٢٢٠، ٢٢٢) . ٣ تقدم تخريجه (ص ١٢٢) . ٤ عبد الله بن عمرو بن العاص أسلم قبل أبيه وكان ﵁ فاضلا، حافظا عالما، توفي بالشام سنة ٦٥ هـ وقيل غير ذلك. الإصابة (٢/ ٣٤٣- ٣٤٤) . ٥ أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٦٢، ١٩٢)، وأبو داود في سننه، كتاب العلم: باب في كتاب العلم (٤/ ٦٠) خ ٣٦٤٦، والحاكم في المستدرك (١/١٠٤، ١٠٥) وصححه ووافقه الذهبي.
[ ١٣٢ ]
٣- حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إني لا أقول إلا حقا"، قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله. قال: "إني لا أقول إلا حقا" ١.
دليل الإجماع:
نقل غير واحد من العلماء إجماع الأمة واتفاقها على عصمته ﷺ في تبليغ ما أوحي إليه من ربه ﷿.
قال القاضي عياض: "وأجمعت الأمة في ما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء منها بخلاف ما هو به، لا قصدا ولا عمدا ولا سهوا ولا غلطا"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفى تبليغ رسالاته باتفاق الأمة ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين"٣
ب- العصمة من الكفر والشرك:
الحديث عن عصمته ﷺ في هذا الجانب ذو شقين هما:
الأول: عصمته قبل مبعثه ﷺ.
الثانى: عصمته بعد مبعثه ﷺ.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في مسنده (٢/٣٤٠، ٣٦٠) . والترمذي في سننه، كتاب البر والصلاة: باب مما جاء في المزاح (٤/ ٣٥٧) ح ١٩٩٠ وقال: هذا حديث حسن صحيح ٢ الشفا (٢/ ٧٤٦) . ٣ مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٨٩، ٢٩٠) .
[ ١٣٣ ]
أما الشق الأول: وهو عصمته من الشرك والكفر قبل بعثته ونزول الوحي إليه كلها فقد دلت النصوص الثابتة على أن النبي ﷺ معصوم منذ نشأته من الكفر والشرك فلم يعهد عنه ﷺ أنه سجد لصنم أو استلمه أو إلى غير ذلك من أمور الشرك التي كان يفعلها قومه. فقد فطره الله على معرفته والاتجاه إليه وحده وهذا هو المعلوم من سيرته. فمن النصوص التي يستدل بها على هذا الأمر ما يلى:
-حديث أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعنى ظئره١ - فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس وقد كنت أرى أثر ذلك الخيط في صدره"٢.
فالحديث نص على إخراج جبريل لحظ الشيطان منه ﷺ وتطهيره لقلبه فلا يقدر الشيطان على إغوائه إذ لا سبيل له عليه. وهذا دليل على تنزيهه من الشرك منذ صغره ﷺ.
-وعن زيد بن حارثة ﵁ قال: كان صنم من نحاس يقال له إساف أو نائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله ﷺ فطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله ﷺ: "لا تمسه، فقال زيد: فطفت فقلت في نفسي لأمسنه حتى أنظرما يكون فمسحته،
_________________
(١) ١ أي مرضعته. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ (١/ ١٠١، ١٠٢) .
[ ١٣٤ ]
فقال رسول الله ﷺ: ألم تنه؟، قال زيد: فوالذى هو أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنما حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه"١.
وهذا الحديث نص في بعده ﷺ عن عبادة الأوثان التي كان عليها أهل مكة فنهيه لزيد - الذي كان ابنه بالتبني في ذلك الحين - يؤكد نفرته ﷺ من تلك الأوثان التي كان يعكف عليها أهل مكة.
ولقد كان النبي ﷺ لا يحضر مع أهل سكة ما يقيمونه من أعياد لأصنامهم فعن ابن عباس ﵄ قال: حدثتني أم أيمن٢ قالت:. كان ببوانة صنم يحضره قريش يوما في السنة، وكان أبو طالب٣ يحضره مع قومه، وكان يكلم رسول الله ﷺ أن يحضر ذلك العيد مع قومه فيأبى حتى رأيت أبا طالب غضب عليه، ورأيت عماته غضبن عليه يومئذ أشد الغضب وجعلن يقلن: إنا نخاف عليك مما تصنع من اجتناب، آلهتنا وجعلن يقلن يا محمد: ما تريد أن تحضر لقومك عيدا ولا تكثر لهم جمعا فلم فىيزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله ثم رجع إلينا مرعوبا فزعا فقلن عماته: ما دهاك؟ قال:
_________________
(١) ١ أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢١٦- ٢١٧) وقال حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١٤٥) . وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٤) بتحقيق عبد المعطي قلعجي. وأورده ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢٨٨) . وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ١٥١، ١٥٢) . ٢ أم أيمن مولاة النبي ﷺ وحاضنته واسمها بركة بنت ثعلبة، وهي أم أسامة بن زيد بن حارثة. الإصابة (٤/ ٤١٥، ٤١٦) . ٣ أبو طالب بن عبد المطلب عم النبي ﷺ، شقيق أبيه كفل النبي ﷺ وذب عنه ونصره بعد بعثته ولم يمت على الإسلام. الإصابة (٤/ ١١٥، ١١٨) .
[ ١٣٥ ]
"إني أخشى أن يكون بي لمم"، فقلن: ما كان الله ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك فما الذي رأيت؟ قال: "إني كلما دنوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح بي وراءك يا محمد لا تمسه" فما عاد إلى عيد لهم حتى تنبئ" ١.
كما عصم ﷺ من الحلف بأسماء تلك الأصنام التي كان يعبدها قومه ويحلفون بها تعظيما لها فقد جاء في قصة بحيرى الراهب٢ أنه استحلف النبي ﷺ باللات والعزى حينما لقيه بالشام في سفرته مع عمه أبي طالب وهو صبي لما رأى فيه علامات النبوة فقال بحيرى للنبي ﷺ: يا غلام أسألك باللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له النبي ﷺ: "لا تسألني باللات والعزى شيئا فوالله ما أبغضت بغضهما شيئا قط" ٣.
والنصوص في مثل هذا كثيرة وقد عني بجمعها من ألف في دلائل النبوة مثل الحافظ أبي نعيم الأصبهاني٤ فقد عقد فصلا في كتابه دلائل النبوة بعنوان:
_________________
(١) ١ أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١٤٤) . وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ١٥١) وعزاه إلى ابن سعد وأبي نعيم وابن عساكر. ٢ راهب من رهبان النصارى يقال إنه كان من عبد القيس وكان اسمه: جرجيس. البداية (٢/ ٢٨٦) . ٣ أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١٢٥- ١٢٨)، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٦، ٢٧) بتحقيق عبد المعطي قلعجي. وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ١٤٢، ١٤٤) وعزاه للبيهقي. ٤ أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني وأبو نعيم. حافظ مؤرخ من الثقات في الحفظ والرواية، ولد ومات بأصبهان عام ٤٣٠ هـ من مؤلفاته: حلية الأولياء ودلائل النبوة. الأعلام (١/ ١٥٧) .
[ ١٣٦ ]
"ذكر ما خصه الله ﷿ به من العصمة وحماه من التدين بدين الجاهلية " وقد أورد تحت هذا العنوان العديد من الأحاديث والشواهد في هذا الشأن١.
وكذلك فعل البيهقي٢ في دلائل النبوة أيضا فعقد عنوانا لهذا الموضوع فقال:
"باب ما جاء في حفظ الله تعالى رسوله ﷺ في شبيبته عن أقذار الجاهلية ومعائبها، لما يريده به من كرامته برسالته حتى يبعث رسولا"٣.
ومثلهما السيوطي في الخصائص الكبرى٤ حيث قال: "باب اختصاصه ﷺ بحفظ الله إياه في شبابه عما كان فيه أهل الجاهلية"٥.
الإجماع:
نقل الجرجاني٦ إجماع الأمة على عصمة الأنبياء من الكفر والشرك قبل النبوة وبعد حيث قال: "وأما الكفر فأجمعت الأمة على عصمتهم منه قبل النبوة وبعدها ولا خلاف لأحد منهم في ذلك"٧.
_________________
(١) ١ انظر (ص ١٤٣- ١٤٧) . ٢ أحمد بن الحسين البيهقي، صاحب التصانيف المشهورة ومنها: السنن الكبرى، وشعب الإيمان، ودلائل النبوة، ولد سنة ٣٨٤ هـ وتوفي سنة ٤٥٨ هـ. تذكرة الحفاظ (٣/ ١١٣٢) والأعلام (١/١١٦) ٣ انظر (٢/ ٣٠، ٤٢) . ٤ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطى حافظ مؤرخ أديب له نحو (٦٠٠ مصنف) ولد سنة ٨٤٩ هـ وتوفي سنة ٩١١ هـ. الأعلام (٣/ ٣٠١- ٣٠٢) . ٥ انظر: (١/ ١٤٨، ١٥٢) . ٦ هو: علي بن محمد بن علي المعروف بالشريف الجرجاني ولد سنة ٧٤٠ هـ وتوفي سنة ٨١٦ هـ له كتاب التعريفات، وشرح المواقف وغيرهما. الأعلام (٥/ ٧) . ٧ شرح المواقف (ص ١٣٤) .
[ ١٣٧ ]
وهذا هو الحق فالله ﷾ قد نزه نبيه ﷺ عن الكفر والشرك وعصمه من الوقوع فيهما وذلك داخل في باب إعداده لتحمل الرسالة، ومثل ذلك صيانة الله لنسبه الذى تناسل منه فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "لم يلتق أبواي على سفاح، لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما"١.
وكل ذلك حتى لايبقى لمنتقص حجة يتعلق بها لتنفير الناس من رسول الله ﷺ فمن المعلوم أن كفار قريش كانوا حريصين أشد الحرص على تجريح النبي ﷺ ووصفه بما ينقص من قدره ويحط من شأنه لتنفير الناس منه وصدهم عن دعوته فلقد رموه واتهموه بالسحر والجنون وغير ذلك من النقائص ولكن لم يكن الشرك والكفر من ضمن ما رموه به فسكوتهم عن ذلك دليل على أنهم لم يجدوا سبيلا إليه إذ لو كان لنقل، وما سكتوا عنه كما لم يسكتوا عند تحويل القبلة كما حكى الله ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ ٢.
وبهذا يتبين أن النبي ﷺ لم يكن على دين قومه من عبادة الأصنام وتعظيمها، فقد عصمه الله من ذلك فلم يجعل لكفار قريش طريقا عليه فلذلك لجؤوا إلى تلفيق التهم الباطلة المتناقضة كاتهامه بالسحر تارة وبالجنون تارة وبالكهانة تارة أخرى.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ٢٤) من عدة طرق والحديث له شواهد متعددة أوردها السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ٦٣، ٦٦) . ٢ الآية (١٤٢) من سورة البقرة.
[ ١٣٨ ]
وإذا كان الله قد عصم نبيه ﷺ فيما هو دون الشرك من الأمور المنكرة التي كان عليها أهل الجاهلية ففي ذلك دليل على أن عصمته من أمور الشرك من باب أولى.
فعن جابر بن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره فقال له العباس عمه: يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة، قال فحله فجعله على منكبه فسقط مغشيا عليه فمارؤي بعد ذلك عريانا ﷺ"١.
إزالة ما يوهم عدم إيمان نبينا وضلاله قبل بعثته:
وردت بعض النصوص التي قد يتوهم منها البعض أن رسول الله ﷺ كان على كفر وضلال قبل بعثته، وسوف أعرض لهذه النصوص وأبين التوجيه الصحيح لها بما يبين الحق ويصحح الفهم ويزيل ما يقع من الوهم إن شاء الله.
أ- فمن تلك النصوص قول الله تعالى للنبي ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ ٢.
فقد يتوهم البعض أن هذه الآية تعني انتفاء معرفة النبي للإيمان بالكلية قبل بعثته بمعنى أنه لم يكن مؤمنا.
والجواب على ذلك أن هذه الفهم خاطئ لأن الإيمان في قوله ﴿وَلا الإِيمَانُ﴾ مصدر بمعنى المفعول فيكون المعنى المراد: أي ما يجب الإيمان به من الفرائض
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة: باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها. انظر فتح الباري (١/ ٤٧٤) ح ٣٦٤ وأخرجه مسلم في صحيحه، كناب الحيض: باب الاعتناء بحفظ العورة (١/ ١٨٤) . ٢ الآية (٥٢) من سورة الشورى.
[ ١٣٩ ]
والأحكام الشرعية التي كلف بها علما وعملا، فالمنفي هو الإيمان التفصيلي لا الإجمالي.
فقد كان النبي ﷺ قبل نزول الوحي إليه مبغضا للشرك وعبادة الأصنام ومتجها إلى الله وحده كما سبق الاستدلال على ذلك، فلما نزلت عليه الفرائض والأحكام الشرعية التي لم يكن يدري بها قبل الوحي آمن بها وطبقها. فهذا هو المعنى الصحيح للآية، كما ذكر ذلك علماء التفسير عند تفسيرها قال ابن كثير: " ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ على التفصيل الذي شرع لك في القرآن"١.
وقال الشوكاني٢: "ومعنى ﴿وَلا الإِيمَانُ﴾ أنه كان ﷺ لا يعرف تفاصيل الشرائع ولا يهتدي إلى معالمها وخص الإيمان لأنه رأسها وأساسها"٣.
ب- ومن النصوص كذلك قول الله تعالى ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى﴾ ٤ فقد يتوهم البعض أن الآية تعني أن نبينا كان على ضلال قبل مبعثه وهذا فهم خاطئ وباطل ترده النصوص التي سبق إيرادها والتي نصت على أن النبي ﷺ كان من أول حاله إلى نزول الوحي عليه معصوما من عبادة الأوثان وقاذورات أهل الفسق والعصيان.
وقد أشار إلى بطلان هذا اللهم القرطبي عند تفسيره لهذه الآية حيث قال:
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٤/ ١٢٢) . ٢ محمد بن علي بن محمد الشوكاني، فقيه مجتهد، من كبارعلماء اليمن له (١١٤ مؤلفا) ولد سنة ١١٧٣ هـ وتوفي سنة ١٢٥٠ هـ. الأعلام: (٦/ ٢٩٨) . ٣ فتح القدير (٤/ ٥٣٠) . ٤ الآية (٧) من سورة الضحى.
[ ١٤٠ ]
"فأما الشرك فلا يظن به"١.
وأما المعنى الصحيح لهذه الآية فقد أشار العلماء إلى عدة معان صحيحة لهذه الآية تشترك جميعها في تنزيه النبي ﷺ عن أن ينسب إليه شيء من الشرك أو الكفر قبل بعثته، ومن تلك المعاني ما يلي:
ا- أن يفسر الضلال هنا بمعنى الغفلة كما في قوله تعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ ٢، وكما في قوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٣ والمعنى أنه وجدك غافلا عما يراد بك من أمر النبوة٤.
٢- وقال بعضهم معنى (ضالا) لم تكن تدري ما القرآن والشرائع فهداك الله إلى القرآن وشرائع الإسلام، وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ وعلى هذا التفسير يكون المعنى: أي وجدك ضالا عن شريعتك التي أوحاها إليك لا تعرفها قبل الوحي إليك، فهداك إليها٥.
٣- وقال بعضهم معنى الآية أى وجدك في قوم ضلال فهداهم الله بك٦.
٤- وقال بعضهم الضلال بمعنى الطلب أي وجدك طالبا للقبلة فهداك إليها٧ كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ ٨.
_________________
(١) ١ تفسيرالقرطبي (٢٠/ ٩٩) . ٢ الآية (٥٢) من سورة طه. ٣ الآية (٣) من سورة يوسف. ٤ تفسير القرطبي (٢٠/ ٩٦) وفتح القدير (٥/ ٤٥٨) . ٥ انظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٥٢٣) وتفسير القرطبي (٢٠/ ٩٦، ٩٧)، وفتح القدير (٥/ ٤٥٨) . ٦ انظر: تفسير القرطبي (٢٠/ ٩٧) وفتح القدير (٥/ ٤٥٨) . ٧ انظر: تفسير القرطبي (٢٠/ ٩٧) وفتح القدير (٥/ ٤٥٨) . ٨ الآية (١٤٤) من سورة البقرة.
[ ١٤١ ]
قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٢.
فليس المقصود بالغفلة هنا الشرك والغواية إنما المقصود منها الغفلة عن قصة يوسف مع الله وإخوته كما يوضح ذلك سياق الآية. فهذه القصة وأمثالها لا تعلم إلا من الوحي فلهذا لا يلحقه نقص بسببها.
وهذا هو ما ذكره علماء التفسير عند هذه الآية.
قال القرطبي: "أي من الغافلين عما عرفناكه"٣. وقال الشوكاني: "والمعنى أنك من قبل إيحائنا إليك من الغافلين عن هذه القصة"٤.
د- ومن تلك النصوص ما رواه عثمان بن أبي شيبة٥ بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁: "أن النبي ﷺ قد كان يشهد مع المشركين مشاهدهم، فسمع ملكين من خلفه وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم خلفه، فقال الآخر: كيف نقوم خلفه وإنما عهده باستلام الأصنام، فلم يعد بعد ذلك يشهد مع المشركين مشاهدهم"٦.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير القرطبي (٢٠/ ٩٧) بتصرف. ٢ الآية (٣) من سورة يوسف. ٣ تفسير القرطبي (٩/ ١٢٠) . ٤ فتح القدير (٣/٤) . ٥ هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة الكوفي العبسي، من حفاظ الحديث، وله من المصنفات: المسند، والتفسير، ولد سنة ١٥٦ هـ وتوفي سنة ٢٣٩ هـ. تاريخ بغداد (١١/ ٣٨٢) . ٦أخرجه ابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٤٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٢٨٦) وأبو يعلى الموصلي في مسنده، والعقيلى في الضعفاء، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ١٦٦)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٥) . وأورده الذهبي في الميزان (٣/ ٣٥) وأورده ابن حجر في لسان الميزان (٣/ ٥٣) وأورده ابن كثير في التاريخ (٢/ ٢٨٨) وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ١٥٢) .
[ ١٤٢ ]
والمنكر من هذا الحديث قوله عن الملك: "عهده باستلام الأصنام" والجواب عن هذا الحديث ذو شقين هما:
أولا: الكلام على سند الحديث:
تكلم العلماء على سند الحديث وأوردوا عللا منها:
ا- أن عثمان بن أبي شيبة لم يتابع عليه١.
ولكن الذهبي٢ أجاب عن هذا بقوله: "عثمان لا يحتاج إلى متابع ولا ينكر له أن ينفرد بأحاديث لسعة ما روى، وقد يغلط، وقد اعتمده الشيخان في صحيحيهما " ٣.
٢- قال الدارقطني٤: "يقال إن عثمان بن أبي شيبة وهم في إسناده، وغيره يرويه عن جرير٥ عن سفيان بن عبد الله٦ بن محمد بن زياد بن جدير مرسلا
_________________
(١) ١العلل المنناهية لابن الجوزي (١/ ١٦٧) . ٢ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، حافظ، مؤرخ، علامة محقق له تصانيف كثيرة كييرة تقارب المئة، منها: سير أعلام النبلاء، وتذكرة الحفاظ وغيرها، ولد سنة ٦٧٣ هـ، وتوفي سنة ٧٤٨ هـ. الأعلام (٥/ ٣٢٦) . ٣ ميزان الاعتدال (٣/ ٣٥) . ٤ علي بن عمر الدارقطني الشافعي إمام عصره في الحديث، ولد سنة ٣٠٦ هـ وتوفي سنة ٣٨٥ هوله كتاب " السنن" و"العلل". الأعلام (٤/ ٣١٤) . ٥ جرير بن عبد الحميد الضبي نزيل الري وقاضيها ثقة صحيح الكتاب مات سنة ثمان وثمانين ومائة. تهذيب التهذيب (٢/ ٧٥) . ٦ سفيان بن عبد الله بن زياد بن جدير: مجهول، لسان الميزان (٣/ ٥٣) .
[ ١٤٣ ]
وهو الصواب١.
ومن كلام الدارقطني نتبين لنا علتان:
أ- أن الحديث مرسل وليس متصلا.
ب- جعله لسفيان الثوري٢ مكان سفيان بن عبد الله وهذا وهم في السند فسفيان بن عبد الله مجهول، وأما الثوري فهو ثقة٣.
٣- أن في سند عثمان بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن عقيل٤ وهو ضعيف عند القوم٥.
وبهذا يتبين ضعف إسناد الحديث.
ثانيا: الكلام على متن الحديث
بالإضافة إلى ضعف هذا الحديث الذي لا تقوم به حجة فإن ظاهر اللقظ وهو قوله إنما عهده باستلام الأصنام يخالف ما عرف عن النبي ﷺ من أنه لم يكن على شيء مما كان عليه أهل مكة من الشرك وذلك منذ ولادته إلى أن بعثه الله رسولا نبيا ليدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وترك ما يعبد من دونه. ولقد سبق إيراد الأدلة على ذلك فليرجع إليها.
_________________
(١) ١ العلل المتناهية (١/١٦٧) . ٢ سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة حافظ فقيه، عابد إمام حجة، مات سنة إحدى وستين ومائة. تهذيب التهذيب (٤/١١١) . ٣ لسان الميزان (٣/٥٣) بتصرف. ٤ عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي، كان خيرا فاضلا موصوفا بالعبادة، ولكن لم يكن متقنا في الحديث فضعفوه. تهذيب التهذيب (٦/١٣ – ١٦) . ٥ العلل المتناهية (١/١٦٧) .
[ ١٤٤ ]
وقد ذكر بعض العلماء: أن ظاهر الحديث ليس مرادا، فليس المقصود أنه باشر الاستلام، وإنما المقصود أنه شهد مباشرة المشركين استلام أصنامهم١.
الشق الثاني: عصمته ﷺ من الكفر والشرك بعد النبوة:
بعث الله تعالى نبيه محمدا ﷺ ليدعو الناس إلى عبادة الله وحده وترك ما هم فيه من الكفر والشرك.
ولقد كان ﷺ في تطبيق ما أمر به هو المثل الأعلى الذي يحتذى به. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢.
فهو منزه عن كل ضلال وغواية كما أخبر الله بذلك في كتابه العزيز ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ٣ فهذه شهادة للرسول ﷺ بأنه راشد تابع للحق ليس بضال ولا غاو، بل هو صلوات الله وسلامه عليه في غاية من الاستقامة والاعتدال والسداد والهداية.
وإجماع الأمة منعقد على ذلك قال الرازي٤: "واجتمعت الأمة على أن الأنبياء معصومون عن الكفر والبدعة"٥.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ففي الجملة كل ما يقدح في نبوتهم
_________________
(١) ١ ميزان الاعتدال (٣/ ٣٥)، وتاريخ بغداد (١١/ ٢٨٦) . ٢ الآيات (١٦٢، ١٦٣) من سورة الأنعام. ٣ الآية (٢) من سورة النجم. ٤ هو محمد بن عمر الرازي الملقب بالفخر الرازي، ولد سنة ٥٤٤ هـ وتوفي سنة ٦٠٦ هـ. الأعلام (٤/ ٣١٣) . ٥ عصمة الأنبياء (ص ١٨) .
[ ١٤٥ ]
وتبليغهم عن الله تعالى فهم متفقون على تنزيههم عنه"١.
وقال الآمدي٢: "فما كان منها كفرا فلا نعرف خلافا بين أهل الشرائع في عصمتهم عنه"٣.
ولم يخالف هذا الإجماع إلا من لا يعتد بخلافهم٤.
والمعلوم من خلال سيرته ﷺ أنه كان حربا على الكفر والشرك على
_________________
(١) ١ منهاج السنة النبوية (١/ ١٣٠) . ٢ علي بن محمد بن سالم التغلبي أبو الحسن سيف الدين الآمدي، أصولي باحث، ولد سنة ٥٥١ هـ وتوفي سنة ٦٣١ هـ، من أشهر مؤلفاته: الإحكام في أصول الأحكام. الأعلام (٤/ ٣٣٢) . ٣ الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٢٨) . ٤ الذين خالفوا في هذه المسألة هم: أالأزارقة: وهم فرقة من فرق الخوارج وقد نقل عنهم أنهم قالوا بجواز بعثة نبي علم الله أنه يكفر بعد نبوته. انظر الإحكام في أصول الأحكام (١/١٢٨)، والمواقف للإيجي (٣٥٨، ٣٥٩) . ب- والفضيلية: رهم من فرق الخوارج ويقولون بجواز الكفر على الأنبياء من جهة كونهم يعتقدون جواز صدور الذنوب عن الأنبياء وكل ذنب هو كفر - على حسب اعتقادهم - فمن هذا الباب جوزوا صدور الكفر عنهم. انظر: عصمة الأنبياء للرازي (ص ١٨) والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ١٢٨) . ج- الرافضة: فقد جوزوا على الأنبياء إظهار الكفر على سبيل التقية عند خوف الهلاك، بل نقل عنهم أنهم أوجبوه. ويعللون ذلك بقولهم: إن إظهار الإسلام إن كان مفضيا إلى القتل كان إلقاء للنفس في التهلكة، وإلقاء النفس في التهلكة حرام لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ الآية ١٩٥ من سورة البقرة، وإذا كان إظهار الإسلام حراما كان إظهار الكفر واجبا. انظر: عصمة الأنبياء للرازي (ص ١٨) . د- ذكر ابن حزم في كتابه الفصل (٤/٢): "أنه رأى في كتاب أبي جعفر السمناني قاضي الموصل صاحب الباقلاني أنه كان يقول: كل ذنب دق أو جل فإنه جائز على الرسل حاشا الكذب في التبليغ فقط، قال: وجائز عليهم أن يكفروا".
[ ١٤٦ ]
اختلاف صوره وألوانه، فلم يدع طريقا أو سبيلا لهدم الشرك والكفر إلا وقد سلكه مستخدما في ذلك لسانه وسنانه، وهذا كله يؤكد عصمته ﷺ من الكفر والشرك وهذا أمر مشتهر وأعظم من أن يحتاج إلى دليل يؤكده.
ج- عصمته من الكذب في غير الوحي والتبليغ.
من المعروف عن سيرته ﷺ قبل البعثة وبعدها أنه متصف بكل خلق فاضل من صدق وأمانة وبر وصلة رحم وإحسان وجود إلى غير ذلك من محاسن الأخلاق التي جبله الله عليها منذ نشأته، وحري به ﷺ أن يكون كذلك فقد اختاره الله لحمل الأمانة العظمى التي هي أداء الرسالة وتبليغها إلى الناس كافة، فكان لابد من إعداده لهذه المهمة، ولذا فقد فطره الله على كل خلق فاضل كريم وقد جمع الله له خصال الخير كلها، فلم يكن يدعى إلا بالأمين، ومن الأدلة التي يستدل بها على اتصافه بالصدق قبل بعثته ما يلي:
ا- قول خديجة بنت خويلد١ ﵂ حينما أتاها النبي ﷺ خائفا بعد أن لقيه جبريل في غار حراء وقال لها: "إني قد خشيت على نفسي"، فقالت له: "كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"٢.
_________________
(١) ١ خديحة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية زوج النبي ﷺ وأول من صدقت ببعثته مطلقا، توفيت بعد خروج بني هاشم من الشعب. الإصابة (٤/٢٧٣ - ٢٧٦) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير. انظر: فتح الباري (٨/ ٧١٥) ح ٤٩٥٣.
[ ١٤٧ ]
٢- إجماع قرييش على الإقرار بصدقه حينما جمعها ليصدع بالدعوة جهرا فعن ابن عباس ﵄ قال: "لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ١ صعد النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي: "يا بني فهريا بني عدي" - لبطون قريش - حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب٢ وقريش، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي". قالوا: ما جربنا عليك إلا صدقا.
قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " الحديث٣
فالشاهد من الحديث قولهم "ما جربنا عليك إلا صدقا" فالنبي ﷺ انتزع منهم هذه الشهادة الجماعية بصدقه وانتفاء الكذب عنه، لعلمه بما قد سيقع من تكذيبهم له عند إخبارهم بأمر الرسالة.
٣- على تكذيب قريش للنبي ﷺ في دعوة النبوة إلا أن أحدا منهم لم يجرؤ على وصفه بالكذب في سواها فقد قال أبو جهل٤ للنبي ﷺ: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب الذي جئت به٥ فأنزل الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا
_________________
(١) ١ الآية (٢١٤) من سورة الشعراء. ٢ اسمه عبد العزى بن عبد المطب وكنيته أبو عتبة وهو أحد أعمام الرسول ﷺ، كان كثير الأذية لرسول الله ﷺ والبغضة له ولدينه. تفسير ابن كثير (٤/ ٥٦٤) . ٣ أخرحه البخاري في صحيحه كتاب التفسير: باب ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾، انظر: فتح الباري (١٨/ ٥٠١) ح ٤٧٧٠، واللفظ له. ٤ اسمه عمرو بن هشام، وكان من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ قتل يوم بدر. ابن الأثير (١/ ٢٣- ٤٧) . ٥ انظر: تفسير الطبري (٧/ ١٨٢) .
[ ١٤٨ ]
يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ١.
وكذلك عندما سأل الأخنس بن شريق٢ أبا جهل بعد ما خلا به يوم بدر فقال: "يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليمر ههنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا، فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ "٣.
٤- ومما يستدل به كذلك جواب أبي سفيان٤ لهرقل٥ عندما سأله عن النبي ﷺ، عندما أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله ﷺ هادن فيها أبا سفيان وكفار قريش، فكان مما سأله عنه: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟
فقال أبو سفيان: لا
فقال هرقل: ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله٦.
_________________
(١) ١ الآية (٣٣) من سورة الأنعام. ٢ الأخنس بن شريق الثقفي، كان من المؤلفة، وشهد حنينا، ومات في أول خلافة عمر. الإصابة (١/ ٣٩- ٤٠) . ٣ أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ١٨٢)، وأورده ابن كثير في تفسيره (٢/ ١٣٠) . ٤ اسمه صخر بن حرب بن أمية أبو سفيان القرشي الأموي، مشهور باسمه وكنيته، أسلم عام الفتح وشهد حنينا والطائف وكان من المؤلفة، توفي في آخر خلافة عثمان. الإصابة (٢/ ١٧٢، ١٧٣) . ٥ هرقل هو ملك الروم، وهرقل اسمه- وهو بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف- ولقبه قيصر، كما يلقب ملك الفرس كسرى ونحوه. فتح الباري (١/ ٣٣) . ٦ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي. انظر: فتح الباري (١/ ٣١) ح ٧.
[ ١٤٩ ]
وبعد فهذه نماذج على صدقه ﷺ وعصمته من الكذب قبل بعثته.
وكذا الحال بعد بعثته ﷺ فهذه أخبار نبينا محمد ﷺ وآثاره وسيره وشمائله معتنى بها مستوفاة تفاصيلها لم يرد في شيء منها تداركه ﷺ لخبر صدر منه رجوعا عن كذبة كذبها، أو اعترافا بخلف في خبر أخبر به ولو وقع شيء من ذلك لنقل إلينا.
ومن المعلوم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق النبي ﷺ في جميع أقواله والثقة بجميع إخباره في أي باب كانت وعن أي شيء وقعت دون توقف أو تردد في شيء منها أو استثبات عن حاله تلك هل وقع فيها سهوا أم لا"١.
وهذا كله يؤكد عصمته ﷺ من الكذب بأي حال من الأحوال.
قال القا ي عياض: " وأما أقواله الدنيوية من إحباره عن أحواله وأحوال غيره وما يفعله أو فعله فقد قدمنا أن الخلف فيها ممتنع عليه في كل حال وعلى أي وجه من عمد أو سهو، أو صحة أو مرض، أو رضا أو غضب وأنه معصوم منه ﷺ.
هذا فيما طريقه الخبر المحض مما يدخله الصدق والكذب، فأما المعاريض الموهم ظاهرها خلاف باطنها فجائز ورودها منه في الأمور الدنيوية لا سيما لقصد المصلحة كتوريته عن وجه مغازيه لئلا يأخذ العدو حذره.
وكما روي من ممازحته ودعابته لبسط أمته وتطييب قلوب المؤمنين من صحابته، وتأكيدا في تحببهم ومسرة نفوسهم، كقوله: "إني حاملك على
_________________
(١) ١ الشفا (٢/٧٦٨ – ٧٦٩) .
[ ١٥٠ ]
ولد الناقة"١، وقوله للمرأة التي سألته عن زوجها: "أهو الذي بعينه بياض"٢ وهذا كله صدق لأن كل جمل ابن ناقة، وكل إنسان بعينه بياض، وقد قال ﷺ: "إني أمزح ولا أقول إلا حقا"٣.
د- عصمته ﷺ من الكبائر التي دون الشرك:
جبل الله نبيه محمدا ﷺ على كل خلق فاضل كريم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٤ فخلقه بأكرم السجايا، وجميل الأخلاق، وحسن الطوية وصفات الخير جميعها، كما نزهه عن كل ما يحط من قدره وينقص من منزلته، قال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾، فهو ﷺ منزه من كل ضلال وغواية، وقد كان من صيانة الله وحفظه له أن حماه من أقذار الجاهلية قبل مبعثه ونزول الوحي إليه، فهو معصوم عن كل ما يحط من قدره ويدق في شخصه ومما ورد في هذا الشأن من الأحاديث ما يلي:
- حديث جابر بن عبد الله ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان ينقل
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الأدب، باب ما جاء في المزاح (٥/ ٢٧٠- ٢٧١) ح ٤٩٩٨، وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب البر والصلة: باب ما جاء في المزاح (٤/ ٣٥٧) ح ١٩٨٩، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. ٢ عزاه السيوطي إلى ابن أبي الدنيا. انظر: مناهل الصفا (ص ٢٣٣) ح رقم ١٢٧٠. ٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٣٤٠)، وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب البر والصلة: باب ما جاء في المزاح (٤/ ٣٥٧) وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه الطبراني في الصغير والأوسط والكبير عن ابن عمر كما في المجمع (٨/ ٨٩)، وقال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفه" والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة كما في المجمع (٩/ ١٧) وقال الهيثمي: إسناده حسن. وانظر: الشفا (٢/ ٨٧٧، ٨٧٨) . ٤ الآية (٤) من سورة القلم.
[ ١٥١ ]
معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له العباس عمه١: يا ابن أخي لو حللت إزارك، فجعلته على منكبك دون الحجارة، قال: فحله على منكبه فسقط مغشيا عليه فما رؤي بعد عريانا ﷺ"٢.
- وعن علي بن أبي طالب ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء إلا ليلتين كلتاهما عصمني الله منهما، قلت ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في رعاية غنم أهلنا، فقلت لصاحبي أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الفتيان، فقال: بلى، فدخلت حتى إذا جئت أول دار مكة سمعت عزفا بالغرابيل والمزامير قلت: ما هذا؟ فقيل: تزوج فلان فلانة، فجلست أنظر وضرب الله على أذني فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟، قلت: ما فعلت شيئا، ثم أخبرته بالذي رأيت، ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة، ففعل فدخلت فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة فجلست أنظر وضرب الله على أذني فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟، قلت: لا شيء ثم أخبرته الخبر، فوالله ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك حتى أكرمني الله بنبوته" ٣.
_________________
(١) ١ العباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي عم الرسول ﷺ، ولد قبل الرسول ﷺ بسنتين يقال إنه أسلم وكتم إسلامه، هاجر إلى المدينة فبل الفتح بقليل، وشهد الفتح وثبت يوم حنين، مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين. الإصابة (٢/٢٦٣) . ٢ تقدم تخريجه (ص ١٣٩) . ٣ أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١٤٣)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/٣٣، ٣٤)، وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/١٤٩، ١٥٠)، وعزاه لابن راهويه في مسنده وابن اسحاق والبزار والبيهقي وأبي نعيم وابن عساكر وقال: قال ابن حجر: إسناده حسن متصل ورجاله ثقات. وأورده ابن كثير في البداية (٢/ ٢٨٧) .
[ ١٥٢ ]
وعن علي ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ: هل عبدت وثنا قط؟،
قال: "لا".
قالوا: فهل شربت خمرا قط؟
قال: "لا ومازلت أعرف أن الذي هم عليه كفر وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان"١.
فهذا عن عصمته قبل مبعثه فما بالك بعد مبعثه والأمر لا يتعلق بنفسه فقط بل يتعداه لغيره بكونه هو القدوة ومعلم الناس وهاديهم ومرشدهم بل إن كل قول من أقواله وكل فعل من أفعاله يعد تشريعا تأخذ به أمته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فأمر عصمته ﷺ من الكبائر أمر دلت عليه النصوص من القرآن والسنة ويكفي المسلم أن يقرأ في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فهذه تزكية من الله لرسوله ﷺ توجب سلامته من كل ما يحط من منزلته ويقدح في نبوته بما في ذلك الكبائر.
وكذلك قوله ﷺ: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له" الحديث٢ ومما يندرج تحت هذه الخشية والتقوى، بُعده عن كل ما يسخط الرب ﷿ ومن ضمن ما يسخطه ارتكاب الكبائر، فهو ﷺ أبعد الناس عنها لكمال
_________________
(١) ١ أورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ١٥٠) وعزاه لأبي نعيم وابن عساكر. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح: باب الترغيب في النكاح. انظر: فتح الباري (٩/ ١٠٤) ح ٥٠٦٣، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح: باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه. (٤/ ١٢٨) .
[ ١٥٣ ]
لخشيته وتقواه لربه عزوجل، فلقد زكاه الله وطهر نفسه ولم يجعل للشيطان عليه من سبيل، وقد تقدم إيراد الحديث الذي جاء فيه أن جبريل شق قلب النبي ﷺ وهو صغير فاستخرج منه علقة وقال: هذا حظ الشيطان منك١.
_________________
(١) ١ انظر تخريجه (ص ١٥١) .
[ ١٥٤ ]