لما كانت الصلاة التي أمرت بها هذه الأمة على النبي ﷺ تعني الطلب من الله ما أخبر به من صلاته عليه. إذ المصلي يقول: "اللهم صل على محمد الخ" فالأمر هنا يتطلب شرح معنى صلاة الله ﷿ على نبيه ﷺ قال ابن القيم: "وأما صلاة الله سبحانه فنوعان: عامة وخاصة.
فالنوع الأول: الصلاة العامة وهي صلاته على عباده المؤمنين:
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ ١
ومنه دعاء النبي ﷺ بالصلاة على آحاد المؤمنين كقوله: "اللهم صل على آل أبي أوفى" ٢.
النوع الثاني: صلاته الخاصة على أنبيائه ورسله وخصوصا على خاتمهم وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم٣.
واختلفت الناس في معنى الصلاة منه سبحانه على أقوال:
القول الأول: إنها رحمته.
فعن ابن عباس ﵄ أن معنى صلاة الرب الرحمة٤ وروى
_________________
(١) ١ الآية (٤٣) من سورة الأحزاب. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة. فتح الباري (٣/ ٣٦١) ح ١٤٩٧، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الدعاء لمن أتى بصدقته (٣/ ١٢١) . ٣ جلاء الأفهام (ص ٧٤) . ٤ فتح الباري (١١/ ١٥٦) .
[ ٢ / ٥٠٦ ]
إسماعيل القاضي١ بسنده عن الضحاك٢ قال: "صلاة الله رحمته، وصلاة الملائكة الدعاء"٣.
وقال المبرد٤ "أصل الصلاة الرحمة فهي من الله رحمة، ومن الملائكة رقة تبعث على استدعاء الرحمة"٥.
قال ابن القيم: "وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين"٦.
القول الثاني: إن صلاة الله مغفرته.
فقد روى إسماعيل القاضي بسنده عن الضحاك: "هو الذي يصلي عليكم" قال: "صلاة الله مغفرته، وصلاة الملائكة الدعاء"٧.
وأورد ابن حجر في الفتح: عن مقاتل بن حيان٨ قال: "صلاة الله مغفرته وصلاة الملائكة الاستغفار"٩
_________________
(١) ١ إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الجهضمي الأزدي فقيه على مذهب الإمام مالك، جليل التصانيف، من بيت علم وفضل توفر، سنة ٢٨٢ هـ. الأعلام (١/ ٣١٠) . ٢ الضحاك بن مزاحم الهلالي أبو القاسم أو أبو محمد. الخراساني، مفسر ولم يثبت له سماع من أحد من الصحابة ترفي سنة ١٠٥ هـ. تهذيب التهذيب (٤/ ٤٥٣- ٤٥٤) ٣ كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٤٠) ٤ محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي، المعروف بالمبرد إمام العربية ببغداد في زمانه، وأحد أئمة الأدب والأخبار، توفي ببغداد سنة ٢٨٦ هـ. الأعلام (٧/ ١٤٤) . ٥ فتح الباري (١١/ ١٥٦) وجلاء الأفهام (ص ٧٥) . ٦ جلاء الأفهام (ص ٧٥) . ٧ كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٤١) ٨ مقاتل بن حيان النبطي (بفتح النون والموحدة) أبو بسطام البلخي، صدوق، وكان ناسكا فاضلا خرج له الجماعة إلا البخاري، مات بكابل قبيل الخمسين ومائة. تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٧٧- ٢٧٩) . ٩ ذكره ابن حجر في فتح الباري (١١/ ١٥٥- ١٥٦) .
[ ٢ / ٥٠٧ ]
قال ابن القيم: "وهذا القول هو من جنس الذي قبله"١.
القول الثالث: أن معنى صلاة الله تعالى على نبيه ثناؤه وتعظيمه وإظهار شرفه وفضله وحرمته.
فإذا قلنا اللهم صل على محمد فإنما نريد اللهم عظم محمدا في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وإجزال أجره ومثوبته وإبداء فضله للأولين والآخرين بالمقام المحمود وتقديمه على كافة المقربين والشهود٢. قال أبو العالية٣: "صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة"٤. وعن الربيع بن أنس٥ قال: "صلاة الله عليه ثناؤه عند ملائكته"٦ وقال الخليل بن أحمد: "صلوات الله على أنبيائه والصالحين من خلقه: حسن ثنائة عليهم وحسن ذكره لهم"٧.
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام (ص ٧٥) . ٢ المنهاج (٢/ ١٣٤) . ٣ رفيع (بالتصغير) بن مهران أبو العالية الرياحي مولاهم، البصري أدرك الجاهلية وأسلم بعد وفاة النبي ﷺ بسنتين ودخل على أبي بكر وصلى خلف عمر، ثقة، توفي سنة تسعين وقيل بعد ذلك. تهذيب التهذيب (٣/ ٢٨٤- ٢٨٦) . ٤ ذكره تعليقا البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ ﴾ الآية. انظر: فتح الباري (٨/ ٥٣٢) . ٥ الروح بن أنس البكري ويقال الحنفي البصري ثم الخرساني روى عن أنس بن مالك وأبي العالية والحسن البصري وغيرهم، مات في خلافة أبي جعفر المنصور. تهذيب التهذيب (٣/ ٢٣٨- ٢٣٩) . ٦ كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٤٠) القول البديع (ص ١٩) . وأورده ابن حجر في الفتح وعزاه لابن أبي حاتم. فتح الباري (٨/٥٣٣) . ٧ العين (٧/ ١٥٤) .
[ ٢ / ٥٠٨ ]
وقال ابن القيم ﵀: "الصلاة المأمور بها في هذه الآية هي الطلب من الله ما أخبر به عن صلاته وصلاة ملائكته، وهي ثناء عليه وإظهار لفضله وشرفه وإرادة تكريمه وتقريبه. فهي تتضمن الخبر والطلب وسمى هذا السؤال منا والدعاء صلاة عليه لوجهين:
أحدهما: أنه يتضمن ئناء المصلي عليه والإشارة بذكر شرفه وفضله والإرادة والمحبة كذلك من الله تعالى، فقد تضمنت الخبر والطلب.
والوجه الثاني: أن ذلك سمي منا صلاة لسؤالنا من الله أن يصلي عليه. فصلاة الله عليه ثناؤه وإرادته لرفع ذكره وتقرببه، وصلاتنا نحن عليه سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به"١.
وزاد الحافظ ابن حجر: أن صلاة الله على خلقه تكون خاصة وتكون عامة. فصلاته على أنبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم.
وصلاته على غيرهم الرحمة فهي التي وسعت كل شيء.
ونقل عياض عن بكر القشيري ٢ قال: "الصلاة على النبي ﷺ من الله تشريف وزيادة وتكرمة، وعلى من دون النبي رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق يين النبي ﷺ ويين سائر المؤمنين حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ وقال قبل ذلك في السورة المذكورة ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي ﷺ من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام (ص ٧٨) . ٢ بكر بن محمد بن العلاء القشيري، قاض من علماء المالكية من أهل البصرة، انتقل إلى مصر قبل سنة (٣٣٠ هـ) وتوفي بها سنة ٣٤٤هـ. الأعلام (٢/ ٦٩) .
[ ٢ / ٥٠٩ ]
تعظيم النبي ﷺ والتنويه به ماليس في غيرها"١.
وقد ضعف ابن القيم ﵀ تفسير الصلاة بالرحمة والاستغفار وذكر في تضعيفهما عدة أوجه منها:
١- أن الله سبحانه فرق بين صلاته على عباده ورحمته فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ٢ فعطف الرحمة على الصلاة فاقتضى ذلك تغايرهما، وهذا أصل العطف، وأما قولهم:
وألفى قولها كذبا ومينا
فهو شاذ نادر لا يحمل عليه أفصح الكلام مع أن المين أخص من الكذب
٢- أن صلاة الله سبحانه خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، وأما رحمته فوسعت كل شيء، فليست الصلاة مرادفة للرحمة لكن الرحمة من لوازم الصلاة وموجباتها وثمراتها، فمن فسرها بالرحمة فقد فسرها ببعض ثمواتها ومقصودها، وهذا كثيرا ما يأتي في تفسير ألفاظ القرآن، والرسول لا يفسر اللفظة بلازمها وجزء معناها كتفسير الريب بالشك، والشك جزء مسمى الريب وتفسير المغفرة بالستر، وهو جزء مه مسمى المغفرة، وتفسير الرحمة بإرادة الإحسان، وهو لازم الرحمة ونظائر ذلك، كثيرة.
٣- أن هذه اللفظة لا تعرف في اللغة الأصلية بمعنى الرحمة أصلا والمعروف عند العرب من معناها إنما هو الدعاء والتبريك والثناء، ولا تعرف العرب قط "صلى عليه" بمعنى "رحمه" فالواجب حمل اللفظ على معناه المتعارف في اللغة.
_________________
(١) ١ فتح الباري (١١/ ١٥٦) ٢ الآيات (١٥٥ إلى ١٥٧) من سورة البقرة.
[ ٢ / ٥١٠ ]
٤- أنه يسوغ بل يستحب لكل أحد أن يسأل الله أن يرحمه فيقول: اللهم ارحمني كما علم النبي ﷺ الداعي أن يقول: "اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني" فلما حفظها قال أما هذا فقد ملأ يديه من الخير"١. ومعلوم أنه لا يسوغ لأحد أن يقول: "اللهم صل علي" بل الداعي بهذا يكون معتديا في دعائه والله لا يحب المعتدين، بخلاف سؤاله الرحمة فإن الله يححب أن يسأله عبده مغفرته ورحمته فعلم أنه ليس معناهما واحدا.
٥- أن أكثر المواضع التي تستعمل فيها الرحمة لا يحسن أن تقع فيها الصلاة كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٢ وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣ وقوله ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ٤ وقوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٥ وقول النبي ﷺ: "الله أرحم بعباده من هذه بولدها" ٦. وقوله: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" ٧
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٥٣) . ٢ الآية (١٥٦) من سورة الأعراف. ٣ الآية (٥٦) من سورة الأعراف. ٤ الآية (٤٣) من سورة الأحزاب. ٥ الآية (١١٧) من سورة التوبة. ٦ أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأدب، باب رحمة الولد. فتح الباري (١٠/ ٤٦٧) ح ٥٩٩٨، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (٨/ ٩٧) . ٧ أخرجه الترمذي في السنن، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة المسلمين (٤/ ٣٢٣- ٣٢٤) ح ١٩٢٤، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[ ٢ / ٥١١ ]
فمواضع استعمال الرحمة في حق الله وفي حق العباد لا يحسن أن تقع الصلاة في كثير منها، بل في أكثرها، فلا يصح تفسير الصلاة بالرحمة والله أعلم.
٦- أنه لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقامت مقامها في امتثال الأمر وأسقطت الوجوب عند من أوجبها إذا قال: "اللهم ارحم محمدا وآل محمد" وليس الأمر كذلك١. وزاد السخاوي:
٧- أن الصحابة فهموا المغايرة بين الصلاة والرحمة، فلذلك سألوا عن كيفية الصلاة مع ما تقدم من ذكر الرحمة في تعليم السلام حيث جاء بلفظ "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" وأقرهم النبي ﷺ فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقال لهم قد علمتم ذلك في السلام٢.
وأولى الأقوال بالصواب ما تقدم عن أبي العالية "أن معنى صلاة الله تعالى على نبيه ثناؤه وتعظيمه".
فهي من الله إكرام وتعظيم ومحبة وثناء لنبيه ﷺ.
فصلاتنا عليه: إنما هي ثناء عليه ﷺ وإرادة من الله أن يعلي ذكره ويزيده تعظيما وتشريفا.
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام (ص ٧٥- ٨٢) بتصرف. ٢ القول البديع (ص ٢٠) .
[ ٢ / ٥١٢ ]