ومن علامات محبته ﷺ الإكثار من ذكره ﷺ، فمن أحب شيئا أكثر من ذكره، ودوام الذكر سبب لدوام المحبة وزيادتها ونمائها.
وفي هذا المعنى يقول ابن القيم ﵀ في ضمن تعداده للفوائد والثمرات الحاصلة من الصلاة على النبي ﷺ: "أنها سبب لدوام محبته للرسول ﷺ وزيادتها وتضاعفها وذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يتم إلا به، لأن العبد كلما أكثر من ذكر المحبوب واستحضار محاسنه ومعانيه الجالبة لحبه تضاعف حبه له وتزايد شوقه إليه واستولى على جميع قلبه. وإذا أعرض عن ذكره وإحضاره وإحضار محاسنه بقلبه نقص حبه من قلبه ولا شيء أقر لعين العبد المحب من رؤية محبوبه ولا أقر لقلبه من ذكره وإحضار محاسنه، فإذا قوي هذا في قلبه جرى لسانه بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه وتكون زيادة ذلك ونقصانه بحسب زيادة الحب ونقصانه في قلبه"١.
والمقصود بالذكر هنا الذكر المشروع وعلى رأسه الصلاة والسلام عليه ﷺ امتثالا لأمر الله تعالى الوارد في قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢.
وامتثالا لقوله ﷺ: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا" الحديث٣.
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام (ص ٢٤٨) . ٢ الآية (٥٦) من سورة الأحزاب. ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه، ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يسأل له الوسيلة (٢/ ٤) .
[ ٣٢٦ ]
وعن أبي بن كعب قال: قلت: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟، قال: "ما شئت". قلت: الربع؟، قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير". قلت: النصف؟، قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير". قلت: الثلثين؟، قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير". قال: أجعل لك صلاتي كلها. قال: "إذا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك"١.
قال ابن القيم: "سئل شيخنا أبو العباس بن تيمية ﵁ عن تفسير هذا الحديث فقال: كان لأبي بن كعب دعاء يدعو به لنفسه فسأل النبي ﷺ: "هل يجعل له منه ربعه صلاة عليه فقال: إن زدت فهو خير لك، فقال له: النصف، فقال إن زدت فهو خير لك، إلى أن قال: أجعل لك صلاتي كلها: أي أجعل دعائي كله صلاة عليك، قال: إذا تكفى همك ويغفر ذنبك، لأن من صلى على النبي ﷺ صلاة صلى الله بها عشرا، ومن صلى الله عليه كفاه همه وكفر له ذنبه هذا معنى كلامه"٢.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ١٣٦) . وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب صفة يوم القيامة، باب ٢٣، (٤/ ٦٣٦، ٦٣٧) ح ٢٤٥٧ وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢١) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٨) ح ١٤، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٦) . والحديث في إسناده "عبد الله بن محمد بن عقيل" قال ابن القيم: عبد الله بن محمد بن عقيل احتج به الأئمة الكبار كالحميدي وأحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني، والترمذي وغيرهم، والترمذي يصحح هذه الترجمة تارة ويحسنها تارة. جلاء الأفهام (ص ٦٦) وقال الألباني في الصحيحة (٩٥٤): "إسناده حسن من أجل الخلاف المعروف في ابن عقيل". ٢ جلاء الأفهام (ص ٣٢) .
[ ٣٢٧ ]
والشاهد من الحديث أن من محبته ﷺ مداومة الصلاة والسلام عليه والثناء عليه بما هو أهل له من الأوصاف والخصال الحميدة التي وصف بها ﷺ. وفي الحديث الآخر عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي" ١.
فذكره شُرع لإظهار محبته واحترامه وتوقيره وتعظيمه ﷺ وهذا من علامات محبته، ولقد ورد أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا بعد وفاته ﷺ لا يذكرونه إلا خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا، وكذلك كان كثير من التابعين من يفعل ذلك محبة له وشوقا إليه٢.
ويدخل ضمن الذكر المشروع تعداد فضائله وخصائصه وما وهبه الله من الصفات والأخلاق والخلال الفاضلة، وما أكرمه به من المعجزات والدلائل، وذلك من أجل التعرف على مكانته ومنزلته والتأسي بصفاته وأخلاقه، وتعريف الناس وتذكيرهم بذلك، ليزدادوا إيمانا ومحبة له ﷺ ولكي يتأسوا به. ولا محظور في التمدح بذلك نثرًا وشعرًا مادام أن ذلك في حدود المشروع الذي أمر به الشارع الكريم.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٠١) . وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب الدعوات، باب قول النبي ﷺ: "رغم أنف رجل" وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب (٥/ ٥٥١) ح ٣٥٤٦، وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص ١٦٣) . وأخرجه ابن حبان في صحيحه انظر موارد الظمآن رقم (٣٨٨) وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ١٣٩/ ٢) وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي (٣/ ١٧٧) حديث صحيح. ٢ الشفا (٢/ ٥٧٣) .
[ ٣٢٨ ]
نصوص القرآن والسنة، كأن يتجاوز به حدود بشريته فيصرف له شيء من الأمور الخاصة بالله ﷿ كما فعل بعض الغلاة في أشعارهم ومدائحهم للنبي ﷺ.
وكذلك فإن من الأمور المنهي عنها الذكر المقترن بالغناء وأدوات اللهو والطرب والرقص، وهذا الذكر البدعي هو الذي عليه حال أرباب الطرق والتصوف، وقد وافقهم على ذلك كثير من عوام الناس ظنا منهم أن فعل مثل هذه الأمور هو الطريق إلى تحقيق محبة النبي ﷺ وهو في حقيقة فعله يعد محادة لله ورسوله فقد تبرأ ﷺ ممن أحدث في الدين حيث قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".
وسيأتي مزيد تفصيل لهذا الموضوع في الباب الرابع بإذن الله.
[ ٣٢٩ ]