إن من تعظيم النبي ﷺ تعظيم المدينة النبوية١ التي هي دار المصطفى ومهاجره، فقد اختارها الله لنبيه ﷺ قرارا، وجعل أهلها شيعة له وأنصارا. وهي التي، انتشر منها دين الله وسنة رسوله ﷺ حتى وصل مشارق الأرض ومغاربها.
وهي التي ورد في فضلها وتعظيم شأنها وتحريمها وفضل بعض البقاع فيها الكثير من الأحاديث الثابتة الصحيحة والتي أورد بعضا منها ههنا على سبيل المثال لا الحصر.
فعن سفيان بن أبي زهير٢ ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون ٣ فيتحملون بأملهم ومن أطاعهم والمدينة
_________________
(١) ١ ذكر ذلك: البيهقي في الجامع لشعب الإيمان (٢/١٣٠)، والقاضي عياض في الشفا (٢/٦١٩) ٢ سفيان بن أبي زهير الأزدي، من أزد شنوءة (بفتح المعجمة وبضم النون وبعد الواو همزة) من أصحاب النبي ﷺ. يعد في أهل المدينة. الإصابة (٢/ ٥٢) . ٣ يقال بسست الناقة وأبسستها إذا سقتها وزجرتها وقلت لها بس بس بكسر الباء وفتحها. النهاية (١/ ١٢٧) .
[ ٢ / ٤٩٠ ]
خير لهم لو كانوا يعلمون.
وتفتح الشام، فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون.
وتفتح العراق، فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" ١.
وعن عبد الله بن زيد بن عاصم٢ أن رسول الله ﷺ قال: "إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها تمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة" ٣.
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها" وقال: "المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كانت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة" ٤.
وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاؤا به إلى النبي ﷺ فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال: "اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا اللهم إن إبراهيم عبدك
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل المدينة، باب من رغب عن المدينة "واللفظ له". انظر: فتح الباري (٤/ ٩٠) ح ١٨٧٥، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب الترغيب في المدينة عند فتح الأمصار (٤/ ١٢٢) . ٢ عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاري المازني، صحابي شهير اختلف في شهوده بدرا، وشهد أحدا وغيرها، وشارك مع وحشي في قتل مسيلمة، يقال قتل يوم الحرة سنة ثلاث وستين. الإصابة (٢/ ٣٠٥) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب بركة صاع النبي ﷺ ومده. فتح الباري (٤/ ٣٤٦) ح ٢١٢٩، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل المدينة "واللفظ له" (٤/ ١١٢) . ٤ أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل المدينة (٤/ ١١٣) .
[ ٢ / ٤٩١ ]
وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه قال ثم يدعو أصغر وليد له فيعطه ذلك الثمر" ١. وعن أبي هريرة ﵁ أيضا عن النبي ﷺ قال: "المدينة حرم فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف" ٢.
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها" ٣
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء"٤.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام"٥. وعنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من
_________________
(١) ١ أخرجه بهذا اللفظ، مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل المدينة (٤/ ١١٦، ١١٧) . ٢ أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل المدينة (٤/ ١١٦) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل المدينة، باب الإيمان يأرز إلى المدينة. انظر: فتح الباري (٤/ ٩٣) ح ١٨٧٦، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا (١/ ٩٠- ٩١) . ٤ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل المدينة، باب إثم من كاد أهل المدينة، انظر: فتح الباري (٤/ ٩٤) ح ١٨٧٧، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله (٤/ ١٢٢) . ٥ أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. انظر: فتح الباري (٣/٦٣) ح ١١٩٠، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة (٤/ ١٢٤) .
[ ٢ / ٤٩٢ ]
رياض الجنة، ومنبري على حوضي" ١.
والأحاديث في فضل المدينة كثيرة ومتنوعة، ولقد أفرد البخاري في صحيحه كتابا لفضائل المدينة، وكذا مسلم في صحيحه قد أورد في آخر كتاب الحج العديد من الأحاديث الواردة في شأن المدينة، وكذا الحال عند أصحاب السنن والمسانيد.
والمقصود من تعظيم المدينة هو تعظيم حرمها وهذا أمر واجب في حق من سكن بها أو دخل فيها، مع ما يجب على ساكنيها من مراعاة حق المجاورة وحسن التأدب فيها وذلك لما لها من المنزلة والمكانة عند الله وعند رسوله ﷺ. فإنها من المواطن التي عمرت بالوحي والتنزيل، واشتملت تربتها على جسد سيد البشر وانتشر عنها من دين الله وسنن رسول الله ﷺ ما انتشر، فهي مشاهد الفضائل والخيرات ومعاهد البراهين والمعجزات.
فحري بمن أكرمه الله بالإقامة فيها أن يتزود فيها من الأعمال الصالحة التي تنفعه بعد الموت، وأن يحذر من الوقوع فيها بما يسخط الله ﷿. وفيما سبق ذكره من الأحاديث خير شاهد على فضل سكناها والترغيب في الإكثار من العمل الصالح فيها، والتحذير من الإساءة والمعصية والإفساد فيها.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل المدينة، باب ١٢. انظر: فتح الباري (٤/ ٩٩) ح ١٨٨٨، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة (٤/ ١٢٣) .
[ ٢ / ٤٩٣ ]