لقد كان موقف الصحابة رضوان الله عليهم تجاه هذا الأمر متمثلا في الأمور التالية:
أ- روايتهم للأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في هذا الشأن والتي بلغت حد التواتر على تنوع عبارات تلك الأحاديث واختلاف المناسبات التي قيلت فيها، وهذا مما يدل على اعتقادهم لهذا الأمر وحرصهم على إبلاغه لهذه الأمة، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه خالف هذا الأمر، ولو كانت هناك أدنى شبهة عن أحد منهم لنقلت لنا "وقد بلغ عدد الصحابة ﵃ الذين رووا أحاديث الختم سبعة وثلاثين صحابيا"١
ب- إجماع الصحابة على قتال المتنبئين بعد وفاة رسول الله ﷺ فلقد سير أبو بكر ﵁ الجيوش - والتي كان معظم جندها من الصحابة رضوان الله عليهم - وذلك لقتال مسيلمة الكذاب٢ وطليحة الأسدي ٣اللذين ادعيا النبوة.
_________________
(١) ١ عقيدة ختم النبوة (ص ٥٥) . ٢ هو: مسيلمة بن ثمامة بن كبير الكذاب، ادعى النبوة في آخر حياة النبي ﷺ، وذلك في أواخر سنة عشر وتوفي النبي ﷺ قبل القضاء على فتنته، فلما انتظم الأمر لأبي بكر ﵁، انتدب له خالد بن الوليد على رأس جيش قوي فقتل مسيلمة الكذاب. البداية (٥/ ٤٩- ٥٢، ٦/ ٣٢٣- ٣٢٧) والأعلام (٧/ ٢٢٦) . ٣ طليحة بن خويلد الأسدي، قدم على النبي ﷺ في وفد من بني أسد سنة ٩هـ، وأسلموا، ولما رجعوا ارتد طليحة، وادعى النبوة في حياة رسول الله ﷺ. سير إليه أبو بكر خالد بن الوليد، فانهزم طليحة وفر إلى الشام ثم أسلم وحسن بلاؤه في الفتوح، واستشهد في نهاوند سنة ٢١ هـ. الإصابة (٢/ ٢٢٦) رقم ٤٢٩٠، والأعلام (٣/٢٣٠) .
[ ١١٥ ]
ج- ما ورد من الأقوال المأثورة عنهم والتي تضمنت التأكيد على ختم النبوة وانقطاع الوحي بعد وفاة الرسول ﷺ، ومن تلك الأقوال: ما رُوي عن عمر ابن الخطاب ﵁ أنه قال: "إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم " ١.
وما روي عن ابن عباس ﵄ عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ .
قال في تفسيرها: "إن الله تعالى لما حكم أنه لا نبي بعده لم يعطه ولدا ذكرا يصير رجلا"٢
وعن ابن أبي أوفى٣ ﵁ لما سئل عن إبراهيم ولد النبي ﷺ قال: "مات صغيرا، ولو قضى أن يكون بعد محمد ﷺ نبي عاش ابنه ولكن لا نبي بعده"٤.
وعن أنس ﵁ قال: "كان إبراهيم - يعني ابن النبي ﷺ - قد ملأ الأرض، ولو بقي لكان نبيا ولكن لم يبق إلا نبيكم آخر الأنبياء"٥.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كناب الشهادات، باب الشهداء العدول. انظر: فتح الباري (٥/ ٢٥١) ح ٢٦٤١. ٢ معالم التنزيل للبغوي (٦/ ٥٦٥) . ٣ هو: عبد الله بن أبي أوفى واسمه علقمة بن خالد الأسلمي له ولأبيه صحبة، شهد الحديبية، وروى أحاديث شهيرة نزل الكوفة، ومات بها سنة ثمانين. الإصابة (٢/ ٢٧١) رقم ٤٥٥٥. ٤ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب: باب من سمى بأسماء الأنبياء. انظر: فتح الباري (١٠/٥٧٧) . ٥ أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٣٣) .
[ ١١٦ ]