ولئن دلّ هذا العنت على شيء لعلى شدة حرص أصحابه على التشكيك في الإسلام، وهم لم يستطيعوا الطعن على هذا الدين وقد رأوه دينا بلغ غاية السموّ مع بساطة ويسرهما مصدر قوّته؛ لذلك لجأوا إلى حجة العاجز حين يدع الأثر العظيم لا يعرض له بمطعن لأن المطاعن لا ترقى إليه، فهو يتناول من صدر هذا الأثر عنه أو كان وسيلته إلى الناس فيجعله هدف مطاعنه، وهذا عجز لا يلجأ إليه عالم، وهو بعد مناقض لقانون الطبيعة الإنسانية. ففي طبيعة الناس أن يعنوا بالآثار لذاتها، وأن يستمتعوا بثمراتها دون بحث لا طائل تحته في مصدرها ووسيلة حدوثها ونموها. وهم لذلك لا يعنّون أنفسهم بالبحث في أصل الشجرة التي أنبتت الثمرة التي تعجبهم، ولا في السماد الذي أدّى إلى ازدهارها، ما داموا لا يفكرون في غرس شجرة مثلها أو شجرة أشهى منها ثمرا. وهم حين يبحثون في فلسفة «أفلاطون» أو مسرحيات «شكسبير» أو عن «رفائيل» لا يتلمّسون المطاعن في حياة هؤلاء العظماء عنوان مجد الإنسانية وفخارها حين لا يجدون على هذه الآثار مطعنا، فإذا تلمّسوا المطاعن التي لا سند لها من الحق، لم يبلغوا من ذلك غايتهم وإن كشفوا عن سوء رأي وحقد يسقط حجتهم ويحول دون الاستماع لهم. ولن يغيّر من ذلك أن يفرغ هذا الحقد في قالب العلم؛ فالحقد لا يعرف الحقيقة. وكبرت الحقيقة أن يكون الحقد لها مصدرا. وهذا شأن مطاعن أولئك المستشرقين على النبي العربي خاتم المرسلين؛ ولذلك هوت مطاعنهم إلى الحضيض.
فرغت الآن من تفنيد رأي أولئك المستشرقين الذين استندت إليهم رسالة ذلك المصري المسلم، وأقمت الدليل على فساده، فلأنتقل إلى طائفة أخرى من الملاحظات التي أبداها بعض المشتغلين بالعلوم الدينية من المسلمين بعد ظهور الطبعة الأولى.
وأكبر ظني ألا تتكرر أمثال هذه المطاعن الوضيعة التي يأباها العلم وينكرها. فربما كان لهؤلاء المستشرقين من العذر عن إسرافهم من قبل أنهم كانوا يحسبون أنهم يكتبون للأوروبيين المسيحيين، وأنهم كانوا يقومون لذلك بواجب قومي أو بواجب ديني تمليه عليهم عقيدتهم وتدفعهم إلى اتخاذ العلم بغيا وسيلتهم إلى أدائه. أمّا اليوم، وقد توثّقت أسباب الاتصال بالبرق والإذاعة، وبعد أن وثقت الصحافة والطباعة بين أجزاء العالم، فقد
[ ٣٧ ]
أصبح ما ينشر وما يقال في أوروبا أو في أمريكا يعرف ليومه أو لساعته في بلاد الشرق جميعا. فواجب على الذين يريدون الاضطلاع برسالة المعرفة والحقيقة أن ينزعوا عن عيونهم وعن قلوبهم غشاوة الحواجز القومية أو الجنسية أو الدينية، وأن يقدّروا أن ما يقولونه أو يكتبونه سرعان ما يصل علمه إلى الناس جميعا فيتناولونه في مختلف بلاد الأرض بالنقد والتمحيص. فلتكن الحقيقة غير المقيّدة بأي قيد هي رائدنا جميعا، ولنوجه كل همنا إلى أن نربط ما بين ماضي الإنسانية ومستقبلها، على أنها وحدة كبرى لا تفرّق بينها القوميات ولا الجنسيات ولا الأديان برابطة ترمي إلى تحقيق أسمى غاية تطلعت إليها الإنسانية منذ نشأتها، رابطة الإخاء الحرّ في ظل الحق والجمال؛ فتلك وحدها هي الرابطة التي تكفل هداية الإنسانية في سيرها الحثيث نحو السعادة والكمال.
بينما يأخذ علينا غلاة المصدّقين لما أسرف فيه المستشرقون أنا نعتمد على المصادر العربية ونستند إلى ما ورد فيها، إذا بعض المشتغلين بالعلوم الدينية الإسلامية يأخذون علينا أننا نرجع إلى أقوال المستشرقين ولا نأخذ بكل ما سجّلته كتب السيرة وما روته كتب الحديث متصلا بسيرة النبي العربي، وأننا لا ننهج نهج هذه الكتب.
وعلى هذا الأساس أبدى بعضهم ملاحظات في أكثرها رفق ومجادلة بالتي هي أحسن ابتغاء الوصول إلى الحق، وفي بعضها عنت أو جهل لا يرضي أيهما لنفسه من أوتي حظّا من العلم. أما الذين جادلوا في رفق فتنصرف أكثر ملاحظاتهم إلى أننا لم نذكر ما ورد في كتب السيرة والحديث من المعجزات، بل قلنا في خاتمة الطبعة الأولى:
«فحياة محمد حياة إنسانية بلغت أسمى ما يستطيع إنسان أن يبلغ. ولقد كان ﷺ حريصا على أن يقدّر المسلمون أنه بشر مثلهم يوحى إليه، حتى لا يرضى أن تنسب إليه معجزة غير القرآن، ويصارح أصحابه بذلك» وقلنا عند الكلام عن قصة شق الصدر: «إنما يدعو المستشرقين ويدعو المفكرين من المسلمين إلى هذا الموقف من ذلك الحادث أن حياة محمد كانت كلها حياة إنسانية سامية، وأنه لم يلجأ في إثبات رسالته إلى ما لجأ إليه من سبقه من أصحاب الخوارق. وهم في هذا يجدون من المؤرخين العرب والمسلمين سندا حين ينكرون من حياة النبي العربي كلها ما لا يدخل في معروف العقل، ويرون ما ورد من ذلك غير متفق مع ما دعا القرآن إليه من النظر في خلق الله وأن سنّة الله لن تجد لها تبديلا، غير متفق مع تغيير القرآن للمشركين أنهم لا يفقهون؛ أن ليست لهم قلوب يعقلون بها. ومن هؤلاء المجادلين في رفق من يأخذ علينا أننا أوردنا مطاعن المستشرقين على النبي مقدمة للرد عليها؛ وإيراد هذه المطاعن لا يتفق مع ما يجب في نظرهم، للنبي ﵇ من إكبار وإكرام. أما الذين لجأوا إلى العنت فقد ظهروا قبل أن تظهر طبعة الكتاب الأولى، وقبل أن يجمع هذا البحث في كتاب، وأشد ما استطاعوا أن يأخذوه عليّ أنني جعلت عنوان بحثي «حياة محمد»، من غير أن أردف هذا العنوان بالصلاة والسلام على رسول الله، وإن ذكرتها غير مرة في غضون البحث. وكنت أحسبهم يرجعون عن عنتهم بعد أن زيّنت عنوان الطبعة الأولى بالآية الكريمة: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) «١» وبعد أن تناول الكتاب السيرة على الطريقة التي تناولها بها. لكنهم أصرّوا على ملاحظتهم، فدلوا بذلك على تعنتهم وعلى جهلهم مع ذلك بحقائق الإسلام اكتفاء منهم باتباع ما وجدوا عليه آباءهم.
ونبدأ بدفع هذه الملاحظة الخاطئة آملين ألّا يعود أصحابها وألّا يعود غيرهم إلى إبدائها على أي كتاب يظهر وإنما ندفعها بالرجوع إلى كتب الأئمة من علماء المسلمين حتى يعرف الناس جميعا سموّ الإسلام فوق القيود
_________________
(١) سورة الأحزاب آية ٥٦.
[ ٣٨ ]
اللفظية ويقدروا قيمة الحديث: «إنّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» . فقد ذكر أبو البقاء في «كليّاته» أن «كتابة الصلاة في أوائل. الكتب قد حدثت في أثناء الدولة العباسية، ولهذا وقع كتاب البخاريّ وغيره عاريا عنها» . وكثرة الأئمة على أن الصلاة على النبي يكفي أن يذكرها المرء مرة واحدة في حياته. قال ابن نجيم في «البحر الرائق»: وأما موجب الأمر في قوله تعالى:
(صَلُّوا عَلَيْهِ) فهو افتراضها في العمر مرة واحدة في الصلاة أو خارجها؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار، وهذا بلا خلاف» . والخلاف بين الشافعي وغيره على وجوب الصلاة على النبي أثناء الصلاة لا خارجها. والصلاة هي الدعاء: ومعناها في الآية أن يترحم الله على النبي ويسلّم» . هذا ما أورده علماء المسلمين وأئمتهم في هذا الموضوع. وهو يدلّ على إسراف الذين يزعمون وجوب الصلاة على النبي كلما ذكر اسمه وكلما كتب، وعلى خطئهم خطأ ما كانوا يقعون فيه إذا عرفوا ما قدمنا وأن كبار المحدثين لم يكونوا يكتبون الصلاة في أوائل الكتب.