انتظرت آمنة مجيء المراضع من بني سعد لتدفع به إلى إحداهن كعادة أشراف العرب من أهل مكة. ولا تزال هذه العادة متبعة عند أشراف مكة، إذ يبعثون أبناءهم إلى البادية في اليوم الثامن من مولدهم ثم لا يعودون إلى الحضر حتى يبلغوا الثامنة أو العاشرة. ومن قبائل البادية من لها في المراضع شهرة، ومن بينها قبيلة بني سعد. وفي انتظار المراضع دفعت آمنة بالطفل إلى ثويبة جارية عمه أبي لهب، فأرضعته زمنا، كما أرضعته من بعد عمه حمزة؛ فكانا أخوين في الرضاع. ومع أن ثويبة لم ترضعه إلا أيّاما فقد ظل يحفظ لها خير الودّ ويصلها ما عاشت؛ ولما ماتت في السنة السابعة من هجرته إلى المدينة سألن عن ابنها الذي كان أخاه في الرضاع ليصله مكانها، فعلم أنه مات قبلها.
[ ٧٩ ]
وجاءت مراضع بني سعد إلى مكة يلتمس الأطفال لإرضاعهم. وكنّ يعرضن عن اليتامى لأنهن كنّ يرتجين البرّ من الآباء. أمّا الأيامى فكان الرجاء فيهن قليلا؛ لذلك لم تقبل واحدة من أولئك المراضع على محمد، وذهبت كلّ بمن ترجو من أهله وافر الخير.