فقد كانت أقوى مظاهر الحضارة العالمية في ذلك العصر تحيط، كما رأيت، بحوضي البحر الأبيض (بحر الرّوم) والبحر الأحمر (بحر القلزم) . وكانت المسيحية واليهودية تتجاوران في تلك المحيط تجاورا إلا يكن فيه عداء ظاهر فليست فيه مودّة ظاهرة. وكان اليهود إلى يومئذ، كما لا يزالون، يذكرون ثورة عيسى بهم وخروجهم على دينهم، فكانوا يعملون في الخفية ما استطاعوا لصدّ تيار المسيحية التي أخرجتهم من أرض المعاد، والتي استظلت بلواء الروم في إمبراطوريتها الفسيحة المترامية الأطراف. وكان لليهود في بلاد العرب
[ ٦١ ]
جاليات كبيرة يقيم أكثرها في اليمن وفي يثرب. ثم كانت مجوسية الفرس تقف في وجه القوّات المسيحية حتى لا تعبر الفرات إلى فارس، وتؤيّد بقوّتها المعنوية أوضاع الوثنية حيثما وجدت الوثنية. وكان سقوط رومية وزوال سلطانها بعد انتقال عاصمة حضارة العالم إلى بزنطية وما تلا ذلك من بوادر التحلّل، قد أكثر الشّيع في المسيحية كثرة جعلتها- كما قدّمنا- تتناحر وتقتتل وتهوي من عليا مراتب الإيمان إلى الجدل في الصور والألفاظ وفي مبلغ قدس مريم وتقدّمها على ابنها المسيح أو تقدّمه عليها، جدلا هو النذير أنّى وجد بتدهور ما يجري في شأنه وما يحتدم من أجله؛ ذلك بأنه يذر اللب ويأخذ بالقشور، ويظل يكدّس من هذه القشور فوق اللب ما يخيفه وما يجعل من المحال على الناس إدراكه أو اختراق حجب القشور إليه.
وقد كان ما يحتدم جدل نصارى الشام حوله غير ما يحتدم جدل أهل الحيرة أو أهل الحبشة حوله. ولم يكن اليهود بطبيعة صلتهم بالنصارى ليعلموا على تهدئة هذا الجدل أو التسكين من حدته. لذلك كان طبيعيّا أن يظل العرب الذين يتصلون بنصارى الشام وبنصارى اليمن في رحلتي الشتاء والصيف وبمن يفدون عليهم من نصارى الحبشة بعيدين عن أن ينتصروا لفريق على فريق مطمئنين إلى وثنيتهم التي ولدوا فيها وتابعوا آباءهم عليها.
ولذلك ظلّت عبادة الأصنام مزدهرة عندهم، حتى امتدّ شيء من أثرها إلى جيرانهم نصارى نجران ويهود يثرب الذين تسامحوا في أمرها ثم احتملوها ثم اطمأنوا إليها، أن كانت من صلات التجارة الحسنة بينهم وبين هؤلاء العرب الذين يعبدونها لتقرّ بهم إلى الله زلفى.