ولما تقدم بي البحث بعض الشيء ألفيت المشورة الصادقة تصل إليّ من كل صوب، ومن ناحية الشيوخ أكثر من كل ناحية أخرى بطبيعة الحال. وكانت المعونة الكبرى معونة دار الكتب ورجالها الذين أمدّوني من ألوان المعونة بما لا يفي الشكر بحسن تقديره. ويكفي أن أذكر أن الأستاذ عبد الرحيم محمود المصحح بالقسم الأدبي بدار الكتب كان يكفيني مؤونة الذهاب إلى الدار في كثير من الأحيان ويستعير لي ما أريد استعارته من الكتب مشمولا بعطف مدير الدار وكبار القائمين بالأمر فيها، وأن أذكر أني في كل مرة ذهبت إلى الدار كنت أجد أجمل العون في البحث عما أريد البحث فيه من موظّفي الدار كبارا وصغارا، من عرفت منهم ومن لم أعرف.
[ ٢٣ ]
ثم إنه كانت تستغلق عليّ بعض المسائل أحيانا فأفضي إلى من آنس فيه المعرفة من أصدقائي بما استغلق عليّ فأجد في كثير من الأحيان خير العون. وجدت ذلك غير مرّة عند الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي، ووجدته عند صديقي الضليع جعفر (باشا) وهو الذي أعارني عدّة كتب كصحيح مسلم وتواريخ مكة، ودلنيّ على غير مسألة من المسائل وهداني إلى موضعها، وقد أعارني صديقي الأستاذ مكرم عبيد (باشا) كتاب المستشرق السير وليم موير «حياة محمد» وكتاب الأب لامنس «الإسلام» . هذا إلى ما وجدت من عون في مؤلّفات المعاصرين القيامة ككتاب «فجر الإسلام» للأستاذ أحمد أمين، و«قصص الأنبياء» للأستاذ عبد الوهاب النّجار، و«في الأدب الجاهلي» للدكتور طه حسين، و«اليهود في بلاد العرب» لإسرائيل ولفنسن، وغير هذه من كتب المعاصرين كثير ذكرته في بيان المراجع القديمة والحديثة التي استعنت بها على وضع هذا الكتاب.
ولقد كنت كلما أزددت توسعا في البحث أرى مسائل تنجم أمامي وتستدعي التفكير ومزيدا من البحث لحلها. وكما عاونتني كتب السيرة وكتب التفسير في الاهتداء إلى غاية من تفكيري أطمئن اليها، عاونتني كذلك كتب المستشرقين في الاهتداء إلى غاية أطمئن إليها. على أنني رأيتني مضطرّا في كل المواقف لأقصر بحثي في حدود حياة محمد نفسه ما لم أضطرّ إلى تناول مسائل أخرى متصلة بهذا البحث اضطرارا. ولو أنني أردت أن أبحث كل ما اتصل بهذه الحياة الفيّاضة العظيمة، لاحتاج الأمر إلى وضع مجلّدات عدّة في حجم هذا الكتاب.
ويحسن أن أذكر أن كوسّان دبرسفال وضع ثلاثة مجلّدات بعنوان «رسالة في تاريخ العرب»، جعل المجلّدين الأوّلين منها في تاريخ قبائل العرب وحياتها، وجعل الثالث عن محمد وخليفتيه الأوّلين أبي بكر وعمر. وطبقات ابن سعد تقع في مجلّدات كثيرة يتناول جزؤها الأوّل حياة محمد، وسائر أجزائها حياة أصحابه. ولم يكن غرضي أوّل ما بدأت البحث ليتجاوز حياة محمد. فلم أرد في أثنائه أن أتركه يتشعّب فيحول ذلك بيني وبين الغاية التي إليها قصدت.