وزاد في إعزاز الجدّ لحفيده أنّ آمنة خرجت بابنها إلى المدينة لتري الغلام فيها أخوال جدّه من بني النجّار، وأخذت معها أمّ أيمن الجارية التي خلّفها عبد الله من بعده. فلما كانوا بها أرت الغلام البيت الذي مات أبوه فيه
_________________
(١) سورة الإنشراح الآيات من ١ إلى ٣.
(٢) السنة: هنا الجدب.
[ ٨١ ]
والمكان الذي دفن به؛ فكان ذلك أوّل معنى لليتم انطبع في نفس الصبي. ولعل أمّه حدّثته طويلا عن هذا الأب المحبوب الذي غادرها بعد مقامه معها أياما معدودة ليجيئه بين أخواله أجله، فقد كان النبيّ بعد هجرته إلى المدينة يقصّ على أصحابه حديث تلك الرحلة الأولى إلى المدينة مع أمه، حديث محبّ للمدينة محزون لمن تحوي القبور من أهله بها. ولما تمّ مكثهم بيثرب شهرا اعتزمت آمنة العودة، فركبت وركب من معها بعيريهما اللذين حملاهما من مكة. فلما كانوا في أثناء الطريق بين البلدين مرضت آمنة بالأبواء «١» وماتت ودفنت بها، وعادت أمّ أيمن بالطفل إلى مكة منتحبا وحيدا، يشعر بيتم ضاعفه عليه القدر فيزداد وحشة وألما. لقد كان منذ أيام يسمع من أمه أنّات الألم لفقد أبيه وهو ما يزال جنينا، وها هو ذا قد رأى بعينيه أمّه تذهب كما ذهب أبوه وتدع جسمه الصغير يحمل همّ اليتم كاملا.
زاد ذلك في إعزاز عبد المطّلب إيّاه. مع ذلك بقيت ذكرى اليتم أليمة عميقة في نفسه، حتى وردت في القرآن إذ يذكر الله نبيه بالنعمة عليه فيقول. (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى. وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى) «٢» .