على أن هذه الحضارة وليدة الخصب والاستقرار جلبت على اليمن من الأذى ما منع الجدب منه أواسط شبه الجزيرة. فقد ظلّ ملك اليمن في بني حمير يتوارثونه حينا ويثب عليه حميريّ من الشعب حينا آخر حتى ملكهم ذي نواس الحميري. وكان ذو نواس هذا ميالا إلى دين موسى، راغبا عن الوثنية التي تورّط فيها قومه، وكان قد أخذ هذا الدين عن اليهود الذين هاجروا إلى اليمن وأقاموا بها. وذو نواس الحميري هذا هو، فيما يذكر المؤرخون صاحب قصة أصحاب الأخدود التي نزل فيها قوله تعالى: (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ. النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ. وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ. وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) «١» . وخلاصة هذه القصة أن رجلا صالحا من أتباع عيسى يدعى قيميون، كان قد هاجر من بلاد الروم واستقرّ بنجران، فاتّبعه أهلها لما رأوا من صلاحه وظل عددهم يزداد حتى استفحل أمرهم. فلما نمى خبرهم إلى ذي نواس سار إلى نجران، ودعا أهلها إلى الدخول في اليهودية أو يقتلوا. فلما أبوا شقّ لهم أخدود أوقد فيه النار ثم ألقي بهم فيها، ومن لم يمت بالنار قتل بالسيف ومثل به. وقد هلك منهم، على رواية كتب السيرة، عشرون ألفا. ثم إن أحد هؤلاء النصارى فرّ من القتل ومن ذي نواس وسار حتى أتى قيصر الروم جوستنيان فاستنصره على ذي نواس. ولما كانت الروم بعيدة عن اليمن كتب القيصر إلى النجاشي ليأخذ بالثأر من ملك اليمن. ويومئذ (في القرن السادس الميلادي) كانت الحبشة والنجاشي على رأسها في ذروة مجدها تجري بأمرها على البحار تجارة واسعة، ويمخر لها العباب أسطول قوي «٢» يجعلها تتسلط بنفوذها على ما حاذاها
_________________
(١) سورة البروج الآيات من ٤ إلى ٨.
(٢) هذه الرواية وردت في أكثر الكتب والمراجع. سجلتها دائرة المعارف البريطانية وأخذ بها مؤرخو كتاب) world Historians History of the واعتمدها در منجم في كتاب «حياة محمد» . على أن الطبري روى عن هشام بن محمد أنه لما ذهب اليمنى يستنجد النجاشي على ذي نواس وأنبأه بما فعل نصير اليهودية بالنصارى وأراه الإنجيل قد أحرقت النار بعضه، قال له النجاشي: «الرجال عندي كثير وليست عندي سفن، وأنا كاتب إلى قيصر في البعثة الي سفن احمل فيها الرجال. فكتب إلى قيصر في ذلك وبعث إليه بالإنجيل المحرق، فبعث إليه قيصر بسفن كثيرة» . ويضيف الطبري: «وأما هشام بن محمد فإنه زعم أن السفن لما قدمت على النجاشي من عند قيصر حمل جيشه فيها فخرجوا في ساحل المندب» . (راجع الطبري طبعة المطبعة الحسينية جزء ٢ ص ١٠٦ و١٠٨) .
[ ٥٨ ]
من البلاد؛ وكانت حليفة الإمبراطورية البزنطية ورافعة علم المسيحية على البحر الأحمر، كما كانت بزنطية رافعة علمها على البحر الأبيض. فلمّا بلغت النجاشي رسالة القيصر بعث مع اليمني، الذي حمل إليه هذه الرسالة، جيشا جعل على رأسه وفي جنده أبرهة الأشرم. وغزا أرياط اليمن وملكها باسم عاهل الحبشة، وظلّ على حكمها حتى قتله أبرهة وتولّى الأمر مكانه. وأبرهة هذا هو صاحب الفيل، وهو الذي غزا مكة ليهدم الكعبة فأخفق، على نحو ما سيرى القارئ في الفصل الآتي «١» .