هاتان القوّتان المتقابلتان: قوّة المسيحية وقوّة المجوسية، قوّة الغرب وقوة الشرق، ومعهما الدويلات المتصلة بهما والخاضعة لنفوذهما، كانتا في أوائل القرن السادس الميلادي تحيطان بشبه جزيرة العرب. لقد كان لكل واحدة منهما مطامع في الاستعمار والتوسّع، وكان رجال الدين في كلتيهما يبذلون الجهود لنشر الدعوة إلى العقيدة التي يؤمنون بها؛ مع ذلك ظلت شبه الجزيرة وكأنها واحة حصينة آمنة من الغزو إلا في بعض أطرافها، آمنة من انتشار الدعوة الدينية، مسيحية أو مجوسيّة، إلا في قليل من قبائلها. وهذه ظاهرة قد تبدو في التاريخ عجيبة، لولا ما يفسرها من موقع بلاد العرب ومن طبيعتها، وما للموقع والطبيعة من أثر في حياة أهلها وفي أخلاقهم وميولهم ونزعاتهم.